القائمة الرئيسية

الاولــــــــى

الافتتـاحيـة

الثــــــانيـــة
السياسيـة
محليـــــات
تحقيقـــات
الثقـافيـــة
حـــــــوارات
طب و علوم
مــقـــالات
الـــريـــاضــية
الاخــيـــرة

القائمة الثانوية
الاتصال بنا
الارشـــيف
كاريكــاتيــر

 

    
البينة الجديدة جريدة يومية سياسية عامة                                                                                                                                               رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين العراقيين (134)                                                                                                                      رقم الايداع في دار الكتب والوثائق (970) لسنة 2007

السنة الثالثة العدد (541) الثلاثاء 11 / اذار / 2008م ـ 3/ربيع الاول/ 1429 هـ

تحديات ضعف الأداء الحكومي للدول النامية

  سوزان إي. رايس
خلال زيارته الأخيرة للقارة الأفريقية، وقّع الرئيس الأميركي جورج بوش على برنامجين رئيسيين هما: مبادرة مكافحة الإيدز وحساب تحديات الألفية، ويتوقع لكليهما أن يعود بالنفع والفائدة على كثير من دول القارة. غير أنهما يظلان قاصرين على التصدي لذلك الوباء الخطير الذي يعم الجزء الأكبر من أفريقيا والشرق الأوسط معاً، ألا وهو الضعف الحكومي المتمثل في عجز كثير من حكومات الإقليمين المذكورين عن بناء جهاز إداري ذي كفاءة تمكنه من معالجة عناصر الضعف أو حتى الفشل، بحيث يصبح قادراً على تلبية حاجات المواطنين، والتصدي للمخاطر الأمنية الإقليمية.
وكان بوش نفسه قد اعترف في استراتيجيته الأمنية القومية لعام 2006، بأن هذه الدول "لا تشكل خطراً على شعوبها وعبئاً على الاقتصادات الإقليمية فحسب، وإنما تظل عرضة للاستغلال من قبل الإرهابيين والطغاة والمجرمين الدوليين. وعليه فإننا سنواصل العمل معاً من أجل تمكين هذه الدول المهددة، في سبيل توفير المساعدات الإنسانية لها عند الأزمات، فضلاً عن تحسين أهليتها بما يحفز نماءها وتقدمها". لكن، وبعد مضي عامين كاملين على الإعلان عن تلك الاستراتيجية، لا تزال الولايات المتحدة تفتقر إلى استراتيجية فعلية من شأنها تعزيز تلك الدول التي تُعد الأكثر عرضة للتهديدات الأمنية. والمعضلة أن صانعي السياسات والقرارات في الولايات المتحدة، ليس لديهم من الأدوات ما يمكنهم من قياس الفوارق بين عشرات الدول الضعيفة، وتحديد الأسباب وراء ضعف كل واحدة منها على حدة. وكما نعلم فإن لكل منها متلازمة فريدة من مركبّات الضعف والأعراض التي تعانيها. وما لم ندرك الأسباب المحددة لهذه الأعراض ومصادر ضعف كل واحدة منها، فإنه لا سبيل مطلقاً لضمان فعالية أي تدخل من جانبنا لإصلاحها. وحرصاً منا على مساعدة صناع السياسات الأميركيين والدوليين في تحديد هذه الأسباب والمصادر، فقد بادرنا إلى وضع "مؤشر الضعف الحكومي في الدول النامية" برعاية مؤسسة بروكنجز. وميزة هذا المؤشر أنه يقوّم ويرتب الدول النامية كافة البالغ عددها 141 دولة من حيث الأداء الحكومي في كل واحدة منها، اعتماداً على الوظائف الأربع المنوط بكل حكومة القيام بها: توفير الأمن، الحفاظ على شرعية المؤسسات السياسية، حفز النمو