|
الحلقة
التاسعه عشر
بغداد / البينة الجديدة
تنشر البينة الجديدة القصة الكاملة لهروب صهر
صدام(حسين كامل حسن المجيد) ابتداءً من بوادر
الخلاف مع الكسيح المقبور(عدي صدام) ومروراً بدعوى
اتصاله مع (المعارضة العراقية) التي كانت يوم ذاك
في الخارج وفشله في استمالتها وتحقيق مآرب شخصية
وانتهاءً برجوعه الى العراق ذليلاً كسيراً ثم
نهايته المأساوية على ايدي ابناء عمومته الذين
قتلوه تحت ستار (الثأر العشائري).
وقال له حسين كامل نعم إن ما سمعته هو الحقيقة.
قال صدام لو قطعتني لن أعود فقد سمعت كلامك عندما
غادرنا العراق بإمكانك أن تعود بمفردك أما أنا فلن
أعود وإذا أردت أن تأخذ زوجتي معك فلا مانع عندي.
أما أنا فسأحاول البحث عن مكان آخر أقيم فيه
مبتعدا عن الحكم وصراع السلطة وأرجو أن تقبل بذلك.
قال له حسين ستعود معي ولا تفكر بغير هذا الموضوع.
اختلف الشقيقان وخرج صدام كامل غاضبا وذهب إلى
البيت وأخبر زوجته بما حدث بينه وبين حسين كامل
مؤكدا أنه لن يعود ومعطيا إياها حق العودة.
كانت العلاقة بين صدام وزوجته على وفاق تام. ألحت
عليه أن يعود معهم وإذا أصر على عدم العودة فعليه
أن لا يعترض على عودتها وأولادها مع حسين وزوجته
وتعهد لها بذلك.
وأخذ سيارته وترك القصر واتصل بعز الدين وهو ابن
عمه وزوج شقيقته, كان عز الدين في تركيا يقضي عطلة
العيد وأخبره بما قرره حسين, نصحه عز الدين بأن لا
يعود مؤكدا أنه لن يعود أبدا ولن يسمح بعودة زوجته
وأولاده, اتصل صدام بأصدقاء آخرين لم يقل لهم
الأشياء بشكل واضح كان من بينهم كاتب هذه السطور
فبعد أن هنأني بالعيد شعرت بأنه مهموم ولديه مشكلة
كبيرة وعندما حاولت استدراجه لم أفهم منه شيئا ولم
يخبرني برغبة حسين كامل في العودة.
في اليوم الثاني اتصل السفير بحسين كامل وطلب منه
أن يجتمعا في السفارة العراقية وسلمه رسالة سرية
وصلت من بغداد تتضمن عفوا خطيا مع وعد بأن صدام
حسين سيشير إلى هذا العفو عبر وسائل الإعلام, أخذ
حسين كامل المغلف واتفق مع السفير بأن يوم العودة
إلى العراق غدا صباحا , أما السفير فقد أبرق إلى
بغداد بأن حسين كامل سيكون غدا بحدود الساعة كذا
..... على الحدود العراقية الأردنية.
عاد حسين كامل إلى القصر وفي جيبه العفو وتحدث مع
أسرته وربما هي المرة الأولى التي يتحدثون مع
بعضهم بشكل طبيعي منذ اكتشفت زوجته قصة المؤتمر
الصحفي الذي عقده حسين كامل في عمان وأعلن فيه
معارضته لنظام والدها .لقد طار الجميع من الفرح .
كان حسين كامل يفترض أيضا أن لديه كما هائلا من
المعلومات عن التورط الأردني في القضية العراقية
ومشروع الفيدرالية الذي يتمناه الملك حسين كنظام
سياسي مقترح لعراق المستقبل وأيضا ما جرى تداوله
مع العديد من الشخصيات العراقية المعارضة وأن
الكثير منهم قد كشف له بعض الأسرار وإنه لا يزال
يأمل أن الأردن سيسعى لثنيه عن العودة لكي لا يكشف
حسين كامل كل هذه الأسرار للسلطات العراقية وكان
يتمتم بكلمات يفهم منها أنه قد هدد بأن العراق
سيوقف ضخ النفط إلى الأردن مجرد أن يصل حسين كامل
إلى بغداد وإنه سيكشف الدور التآمري للسلطات
الأردنية على العراق وكان يفترض أن كل هذه الأمور
ستجعل الأردنيين يتراجعون عن موقفهم لكن يبدو أن
السلطات الأردنية لم تكن مبالية بكل هذا التهديد
والوعيد مراهنة على أنه لم يكن لدى حسين كامل متسع
من الوقت ليقول ما عنده فسيقطع رأسه قبل أن يتاح
له الكلام. وإن أتيح له الكلام فسيفترض أن ما
يقوله هو محض افتراءات لاجئ يسعى لكسب العفو ممن
يدلي له بالمعلومات وهذا يعني أن أحدا سوف لن
يصدقه.
