|
باقر
محمد
لااعرف بالضبط ماهو السر وراء ظهور وانتشار
(النظريات ذات العامل الواحد) التي تحاول ان تضع
اساسا واحدا لمجمل النشاطات الانسانية سواء اكانت
على مستوى الفرد او المجتمع فنظرية ترجع ذلك الى
الاساس الاقتصادي واخرى الى الاساس النفسي وثالثة
الى الاساس الاجتماعي,ومن هنا فكل نشاط انساني
مهما كان نوعه لابد ان يرجع بالضرورة الى واحدة من
هذه الاسس التي تجتهد كل نظرية في تبنيها تبعا
للمعطيات البحثية والمنهجية التي تؤمن بها.
ربما يكون امر العامل الواحد وراء التحرك البشري
فرديا واجتماعيا متفهما في المقولة الدينية
والفلسفية اللتين تؤكدان في اطار النظرية الكونية
الشاملة على مبدأ(وحدة العالم) وان هذا الوجود
برمته مهما كان يترائ لنا في ظاهره متعددا الا انه
في حقيقته واحد لان(الواحد لايصدر عنه الا
واحد,والواحد لايصدر الا من واحد),وان هذا الوجود
البشري فرديا واجتماعيا سائر باتجاه الله تبارك
وتعالى مهما كانت افعاله واعماله قد تتصور لاول
وهلة بعيدة عن هذا المطلب الا انها في النهاية
واقعة في طريق سيره نحوه جلت الاؤه(ياايها الانسان
انك كادح الى ربك كدحا فملاقيه), بيد انه ينبغي ان
لاننسى ان الفرق واضح بين موضوع بحث الدين
والفلسفة وبين غيرها,اذ الاديان والفلسفة تتحدثان
عن الوجود بما فيه من شجر وحجر وانسان وحيوان
وغيرها اولا وعن غاية هذا الفرد والمجتمع وهدفه
الذي يسير باتجاهه(العلة الغائية) ثانيا ,بينما
تتحدث النظريات الاخرى عن السلوك الانساني في بعده
الفردي والاجتماعي على مستوى الدافع والمحرك(العلة
القريبة) تجاه اعماله وتصرفاتة المادية
والمعنوية,الاان التساؤل الجانبي الذي ينبغي ان
يجاب عنه بالنفي او الاثبات هو عن مدى تأثير هذه
المقولات في افكار اصحاب النظرية المذكورة وتأثرهم
بها؟؟؟ لاسيما وان اكثرهم يرجع في جذوره
الاجتماعية الى مجتمعات تدين باحد الاديان
المعروفة التي شكلت موروثا اجتماعيا يندر ألا تجد
لها تأثيرا في البنية الفكرية لابناء مجتمعاتها.
مايهمني هنا هو النظرية الاجتماعية التي قد تغالي
كثيرا في تأثير العوامل الاجتماعية في تحديد سلوك
الفرد الى حد حكمت معه بكونه مسلوب الاختيار
مجبورا على مايقوم به وان كان يحسب نفسه خلاف
ذلك(نظرية الجبر الاجتماعي), وانا هنا لست في صدد
تقيم هذه النظرية من حيث الاثار المتربة عليها
والتي اقلها بطلان جهود المربين وصيرورة اعمال
المصلحين هواء في شبك لكن مايمكن قوله ان الثقافة
والبيئة وهما عمود الحراك الاجتماعي لهما دور فاعل
وبشكل ملحوظ لاسيما في حياتنا الاجتماعية في
دائرتها العربية والاسلامية والشرقية,وقد لانختلف
كثيرا اذا قلنا ان ثقافتنا في غالبيتها الساحقة
مثلت وتمثل ثقافة الصحراء والى يوم الناس هذا,ولعل
هذا الذي حدا ببعض الباحثين الاجتماعيين الى ارجاع
السلوك الاجتماعي العراقي مثلا الى حالة التصارع
بين قيم البداوة والحضارة,ومن نافلة القول ان
نّذكر ان هذا ليس من مختصات المجتمع العراقي بل هو
سلوك عام لدى المجتمع العربي على اقل تقدير ان لم
نعممه الى غيره من المجتمعات الاخرى التي حكمتها
قيم مشابهة لقيم مجتمعنا العراقي والعربي.
لم يتهيأ للاسلام وللقادة المعصومين وبسبب ظروف
موضوعية وذاتية ان يقتلعوا من نفوس مجتمعاتهم جذور
البداوة بما تمثله من قيم ومفاهيم ابعد ماتكون في
معظمها عن الاسلام ومنظومته القيمية
والاخلاقية,نعم هذا لايعني عدم وجود افراد عديدين
وصلوا مستوى معتدا به من التكامل النفسي والاخلاقي
حد الذوبان في القيم والمفاهيم الدينية ولكن هؤلاء
الافراد رغم كثرتهم الا انهم لايشكلون في النهاية
الا نزرا يسيرا من امة مترامية الاطراف,وليس هنا
محل بحث الراي القائل ان النبي (ص) خلق من اصحابه
جيلا مثاليا بعد كون ذلك مخالفا لمعطيات التاريخ
والابحاث النفسية والاجتماعية,وينبغي ان يكون
واضحا اننا لانتحدث عن طرق اعجازية اتبعها النبي
الخاتم(ص) في تربية اصحابه وبناء شخصياتهم واذا
كان الامر كذلك فلااعرف هل مرت عليهم الثلاثة
اجيال التي يشترطها علماء الاجتماع في عملية الهضم
والتمثيل الاجتماعي حتى قلنا بعدالتهم اكتعين
ابصعين؟؟؟!!