الاقتصادي العادل والمتساوي، وتلبية الحاجات الإنسانية لشعبها. ومن خلال البحث والاستقصاء تبين لنا أن ما يقارب 60 دولة من هذه الدول، أي ما يزيد على ربع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، عاجزة عن النهوض بالمتطلبات الأساسية الملقاة على جهاز الدولة. ورغم استئثار القارة الأفريقية بالحصة الأكبر من الضعف الحكومي، إلا أن القائمة تطال دولاً أخرى تمتد من هايتي إلى اليمن، ومن بورما إلى النيبال. وفي القائمة أيضاً أفغانستان التي تعد دولة فاشلة تماماً، لكونها تلي الصومال مباشرة، محتلة بذلك المرتبة الثانية. ثم تليهما في المرتبة الثالثة في العجز الحكومي عن النهوض بأي من الوظائف الأربع الملقاة على عاتق الدولة، جمهورية الكونجو الديمقراطية. ومن بعدها يأتي العراق في المرتبة الرابعة لكونه أعلى بقليل من الكونجو وأدنى من بورندي والسودان وزيمبابوي. في قائمة الدول ذات الأداء الحكومي الضعيف، تحتل أفغانستان المرتبة الثانية بعد الصومال، تليها الكونغو، ثم العراق في المرتبة الرابعة! والحقيقة أن تعقيد وحدّة المشكلات التي نواجهها في كل من أفغانستان والعراق، هما أبعد بكثير مما يعترف به المسؤولون الأميركيون. ومن شأن هذا "المؤشر" الذي وضعناه أن يمكّن صناع السياسات من معايرة واختبار كل واحدة من الدول النامية، وتحديد مكامن ضعفها وقوتها، بما يساعد في تفصيل الجهود والاستثمارات المطلوبة لكلٍ منها على ذلك الأساس. ولا يزال في وسع إدارة بوش في عامها الأخير هذا، وضع اللبنات الأساسية لاستراتيجية شاملة، من شأنها تعزيز الدول الضعيفة، والحيلولة دون انزلاقها إلى هوة الفشل التام. وحسب رأينا، فإن العناصر الأساسية لهذه الاستراتيجية تتلخص فيما يلي:
أولاً: إعطاء الأولوية القصوى لجهود التخفيف من وطأة الفقر، لما للفقر من علاقة وطيدة بضعف الأداء الحكومي، وتزايد النزاعات الداخلية والإقليمية. ولهذا فلا بد للإدارة من ربط برنامج "حساب تحديات الألفية" الذي بادرت به، بجودة الأداء الحكومي.
ثانياً: استهداف ثغرات الأداء، بمعنى أن تستهدف المساعدات الأميركية مكامن ضعف كل واحدة من الدول المعنية. ثالثاً: زيادة وتوسيع المساعدات الأميركية للدول النامية بما يحقق أهداف الاستراتيجية. رابعاً: تعزيز وكالاتنا المدنية وتوسيع دورها في الدول النامية الضعيفة. فإلى جانب الجهد العسكري، تزداد حاجة الولايات المتحدة إلى ذراع دبلوماسية قوية وفاعلة، مما يعني تزايد حاجتنا إلى مهنيين مدنيين على أراضي تلك الدول. وهذا هو عين ما لاحظه وزير الدفاع روبرت جيتس في الإفادة التي قدمها أمام الكونجرس في شهر نوفمبر الماضي بقوله: "لم يعد بمقدور الجيش الأميركي وحده، أن يعيد الحياة إلى دول مهترئة مزقتها الحروب والنزاعات الداخلية". ومن هنا فعلى الكونجرس أن يستجيب لطلب إدارة بوش الخاص بزيادة عدد المهنيين في كل من وزارة الخارجية والوكالة الأميركية للتنمية الدولية. خامساً: بناء الشراكات. ذلك أنه ليس في وسع أميركا منفردة النهوض بواجب تمكين الدول المستضعفة هذه والنهوض بها. وعليه فلا بد لنا من تنسيق جهودنا مع حلفائنا والمؤسسات الدولية والدول النامية في التصدي لهذا التحدي الأمني الأكثر إلحاحاً في قرننا الحالي.

