|
محمد صادق الحسيني
انتبه الإسرائيليون أم لم ينتبهوا. فعلوها بحسبة
دقيقة للتداعيات في إطار حرب مخابراتية ظنوا أنها
ستبقى محدودة ومحصورة بإعادة الهيبة للردع
الإسرائيلي بفعل عاصفة فينوغراد، أو فعلوها تحت
ضغط زلزال إخفاقات حرب يوليو التي لا تزال
تداعياتها تلاحقهم.
صمموا على صناعة الحدث بقرار منفرد ثم طلبوا
التعاون مع الحلفاء لتسهيل التنفيذ، أم صنعوه
تلبية لرغبة أميركية جامحة، تماماً كما كانت حرب
يوليو بنظر العديد من المحللين، وذلك إرضاءً
للأجهزة الغربية وفي طليعتها الأميركية التي لديها
أكثر من ثأر مع المغدور به . فقد ارتكب
الإسرائيليون من دون شك أو ترديد باغتيالهم الركن
القيادي العسكري والأمني في حزب الله الحاج عماد
مغنية خطأ، بل خطيئة استراتيجية قاتلة ليس فقط بحق
مخابراتهم وأمنهم القومي بل وبحق كيانهم ووجودهم
كدولة. لقد نسي الإسرائيليون ربما للحظة وفي ظل
غياب ملوكهم والقيادات الإيديولوجية المؤسسة
للكيان بأن من يقاتلوهم على الجانب الآخر ليسوا
فقط طلاب انتصارات مادية بل هم طلاب شهادة أيضاً
تتمناها كل قياداتهم بكل شوق وتوق. ويعرف عشاقها
كيف يعتصمون بها بمثابة انتصارات معنوية لا تقل
أهمية عن الانتصارات المادية كلما تراخت قبضات
البعض على السيف أو البندقية، كما يعرفون كيف
يوظفونها من أجل إعادة استنهاض الآلاف وعشرات
الألوف بل الملايين من عشاق الشهادة والانتصارات.
باغتيالهم الحاج عماد مغنية أهدى القادة
الإسرائيليون قيادة حزب الله هذه الورقة الذهبية
التي لو دفعوا المليارات من الدولارات ليحصلوا
عليها ما كانوا قادرين على الحصول عليها بهذه
السهولة.
لقد ارجع الإسرائيليون بهذه الخطوة «غير الموزونة»
والخارجة على التوافقيات الضمنية التي كانت تتحكم
بين الإسرائيلي وخصمه اللدود على الجانب اللبناني
حسب توافقات وضمانات دولية غير معلنة، أرجعت حالة
الحرب بينهم وبين حزب الله عملياً إلى المربع
الأول. المربع الذي بدأت به المقاومة الإسلامية
خطواتها الأولى في بيانها الشهير الذي قرأه أحد
قياداتها في بداية الثمانينات من ضاحية بيروت
الجنوبية وهو يشحذ النفوس والأفئدة والهمم من أجل
تحرير القدس وتحرير فلسطين كل فلسطين. هكذا قرأ
البعض من أهل الخبرة خطاب الأمين العام حسن نصر
الله بمناسبة تشييع جثمان الراحل الكبير الحاج
عماد مغنية في الضاحية الجنوبية قبل أيام، وهكذا
تكون الهمم للمقاتل الخصم من حزب الله قد رجعت إلى
ما كانت عليه في بداية الثمانينات، ولكن هذه المرة
متسلحة بعشرات الآلاف من المقاتلين.
كما قال قائدهم نصر الله، بالإضافة إلى ترسانة
هائلة من الصواريخ فضلاً عن ما اكتسبوه من خبرات
ميدانية كبيرة، مقابل تراجع إسرائيلي فاضح
وإخفاقات كبرى وقاتلة بطرف عدوهم هي ليست من نسيج
دعاية الخصم بل من تقريرات قاض من عندهم عينته
القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية التي قادت
الحرب مجتمعة!
إن حزب الله الخصم الذي كان بدأ يظهر لتوه وكأنه
تراجع إلى داخل المربع اللبناني الضيق ولم تبق
أهداف «عالية» يناضل من أجلها سوى إرجاع بعض
الكيلومترات من الأراضي المحتلة المتنازع عليها
ومن حولها لبنانياً ودولياً.
واستعادة الأسرى المتبقين رهينة بين يدي المحتلين
والذين كان يفاوض عليهم في إطار صفقة تبادل مع
الجنديين الأسيرين لديه، وهما القضيتان اللتان كان
يمكن حسمهما في أول فرصة سانحة من فرص التساكن
الدولي والإقليمي دون عناء التورط بحروب جديدة
فتحت حادثة اغتيال الحاج عماد مغنية احتمالات
واسعة بشأنها.