لقد اصدر حسين كامل أمرا جديدا لعمال القسم
الهاتفي في القصر سمح بموجبه لزوجته وشقيقتها
بإجراء اتصالات هاتفية مع بغداد ومع من تريدان
الاتصال بما في ذلك أفراد أسرتهما, إنها المرة
الأولى منذ غادرتا العراق يسمح لهما بإجراء
اتصالات هاتفية مع العراق, وما أن عرفتا الخبر حتى
طارتا من الفرح وأدركتا أن أبواب الحرية فتحت, ولم
تصدقا نفسيهما فكان أول اتصال مع أمهما في بغداد
التي هي الأخرى لم تصدق ما سمعت لقد كانت على علم
بالمباحثات التي تجري لعودتهما مع زوجيهما, ولانها
تدرك أن ما سيواجهه الأزواج هو الموت فربما كانت
لا تتمنى عودة الأزواج ولكنها كانت تتمنى أن تعود
ابنتاها, ومثل كل الأمهات مهما علت مواقعهن
ومناصبهن, ما أن سمعت صوت ابنتها الكبرى حتى أجهشت
بالبكاء وكذلك ابنتها الاخرى مما اضطر الأبنة
لمناولة السماعة لشقيقتها الصغرى والتي أيضا أجهشت
بالبكاء فأعطتا السماعة إلى أولادهما.
لقد أبلغتا الأم بأنهما عائدتان غدا كما سمعتا من
زوجيهما وسألت الأم لماذا لا تعودان اليوم قبل أن
يغيروا رأيهم قالتا لها إننا بحاجة إلى توضيب
أغراضنا وأشيائنا الخاصة فنحتاج إلى الوقت قالت
الأم اتركا كل شيء دعا غيركما يفعل هذا, المهم أن
تأتيا فورا , اتفقتا على أن يعاودا الاتصال بها إن
كان مجيئهما اليوم ممكنا .
أرسلتا خلف صدام الشقيق الأصغر لحسين وهو الذي
كانت علاقته جيدة مع زوجته وشقيقتها وسألتاه عن
إمكانية تقديم موعد السفر وبما أنه لا يرغب
بالعودة أبدا لا اليوم ولا غدا فأجاب بعدم إمكانية
ذلك لأسباب إدارية لعله يكسب وقتا إضافيا لإقناع
شقيقه بالعدول عن العودة, تم الاتصال أيضا بعز
الدين من قبل حسين كامل وأبلغه بأنهم قد قرروا
العودة إلى بغداد, جن الرجل وقال له أنتم ذاهبون
إلى الموت وهذا انتحار وهل يمكن أن تصدقوا كل
الوعود وهل نسيتم ما جرى بيننا وبين صدام حسين
وقال لحسين كامل ألم أنصحك سابقا بعدم التصعيد مع
صدام حسين تحسبا لمثل هذا اليوم أنا لا أعود ولا
أسمح لعائلتي أن تعود. أقترح إذا كنت مصرا أنت على
العودة ان تاخذ زوجتك وشقيقتها واترك أشقاءك
وأشقائي لنرى ماذا سيحل بك وبعدها لكل حادث حديث.
كان لعز الدين أشقاء أيضا في القصر قد خرجوا معهم
منذ البداية ولكن لهم منزلا آخر في مدينة عمان,
قال حسين كامل سأعود أنا وزوجتي وشقيقتها وأشقائي
وشقيقتي أيضا وكان يقصد زوجة عز الدين قال له عز
الدين ليس بإمكانك أن تأخذ زوجتي وأولادي وسوف
أتصل بالسلطات الأردنية لأطلب منهم منع أسرتي من
السفر معك, تصاعد الخلاف بين عز الدين وحسين كامل,
وقال عز الدين لحسين كامل أطعناك سابقا ولكن هذه
المرة عليك أن تعذرني فأنا أراك ذاهبا إلى الهلاك
وسترتكب خطيئة بحق أشقائك فلا تفعلها, أما أنا
فيمكن أن أفعل أي شيء إلا العودة إلى بغداد.
بعد انتهاء المكالمة اتصل عز الدين بالديوان
الملكي وأبلغهم بعدم موافقته على سفر زوجته
وأولاده والتمسهم بعدم السماح لهم بالذهاب مع حسين
كامل إن أصر على العودة, بعد انتهاء المكالمة, قال
صدام لشقيقه حسين كامل أنا أيضا لن أعود معك, وكان
صدام مريضا منذ عرف بقصة العودة, وتحجج بالمرض
وقال له سأعود بعد أن يتحسن وضعي الصحي وادعى
إصابته بالإسهال وعدم قدرته على السفر الطويل في
هذا الطريق الصحراوي, أجابه يمكنك أخذ الأدوية
اليوم وسوف يتوقف الإسهال غدا .