كاسترو: استراحة آخر محارب
سيار الجميل

 قبل ان يكمل نصف قرن في الحكم، قرر الزعيم الكوبي فيدل كاسترو ان يغادر الحكم طوعا، وقد تجاوز الثمانين سنة من العمر بقرابة سنتين، وقد عرف بخطاباته النارية وشعاراته المضادة ومواقفه القوية، وهو شاهد رؤية لأحداث تاريخ عالمنا المعاصر، والاهم من كل هذا وذاك، انه يعد آخر الزعماء الثوريين الذين برزوا في الخمسينات من القرن العشرين، وشكلوا لهم تاريخا نضاليا وثوريا متنوع الصفحات، أمثال: ماوتسي تونغ وكيم ايل سونغ وشو آن لاي وجواهر لال نهرو وجمال عبد الناصر وجوزيف بروز تيتو. ان كاسترو هو البقية الباقية من شيوعيي العصر وبمغادرته الحكم فبراير 2008، تنتهي صفحة مثقلة بالأحداث من التاريخ المغاير الذي شكّل في القرن العشرين جدارا صلبا إزاء السياسات الغربية التي وصفت بالامبريالية العالمية والتي تصدرتها قوة الرأسمالية، كان كاسترو جزءا حيويا في الحرب الباردة التي استمرت طويلا بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، بل وبسببه، كادت تتفجر حرب عالمية ثالثة، ولعل ما يميّز كاسترو في كوبا انه الأقرب كثيرا إلى خصمه اللدود الولايات المتحدة الأميركية، وقد بقي صامدا بوجه تحدياتها زمنا طويلا، وثمة أسرار يمتلكها هذا الرجل الذي لا اعرف هل كتب مذكراته عن تلك المرحلة الصعبة من تاريخ العالم أم لا !؟ لقد بقي حتى اليوم يحمل فكره وشعاراته ومفاهيمه، ربما غدا أكثر ليونة من الماضي في خطابه، ولكنه بقي صارما شديد الصرامة في واقعه على الأرض. كاسترو المولود عام 1926 زعيم ثوري ـ كما يصنف نفسه ـ وهو مثقف ثقافة ماركسية تخرج في جامعة هافانا بشهادة في القانون وعمل محاميا في بدايته. بدأ عمله السياسي ثائرا وليس نائبا في برلمان، كان رافضا لكل الأحوال الكوبية، اذ قاد الثورة ضد حكم باتيستا عام 1953. وفشل في البداية مع مجموعته باقتحام ثكنات مونكادا العسكرية، وقبض عليه وسجن ولكن اعفي عنه بعد عامين، اختار النفي بالمكسيك والولايات المتحدة لأكثر من سنة، ثم عاد عام 1956 وقد جمع حوله العشرات من المتمردين والثوار واختار اسم (حركة 26 يوليو) لتنظيمه الثوري، وانضم اليه الثائر الشهير تشي جيفارا، وناضلا معا حتى تكلل عملهما بالإطاحة بالحكم الدكتاتوري لباتيستا عام 1959، ثم افتراقهما. كانت إجراءات كاسترو الثورية وخصوصا تأميمه بعض الشركات الأميركية في كوبا بعد ان وجد ذريعة واهية برفض تلك الشركات تحسين شروط تكريرها للنفط، فقام عام 1960 بتأميمها، وبدأ يشتري النفط من الاتحاد السوفييتي بثمن بخس، مما أدى إلى قطع العلاقات بين كوبا وأميركا منذ تلك اللحظ التاريخية. متوجها بثقله إلى السوفييت، وبالرغم من شعاراته