إن اختيار التوقيت والمكان ونوع العملية والشخص
المستهدف أياً كانت مبرراته الإسرائيلية الداخلية
أو الخارجية المشار إليها أعلاه، منح حزب الله
وأعطاه فرصة ذهبية ليس فقط للعودة للمربع الأول
كما أسلفنا بل وللخروج من الشرنقة اللبنانية
الداخلية التي كان قد حشر فيها رغماً عن إرادته
أولاً .
ومن ثم أعطته كل المبررات الأخلاقية والعرفية لفتح
النار ضد عدوه الاستراتيجي بشكل حرب مفتوحة على كل
المستويات اختارها العدو بنفسه ثانياً، وهو ما
أعلنه الأمين العام لحزب الله بكل صراحة ووضوح.
هذا بالإضافة إلى إضفاء كل المبررات وتقديم كل
الفرص لما بات يعرف بالمحور السوري اللبناني
ثالثاً للعودة بقوة إلى ساحة الفعل اللبنانية بعد
كل الجهود الدولية والإسرائيلية التي بذلت من أجل
إخراجهما .
أو عزلهما كحد أدنى عن القدرة على الفعل داخل
المعادلة اللبنانية الجديدة التي يعدون لها منذ
اغتيال رفيق الحريري، باعتبارهما عنصرين متهمين في
التحريض على الاغتيالات ومشجعين على الفوضى
والإرهاب وإثارة الحروب والنزاعات مقابل
الإسرائيلي الباحث عن فرص للسلام والتسوية كخيار
استراتيجي مع الدول العربية.
بعد اغتيال الحاج عماد مغنية على الأرض السورية ها
هو الإيراني يدخل بيروت ممثلاً بأعلى المستويات
معزياً ومواسياً أسرة الضحية ومستنكراً للإرهاب
والقتل والجريمة، ولن يطول الانتظار حتى يعود
السوري مسلحاً بحقه للرد على الانتهاك الصارخ
للسيادة والذي ظهر وكأنه مغطى بشكل أو بآخر من قبل
الفريق اللبناني المعادي لسوريا ومن ورائه المحور
الأميركي الفرنسي الذي سعى ولا يزال بكل قوة ليظهر
السوري متهماً أوحد بكل الاغتيالات اللبنانية،
فيما تظهر حادثة اغتيال الحاج عماد مغنية مرة أخرى
بأن صاحب اللقب الحقيقي لمقولة الإرهاب والاغتيال
والذي تليق به دون غيره صفة القاتل المقنع وصانع
الفتن المتنقلة هو الكيان الإسرائيلي.
بعد كل ما تقدم يطرح السؤال التالي نفسه: من سيكون
المنتصر الحقيقي والواقعي من هذه الحرب المفتوحة
الجديدة التي أرادتها إسرائيل واعية أو رغماً عنها
من خلال خطوة اغتيال الركن القيادي الكبير في
المقاومة الإسلامية على الأرض السورية؟ إنها قيادة
حزب الله اللبناني والمقاومة الإسلامية اللبنانية
والأمين العام لحزب الله حسن نصر الله بكل تأكيد.
إن كل من يعرف العقيدة التي يرتكز عليها وينتمي
إليها قادة حزب الله والمقاومة الإسلامية في
جهادهم وكفاحهم ضد العدو الإسرائيلي يعرف تماماً
أن الضربة التي لا تقضي على الخصم من هذا النوع بل
توجعه فقط وتؤلمه إلى حين هي ضربة ستقويه في
النهاية وتعزز مواقعه في المعارك اللاحقة.
والضربة التي وجهت إلى الحاج عماد مغنية بعد أن
أكمل مهماته القتالية والأمنية والتنظيمية كما وضح
الأمين العام لحزب الله وهو ما يعرفه الراسخون في
العلم والتحليل لهذه الظاهرة هي من النوع الذي ليس
فقط ستقوي الحزب والمقاومة بل من شأنها أن تشعل
فتيل المقاومة وتزيد من وهجها.
وكأن الأمور بدأت من جديد والمعركة عادت إلى
مربعها الأول كما أسلفنا، ومن يشكك في هذه القراءة
لن يتأخر كثيراً قبل اكتشاف هذه الحقيقة، والأيام
والأسابيع المقبلة ستكون حبلى بحرب المفاجآت
المفتوحة على كل المستويات، وسيكون الثمن المدفوع
من قبل القيادة الإسرائيلية أو من دفع بها ومن
شجعها ومن تضامن معها أو شاركها هذا القرار مكلفا
جداً، كما يقول الراسخون في علم المقاومة ولن يطول
الانتظار. |