أصر صدام بأنه لن يعود إلا بعد شهر من عودة حسين
كامل وقال له حسين وهل يعني هذا أنك تريد أن تعرف
ما سيحل بي, وهل ستنعم بالحياة إن قتلوني علينا أن
نعيش سوية أو نموت سوية, أصر صدام على عدم العودة
مبررا ذلك بأنه يجب أن يبقوا في الخارج إلى أن
تهدأ النفوس وربما سيجعل بقائهم في الخارج الذين
يريدون النيل منهم يتراجعون, على أمل عودتهم,
وبذلك ربما يحصلون على تسويات حقيقية ويعود التحام
العائلة. سأله حسين وأين تريد البقاء؟ قال له في
الأردن..
وبعد كل الذي فعلوه بنا تريد البقاء عندهم..؟
قال صدام إذا أسافر إلى أوروبا..
أجابه اسكت القرار حاسم ويجب أن نعود سوية..
نهض صدام وترك الجلسة, وخرج من القصر أما النساء
فبدأن بحزم حقائبهن وأجرين العديد من الاتصالات مع
بغداد فتكلمت زوجتا حسين وصدام مع شقيقتهما الصغرى
وأشقائهما وبعض الصديقات. انتصف الليل وصدام كامل
لازال خارج القصر, واقترب الفجر ولم يعد, والكل
مستيقظ لم يغمض له جفن, طلب حسين من شقيقه الأصغر
عبد الحكيم أن يذهب للبحث عن صدام في جميع الأماكن
التي من المحتمل أن يكون متواجدا فيها, وعثر عبد
الحكيم على شقيقه في منزل كانوا يستخدمونه
لاستقبال بعض الضيوف, لكن صدام رفض العودة, وسأله
عبد الحكيم لماذا لا يجيب على هاتفه الخليوي
وأجابه بأنه لا يريد الرد على أحد وأن عليه هو
الآخر أن يرفض العودة, قال عبد الحكيم هل تعتقد
أنني أستطيع أن أخالف أوامر أبو علي, سأذهب معه
وإن كان الموت بانتظاري.
وعبد الحكيم هذا شاب يتشابه مع صدام في الخصائص
لكنه بدأ يفكر مليا بإمكانية أن يطيع شقيقه صدام
ويعصي أوامر حسين وكان يدرك في أعماقه أنه سيواجه
الموت, توسل إلى صدام أن يذهب معه وقال له إذا لم
تأت معي سأضطر أن أقول لحسين عن مكان تواجدك وإن
أتى إليك أخشى من مواجهة وخلاف بينكما.
استجاب صدام لتوسلات عبد الحكيم وعادا سوية إلى
القصر.
حدثت مشادة أخرى بين صدام وحسين وهدد حسين صدام
بأنه سيقتله إن لم يعد معهم وعليه أن يحزم أمره
ويتوكل على الله, وقال له أن أقاربنا وأعمامنا
ووالدي سوف لن يسمحوا أن يصيبنا أي شر.
جهز خدم القصر مائدة الإفطار وجلست العائلة للمرة
الأولى مع بعضها لتناول الطعام سوية منذ أن اكتشفت
كريمتا صدام (قصة المؤتمر الصحفي الذي عقده حسين
كامل وأعلن معارضته للنظام). لم يمس الكبار طعام
الإفطار, فالرجال منهم كانوا يشعرون بأنهم ذاهبون
إلى المجهول وكريمتا صدام شعرتا أنهما عائدتان إلى
حضن الوطن والأهل والمجد والسلطة, بعد أن ملتا من
الوضع الذي هما فيه.
أثناء وضع الحقائب في السيارات جاء شخص من الديوان
الملكي ليبلغ حسين كامل رسالة من السلطات الأردنية
افترض أنها لثنيه عن العودة لكنها كانت لإبلاغه
بأنهم لن يسمحوا له باصطحاب شقيقته وأولادها بناء
على طلب زوجها ووالد الأطفال عز الدين محمد.
ورد حسين كامل بغضب هل تعتقدون بأنكم تستطيعون أن
تمنعوني من اصطحاب شقيقتي؟ قل للذي أرسلك بأنني
سأطلق الرصاص على من يعترض طريقي وسأخذها معي.
استقل الجميع السيارات ولم يودع حسين كامل أحدا
أما صدام والسيدات فقد سلموا على الخدم وشكروا
الجميع وانطلقوا باتجاه نقطة الحدود. |