الايديولوجية الكوبية بعدم وجود شيوعية ولا ماركسية، بل ديمقراطية نموذجية وعدالة اجتماعية ومنظومة اقتصادية، إلا ان كوبا كانت تحسب على المعسكر الشيوعي. لعل معركة خليج الخنازير من أهم أحداث المواجهة ابان الحرب الباردة، فنتيجة لقوة كوبا بالسوفييت، قادت الولايات المتحدة في ابريل 1961 محاولة لإسقاط كاسترو، اذ جنّدت جيشا قوامه من المنفيين الكوبيين لغزو كوبا، وفي خليج الخنازير، ردت الحملة على أعقابها بعد الفشل الذريع الذي واجهته والهزيمة النكراء التي لحقتها من قبل القوات الكوبية، وقتل واسر الآلاف من المهاجمين. وحدثت أزمة الصواريخ بعد عام، اذ رصدت الولايات المتحدة نصب صواريخ سوفييتية في كوبا باتجاه أميركا، ففزع العالم من اندلاع حرب عالمية نووية ستأكل كل العالم، وهدد نيكيتا خروتشوف رئيس مجلس السوفييت الأعلى باستخدام الصواريخ ضد أميركا، ولكن اتفق الطرفان على ان يسحب كل منهما صواريخه : السوفييت من كوبا والأميركان من تركيا ! كان كاسترو هو العدو رقم واحد للولايات المتحدة، وحاولت دوائر الاستخبارات الأميركية اغتياله عشرات المرات ولم تفلح، لقد اعتمد كاسترو على الاتحاد السوفييتي اعتمادا اساسيا، وبالرغم من مشاركته منظمة عدم الانحياز، وشعاراته عن الحياد الايجابي، الا انه كان تابعا للسوفييت ومنحازا بشكل سافر ويدعم العديد من الحركات الثورية الماركسية. وسنرى ان الدعم السوفييتي سيرفع عنه بعد سياسة الوفاق بين القطبين في حين تشدد الولايات المتحدة حصارها الاقتصادي على كوبا لسنوات طوال حتى شلت الحركة في المجتمع، وبدأ الكوبيون يهربون إلى المجهول اذ وصلت الأوضاع الاقتصادية في كوبا إلى حالة متردية عند منتصف التسعينات، كانت البلاد أصلا منغلقة وزادت انغلاقا. وبدأ الناس يهربون أفواجا إلى الولايات المتحدة وغرق الآلاف منهم، وبقي كاسترو صامدا، ولم يتبق له إلا فنزويلا والبرازيل في محيطه الاقليمي، وعلى الرغم من كل المأساة، فان كوبا قد عرفت على عهد كاسترو أفضل نظام صحي وأفضل نظام تعليمي يقارنه المراقبون بما هو متوفر في الدول المتقدمة، ومع انعدام الديمقراطية بأشكالها التقليدية والمتعددة، والأخذ بخناق المعارضين والرقابة والاضطهاد المنظّم لكل (أعداء الثورة). وبالرغم من الاستقرار السياسي إلا ان الحياة المعيشية كانت ولم تزل تعيسة سبّبت نفورا واسع النطاق من قبل الشعب لزعيمه كاسترو الذي يرونه اليوم خارج حياة العصر، وعليه ان يغادر التاريخ في حين لم يزل أتباعه وكل محبّيه والموالين له زعيما فذا لا يمكن أن ينجب العالم مثله أبداً! وليس لنا نحن إلا أن نقول بأن كاسترو هو آخر الزعماء الثوريين من أبناء القرن العشرين، ودع التاريخ يقول كلمته فيه.