مااريد قوله هنا هو ان العادات البدوية وقيم
الصحراء مازالت كامنة في جذور اللاوعي عندنا ونحن
نتلقاها صباحا ومساء ونتفاعل معها ونتحرك وفقا
لاملاءاتها وارادتها بل ونتعامل معها بحساسية قد
تصل الى مستوى القداسة اما لكونها موروثا اجتماعيا
او لكونها من الدين(وماهي من الدين في شيئ)بل لو
تعارض الدين مع مفاهيمنا الموروثة ربما قدمنا
مفاهيمنا على مفاهيمه وهذا التقديم قد تجده حتى
لدى من يتشدق بالالتزام بالدين وينافح عن حمى
عرينه!!
لقد عاني النبي (ص) من هذا كثيرا ويكفي ان تراجع
التأريخ لترى اجتهاد الطليعة من اصحابه ضد نصوصه
الشريفة في حياته وبعد رحيله,الامر الذي ادى الى
تغليب الاجتهادات الشخصية على نفس النصوص الدينية
وهكذا صار الاجتهاد قبال النص ركيزة مهمة في
التعاطي مع الدين نفسه حتى وان كان هذا الاجتهاد
يمثل تكوينة الرجل الصحراوي ومبلغ علمه!
ومن هنا انتقلت المفاهيم الدينية للاجيال(في بعض
قنواتها المهمة) وعليها بصمات الصحراء المجدبة
وثقافتها السطحية حد السذاجة فاختلط الديني
بالصحراوي لنعيش واحدة من النتائج المؤلمة لهذا
الانتقال وانا هنا اتحدث عن( تصحير الدين لا تديّن
الصحراء).
لعلك تشاهد بجلاء كيف يكون حال الانسان المتحرر من
قيود الصحراء اذا اعتنق الاسلام الصحراوي الذي
تروج له بعض المذاهب السطحية فلايكاد يؤمن به حتى
ينقلب حاله من انسان سوي معتدل متسامح الى مخلوق
متوحش ناقم على كل من ليسوا على شاكلته فلاتجد
عنده الا ثقافة التكفير والعنف وحتى القتل لديه من
النادر يكون بغير ادوات الصحراء القاسية!!
ان النتيجة التي اريد الوصول اليها هي ان الصحراء
وثقافتها مؤثرة الى درجة كبيرة في بنية الثقافية
للانسان العربي تحديدا ومازال كثير منا يسايرها
ويهتدي بهداها من حيث لايشعر حتى في تعاطينا
الفكري والعلمي وحكمنا على الاشياء مهما كنا
مبرقعين بادعاء العلمية والموضوعية التي يلوكها
المثقف الصحراوي ويجترها اناء الليل واطراف
النهار.
الى هنا وصلت الى النقطة التي اريدها بعد مقدمة
ارجو ألا تكون قد اصابت القارئ الكريم بالسأم
والملل,وهذه النقطة تتحدث عن مقولة التخلف والتقدم
ومشتقاتها التي تجدها حاضرة وبصورة غريبة في
حياتنا الثقافية والسياسية والعلمية ووو ,وعلي ان
اعترف شخصيا اني لااعرف معيارا موضوعيا يمكن ان
يزن بالقسطاس المستقيم ليحدد لي الفيصل بين
المقولتين فيقول لي هذا تطور فاتبناه وهذا تخلف
فانبذه,وقد يضيق بنا الوقت اذا دخلنا في انماط
التفكير الموجودة اليوم والتي تحاول ان تضع معايير
موهومة للتمييز بين ماهو متطور وبين ماهو متخلف
وربما ياتي ذلك في مقال اخر لكن لايفوتني ان اذكر
ان التنابز بالالقاب والذي هو من شيمنا الصحراوية
البدوية يعد علامة فارقة في اجوائنا الثقافية التي
ترى مقولات(الرجعية ,التخلف,الظلامية,0000وهلم
جرا),من محسنات الكلام ومتممات النجاح حتى ولو كان
مثقفنا (افرغ من فؤاد ام موسى),وفي عقيدتي ان مرد
هذا في بعض اسبابه الى طبيعة تكوين الشخصية
العربية ذات النزعة البدوية الاستعلائية,ومعروف عن
اهل البادية كيف كانوا يلغون في عرض من يعاديهم
وينزلونه الحضيض ويرمونه بكل مامكنتهم منه قرائحهم
الوقادة واستحضرته اذهانهم الثاقبة من سب مقذع
وتعييرشنيع ويعدون ذلك نصرا واي نصر, وقد بقي هذا
الطبع شأنه شأن طبائعنا الاخرى الموروثة متجذرا في
نفوس الاغلبية الساحقة ممن يرجع في جذوره الى
الصحراء الى يوم الناس هذا واذا تغير شيئ فانما هو
التعبير والاخراج اما الروح والدافع فهما على
حالهما, وانا لااجد فرقا جوهريا بين انفة وغرور
مثقفنا المجازي(اذ الثقافة اخلاق قبل ان تكون حشو
مصطلحات) وبين شاعر البادية الذي يشبع قصيدته حد
التخمة بانا ونحن واخواتهما من ضمائر الاستعلاء
والعظمة حتى ولو كانت هذه العظمة تبلغ اوجها وتصل
كمالها فيفتخر بها متقمصها لالشيئ الا لانه:
ونشرب ان أردنا الماء صفواً ويشرب غيرنا كدراً
وطينا.
اما الحسين سبط رسول الله (ص) فيقرأ المسألة على
عكس شاعرنا فيقول في رسالته المعروفة لمعاوية(
ودين علي هو دين ابن عمه ( صلى الله عليه وآله)
الذي كان يضرب عليه أباك ويضربك ، وبه جلست مجلسك
الذي أنت فيه، ولولا ذلك لكان شرفك وشرف آبائك
تجشم الرحلتين رحلة الشتاء والصيف).. |