|
خالــد
القشطيــني
يحكى ان رجلا حضريا من اهل المدن ذهب ليزور
اعرابيا من اهل البادية استضافة هذا واولم له
وليمة من اكلة السخين سأله الضيف يا ابا عبد الله
ماذا تسمون هذه الاكلة فقال له انها هي السخين فرد
عليه الضيف مستفسرا وماذا تسمونها عندما تبرد؟
قاله له وفقك الله وهل نتركها حتى تبرد؟!
اعلم ياحضرة القارئ الكريم وفقك الله ان جواب هذا
الاعرابي بكلماته الموجزة يجسم ويعبر في الواقع عن
هذه الجينات المستأصلة في نفوسنا والمتمثلة
بالحكمة القديمة عصفور في اليد خير من عشرة على
الشجرة. فحيثما تلتفت تجد ان جل ساستنا وؤلي الامر
منا يستعجلون الطبخة قبل نضوجها ويؤثرون فضل المدى
القريب على افضال المدى البعيد كل هذه المصائب
والمشاكل كل هذه المنازعات والقتولات والخطوفات
الجامحة في العراق وفلسطين والصومال وغيرها تعود
في الواقع للعركة على الكعكة قبل نضوجها لااحد
منهم يتركها حتى تبرد فيسهل تقسيمها وتوزيعها.
عدم الاستقرار والتوالي السريع في السلطة وعدم
وجود الية تضمن الانتقال الشرعي السلس خلق في
المسؤولين الشعور بعدم ائتمان الزمن تراه اليوم
وزيرا وتسمع عنه بعد ايام في السجن او هاربا في
ديار الغربة والعاقل اللبيب كما يرون وهو من يرتب
لنفسه رصيدا محترما في سويسرا وغيرها من البلدان
الاجنبية الامنة ياليتهم تعاملوا مع بلادهم كما
تعاملوا مع شركاتهم فكل الشركات المهيبة والمحترمة
تدرك وتعمل على اساس التخطيط البعيد المدى لا
تنتظر من استثماراتها ان تاتي باكلها بعد ايام
قليلة.
اذا كان الامر بهذا الشكل بالنسبة للشركات الكبرى
فما بالك بالنسبة لدولة؟ عمر الافراد محدود وقصير
ولكن عمر الشعوب والامم والدول يمتد لقرون الحكمة
القديمة التي تقول زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون
تحولت عند هؤلاء القوم الى نبهوا فأجاعونا وننهب
فيجوعون يعتبر هذا التفاوت بين عمر المواطن وعمر
الوطن سببا من اهم اسباب المحن والتخبط الجاري في
معظم البلدان.
هذا التناقض الزمني يلحقه تناقض مكاني يرجع هذا
التناقض المكاني الى ضحالة الشعور بالوطن الاكبر
الشعور بالانتماء الوطني ومايترتب عليه من مسؤولية
نحو كل جزء من اجزاء الوطن يتطلب عنصر الزمن
العراق كبلد مثلا كيان حديث العهد بالنسبة للعشرين
او الثلاثين مليون فرد ساكن فيه ويظهر ان حب الوطن
كحب الزوجه شيء يتصلب ويقوي بمرور الايام والسنين
لاتستطيع ان تخلقه بمجرد خط الزواج او اعلان
الاستقلال وهذه طبعا هي محنة الجيل الحاضر الذي
يقتضي عليه ان يجتاز خطوط النار خطأ فخطأ ويتذرع
بالصبر والامل حتى يبرد السخين وتنضج الكعكة سالمة
كاملة.. |