حمــاس وفتـح.. الـوفـاق الـغـائـب

  د. صالح عبد الرحمن المانع
خرج الرئيس اليمني في الأسبوع الماضي بمبادرة جديدة لإيجاد أرضية مشتركة للتفاهم بين حركة حماس والسلطة الوطنية الفلسطينية، وتشبه المبادرة اليمنية إلى حد كبير اتفاق مكة الذي أبرم في بداية العام الماضي بين حماس والسلطة. وتتضمن المبادرة الجديدة سبعة بنود تنص على عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل استيلاء الحركة على مقاليد الأمور في غزة
كما تنص على استئناف الحوار على أسس اتفاقي القاهرة ومكة الموقعين بين الطرفين، وعلى أساس قيام حكومة فلسطينية واحدة ممثلة بهيئات رئاسية وتشريعية وتنفيذية، ملتزمة بشرعية سياسية واحدة. ودفعت المبادرة الجديدة إلى توحيد جميع القوى الأمنية تحت مظلة واحدة، كما نصت على ضرورة إجراء انتخابات نيابية مبكرة. وبينما رحبت إدارة الرئيس محمود عباس بالمبادرة، فإن عدداً من مسؤولي حركة "حماس" لم يتحمسوا لقبولها، واعتبروا أن أول بند فيها، وهو تنازل الحركة عن السلطة في غزة يعتبر شرطاً مسبقاً تعجيزياً يحول دون تنفيذها. والحقيقة أن كلا الطرفين الفلسطينيين في مأزق. فبالرغم من الأموال التي تدفقت على مقر السلطة في رام الله، وقيام السلطة بصرف مرتبات موظفيها، حتى أولئك العاملين في غزة، فإن الوضع السياسي والأمني للفلسطينيين لم يتحسن فعلياً على الأرض. فلا زالت إسرائيل تقيم الحواجز اليومية على الطرق الفلسطينية وتبني أكثر من 7500 منزل جديد في جبل أبو غنيم ومحيط مدينة القدس، كامتداد للمستوطنات الحالية. ولا زال القطاع يئن تحت الحصار، دون أن يكون هناك فعل عربي أو دولي لرفع هذا الحصار الجائر. العالم العربي مشدود اليوم بحالتين شاذتين، دولة بدون رئيس في لبنان، وحكومتين برئيسين في فلسطين. وفي كلتا الحالتين لا توجد سلطة فاعلة.
كما أن الصورة الوردية التي رسمتها الإدارة الأميركية في مؤتمر "أنابوليس" في ديسمبر الماضي بدأت تتبخر وتتلاشى ملامحها بشكل سريع. والأمل المعقود على إدارة بوش بتحقيق اختراق سياسي حقيقي بإعلان اتفاق ثنائي بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية بات بعيد المنال. وبدلاً من ورود السلام، لا زالت جنائز الفلسطينيين تسير نحو مقابر الشباب في غزه ونابلس وغيرهما من مدن فلسطين. ووصل الأمر بأحد الساسة العرب إلى أن يقول إن هؤلاء الساسة قد غرر بهم وقيدوا إلى "أنابوليس" على أمل تحقيق سلام وانفراج حقيقي ليواجَهوا بتعنّت إسرائيلي، وتهميش كامل للقضية الفلسطينية من قبل الإدارة الحالية في آخر سنة لها على كرسي السلطة. كما أن رئيس وزراء إسرائيل نفسه يجوب العالم من بروكسل إلى اليابان ليهيئ الرأي العام الأوروبي والآسيوي لحرب مستقبلية على إيران، ولغزو أرضي لقطاع غزه. فالعالم اليوم وللأسف وبعد أن قبر القانون الدولي وبنوده، بات يقبل بأدوات الغزو العسكرية كسبيل مقبول لحل القضايا السياسية المستعصية، وتحويلها إلى قضايا أمنية يحق لأية دولة قوية فيها أن تفرض قوتها وإرادتها على جيرانها ومنافسيها، دون أدنى درجة من احترام قيم السيادة أو معايير القانون الدولي، الذي يرتكز على حق احترام سيادة الدول على أراضيها، ويحرِّم اللجوء إلى الأعمال العسكرية إلا تحت شروط عسيرة، وبموافقة دولية من مجلس الأمن وغيره من الهيئات الدولية. ربما سيكون من العسير الوصول إلى توافق بين "حماس" والسلطة. ويصعب على قوات "حماس" أن تسلّم مقاليد السلطة في غزة إلى "فتح"، بعد أن تذوقت حلاوة الانفراد بالقرار، وشعرت براحة كرسي السلطة. لذلك فمن المستحسن النظر في آليات عملية لتسهيل مثل هذا الانتقال. وتأتي مثل هذه الآلية عبر النظر جدياً في إرسال قوات سلام وحفظ أمن عربية وإسلامية إلى القطاع ولفترة محدودة تتراوح بين ستة أشهر إلى سنة كاملة، كحدٍّ أقصى. وتكون هذه القوات تحت مظلة المؤتمر الإسلامي أو الجامعة العربية. ويكون من مهام هذه القوات فرض الأمن والاستقرار على أراضي القطاع، ولن تتمكن إسرائيل من مهاجمة القطاع إذا كانت هذه القوات تحوي عدداً من جنود الدول العربية التي وقعت على معاهدة سلام معها، مثل مصر والأردن، وسيصعب على مسلحي حركة "حماس" مهاجمة قوات عربية وإسلامية مرابطة في القطاع. كما سيكون من أولى مهام هذه القوات حفظ الأمن في القطاع ورفع الحصار عنه، وتسهيل تحرك البشر والسلع والبضائع عبر المعابر التي تربط بينه وبين مصر من جهة، وبينه وبين الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، عبر إسرائيل. وخلال هذه الفترة الزمنية، ولتكن عاماً كما ذكرنا كحد أقصى، يمكن إعادة تشكيل قوات الأمن في القطاع على أساس وطني، دون أن تكون لأي من "حماس" أو "فتح" سيطرة على هذا القطاع وربطه تدريجياً بمركز السلطة في رام الله. وإعادة بناء المؤسسات التشريعية والتنفيذية في القطاع، والإشراف على عمليات بناء المرافق الحيوية مثل المطار والميناء فيه. وستتيح هذه الآلية للدول العربية أداة فعّالة، ليس فقط لإنهاء الحصار الحالي، أو التوفيق بين الجانبين الفلسطينيين، ولكنها ستتيح للشعب الفلسطيني أن يلمس ويشعر بشكل مباشر بدعم الشعوب والحكومات العربية لسعيه الحثيث من أجل استقلال فلسطين وتوحيد شطريها المفصولين جغرافياً وسياسياً. ربما يذهب البعض إلى القول إن مجلس الأمن لن يقبل بهذا التدخل ولن تقبل إسرائيل به، ولكن الحقيقة أن مجلس الأمن والأسرة الدولية لم تقم بأدنى ما هو مطلوب منها لإنهاء الحصار على القطاع. كما أن شرعية النظام السياسي العربي قد تشوّهت بشكل كبير بسبب عدم مقدرته على رفع الحصار عن الفلسطينيين، وعدم وقف نزيف الصراع الثنائي بينهم، برغم المساعي الحميدة التي بذلت حتى الآن في هذا الشأن. إن الدول العربية وشعوبها لا يمكن أن تقبل بالوضع الراهن في قطاع غزه وفي الضفة الغربية. وإذا ما أردنا أن نحقق الحلم الفلسطيني فعلينا أن ندعم أطروحاتنا ومبادراتنا بفعل سياسي وأمني على الأرض. وكما قال زميل أكاديمي يمني، فإن العالم العربي مشدود اليوم بحالتين شاذتين، دولة بدون رئيس في لبنان، وحكومتين برئيسين في فلسطين. وفي كلتا الحالتين لا توجد سلطة فاعلة سواء في فلسطين أو في لبنان.

انهم يكتبون.. لأنفسهم!!
محمد خرّوب

 كان لافتاً وباعثاً على الاسى والحزن، مثلما الغضب والاحباط، ما انتهى اليه اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية (انتبهوا جيداً) في ختام دورته غير العادية يوم الاربعاء الماضي، والذي كشف في شكل غير قابل للتأويل، عمق العجز الذي يعيشه النظام العربي الراهن والذي لا يحتاج المرء الى كبير جهد لرؤيته حيث يتبدى في احتراف العرب لمهنة اصدار البيانات المنطوية على تحذيرات وتأكيدات وخلطة سحرية من المفردات الخشبية البائسة التي فقدت مدلولاتها ومعانيها، حيث لم يعد خبراء لجان صياغة البيانات العربية على أي مستوى تريد بدءاً بالقمة وليس انتهاء باستدعاء او برقية لأمين عام الأمم المتحدة، الى هدر المزيد من الوقت واضاعة المزيد من الساعات لتدبيج بيان غير مسبوق .. بل ان كل ما عليهم هو العودة الى غرف الارشيف وانتزاع أي ورقة او وثيقة او ملف ثم القيام ب تحديث تاريخ وموضوع البيان القديم وتوزيعه على الصحفيين ووسائل الاعلام، ليتم تداوله على نطاق واسع ولتضاف حلقة اخرى الى حلقات الحكي والرغي والتكاذب العربي..
لعل اكثر ما يصدق عليه الوصف السابق، هو بيان المجلس الوزاري العربي الذي التأم في القاهرة، والذي عاد فيه موضوع المبادرة العربية للسلام (طبعة بيروت 2002 بنسختها المزيدة والمنقحة والمعتمدة في قمة الرياض 2007) الى صدارة جدول اعمال الدورة غير العادية، بعد ان وضعتهم محرقة شتاء حار امام معضلة خطيرة، وقلبت رزنامتهم التي كانت مكرسة في الاساس لمناقشة الملف اللبناني، الذي بات على نحو لافت وغير مسبوق ويدعو للتساؤل كما الاستغراب، موضع اهتمام العرب ومحور دبلوماسيتهم والقضية الاولى على جدول اعمالهم، الذي - من اسف - لا يكتبونه هم، بل يفرض عليهم.. اولمرت وباراك كتبا جدول اعمال جديداً عندما شرعا في تنفيذ محرقة حقيقية لاهالي غزة وخصوصا اطفالها الرضع، نساؤها والشيوخ، ولم يكونا يدركان او هم نسوا او تناسوا ان رؤساء الدبلوماسية العربية سيلتقون في الخامس من اذار ليقرروا مستقبل قمة دمشق الدورية وليعيدوا احياء ملفات الردح الاعلامي واعادة دبلوماسية المحاور الى الساحات العربية بعد ان كانوا تعاهدوا او قل توافقوا وان شئت تكاذبوا بعدم العودة الى المهاترات والحملات الاعلامية.
وقع الايهودان اولمرت وباراك، في شر اعمالهما فأثاروا عرب ما بعد الحادي عشر من ايلول، ولم يجد عربنا (حتى لا نقول العربان) غير التلويح مجرد التلويح بمراجعة المبادرة العربية للسلام اذا ما واصلت اسرائيل عدوانها.
المدقق في لغة البيان ومدلولات الكلمات التي صيغ بها هذا البيان العتيد، يلحظ على الفور رخاوة واضحة في مجرد التهديد بالتلويح واصرارا عربيا على تجاهل او انكار الرفض الاميركي والاسرائيلي المعلنين لها، وان لا وجود لمثل هذه المبادرة العربية على جدول اعمال الحليفين، بل الأهم من ذلك ان احدا في عواصم القرار الدولي، لا يأتي بذكر على هذه المبادرة واذا ما ذكرها مسؤول غربي، اميركي او اسرائيلي فانما للمجاملة وتقطيع الوقت والايحاء بان هناك اشياء ايجابية في هذه المبادرة لكن اسرائيل لا يمكن ان تقبل بها مرجعية لمفاوضاتها مع الفلسطينيين كما قال ايهود اولمرت حرفيا، وكما هي حال السلطة الفلسطينية المنخرطة في مفاوضات مع الجانب الاسرائيلي وفق تفاهمات انابوليس حيث لا ذكر للمبادرة العربية فيها.العرب اذاً يتحدثون مع انفسهم كما حال السائر في عتمة الليل ووحشة الطريق، فيلجأ للغناء او رفع الصوت لايهام الذي يتربص به (وهو غير متخيل في الحال العربي) انه على يقظة وليس على قلق او خشية من خوف، لكن العرب عرب اليوم كلهم في وضع يُرى ولا يرى ولا عزاء لكل الذين اختاروا السلام خياراً استراتيجياً ورأوا في حرب أكتوبر 73 آخر الحروب، واعتبروا أن التسلح بخيارات اخرى، مجرد مغامرات أو ضربا من ضروب هدر الوقت والجهد والمال ثم حولوا كل تلك الطاقات التي يجب ان تكرس للخصخصة وثقافة الاستهلاك وفتح الطرق السريعة والاوتوسترادات لقطار العولمة وطائراتها وسفنها المبحرة في كل اتجاه.بيان وزراء الخارجية العرب قال .. ان استمرار الجانب العربي في طرح المبادرة العربية للسلام سوف يرتبط بقيام اسرائيل بتنفيذ التزاماتها في اطار المرجعيات الدولية الاساسية لتحقيق السلام في المنطقة .
حسنا.
اسرائيل لن تقوم بتنفيذ ما وصفه البيان بالتزاماتها وهي كما يعرف الوزراء العرب، لم تلزم نفسها بشيء بل هي وحتى لا تترك أي وهم لدى العرب، تقوم بارتكاب جرائم حرب وحروب ابادة جماعية وجرائم ضد الانسانية، ولا تقيم وزنا لاتفاقية جنيف الرابعة او تعر اهتماماً بقرارات الامم المتحدة وقد نجح الوزراء العرب (وهذا يسجل لهم للامانة) في وصف اسرائيل بعدم الجدية في تعاملها مع ما قدم من مقترحات للسلام ومن ضمنها المبادرة العربية.
كل هذا واضح. لكن السؤال الذي تفادى الوزراء العرب الاجابة عليه. ما هي خطوتكم التالية ازاء مقارفات اسرائيل وإذا ما سحبتم المبادرة التي هي بمثابة ورقة توت تخفي عجز العرب وانعدام قدرتهم على مواجهة تحدي اسرائيل وعربدتها سياسياً ودبلوماسياً (ولا نقول عسكرياً ابداً وحاشا لله). الجواب معروف لدى الجمهور العربي، والتركيز على الفراغ الرئاسي في لبنان هو ابعاد الانظار عن هذا العجز اكثر من رغبة في اطفاء الحرائق وبؤر التوتر العربية (دع عنك فلسطين دائماً).
عظم الله اجركم.

 

 

القرأن الكريم


الوقت والتأريخ


القـامــوس

 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة البينة الجديدة© 2007          تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com