|
الشاعر
الكبير الراحل بلند الحيدري هو أحد رواد القصيدة
الحديثة. شرع هو ومجايلوه الشعراء بدر شاكر
السيّاب، عبد الوهاب البياتي ونازك الملائكة،
بانجاز جديد، غيّر شكلا شعريا، انطوى على عشرة
قرون من الشعر التقليدي الكلاسيكي. وكان لكل واحد
من هؤلاء الشعراء خصيصته وفرادته في طرائق القول،
مما وسّع ودفع بهذا الشكل الجديد، لأن يكون هو
السائد في مساحة الشعر العربي.
لقد جاؤوا بالجديد بعد ان هضموا تراثهم وتواصلوا
مع تراث ومنجزات القصيدة الأوروبية. لقد كانت
لبلند الحيدري طريقته الخاصة في القول الشعري،
وذلك كان منذ البدايات، وإلا فكيف يتميز عن أقرانه
دون ان يكون له مذاقه الخاص.. فبلند هو الشاعر
الوحيد الذي تناول جوانب المدينة وزوايا البيت
وألفة المكان يومذاك.
قبل رحيل الشاعر الكبير بفترة وجيزة، أجري معه
الحوار التالي. تمّ الحوار على شريط مسجّل، يعد
الآن وثيقة أدبية، لما تضمنه من أفكار وآراء جديدة
للراحل الكبير، وهو ينشر هنا للمرة الأولى:
*استاذ بلند، حبذا لو حدثتنا عن البدايات وكيف تمت
الانطلاقة الأولى للقصيدة الحديثة؟
- بدأت شاعرا كلاسيكيا وأخذت بعض علومي في الشعر
على يد الشاعر معروف الرصافي، وفجأة، لا أدري كيف
حدث ذلك، بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت أتوجس
خيوطا جديدة، وهذه الخيوط لم تكن تنعكس اصداؤها
على الشعر فقط. كانت هناك محاولة في المعمار غيّرت
وجه الطراز السائد التقليدي بمجيء رفعت الجادرجي
والدكتور محمد مكيّة.
هذان المهندسان حاولا ان يجمعا ما بين التراث وما
بين المعاصرة. كذلك الأمر بالنسبة الى حركة الرسم.
فجواد سليم ترك أسلوبه الذي تعلّم عليه في أوروبا
وحاول ان يجد منفذا جديدا في استعادة رسوم الواسطي
ومدرسة بغداد في القرن الثالث عشر برؤية حديثة.
وهناك أيضا في التجربة الموسيقية كانت محاولة
للجمع عند منير بشير وسلمان شكر، وكل هؤلاء حاولوا
أيضا.
إذن المشكلة لم تكن محدودة في مجال الشعر. كانت في
عدة مجالات ولذلك أقول ظاهرة اجتماعية. فجأة
تغيّرت الظروف صرنا نلتقي في الجامعات بفتيات
يجلسن الى جانب الفتيان ويأخذن علومهن مع الفتيان.
الواقع العراقي تغيّر. فبالإضافة الى ان أجواء
الحرب خلقت من العراق مجالا لوفود عدد من الفنانين
الأجانب، أذكر منهم زيغموند، ياريما وآخرين. هؤلاء
كلهم فنانون جاؤوا من بولونيا الى العراق وغيّروا
بالفعل. كنت اجتمع معهم في بيت جواد سليم. ولجواد
سليم الاثر الكبير في تجربتي. لم نكن قد التقينا
آنذاك، لا أنا ببدر شاكر السيّاب ولا بعبد الوهاب
البياتي.
أي ان كلاً منا كان يحاول ان يكتشف ذاته من خلال
تجربته بالذات وبعدها صدر ديواني الأول <<خفقة
الطين>> الذي اعتبره المبشر الأول. كما قال أيضا
بدر شاكر السيّاب: <<ان ديوان <<خفقة الطين>> هو
أول ديوان يصدر في العراق ويحمل توجهات جديدة>>.
ولكن هذه التوجهات لم تكن غريبة عن العالم العربي.
كان هناك تأثير للشاعر عمر أبو ريشة في الدرجة
الأولى، وتأثير لمحمود حسن اسماعيل والياس أبو
شبكة. كل هؤلاء أثّروا في تجربتي الأولى، التي لم
تكن واضحة، ولكن كانت هناك أيضا لغة مختلفة عن
اللغة التي سادت تجربتنا الشعرية.
في عام 1951 صدر ديواني <<أغاني المدينة الميتة>>
وكان التحوّل الرئيسي. كانت أيضا تجارب بدر شاكر
السيّاب قد تواصلت. حاول كل منا ان يجد نفسه في
الذي يتمايز به عن الآخر. يتميز بدر شاكر السيّاب
بأنه يحمل ذاكرة عينيّة مرهفة وغنية جدا. ولما كنت
افتقر الى مثل هذه الذاكرة، إذن بماذا أميّز نفسي؟
حاولت ان اقترب أكثر فأكثر من القصيدة الأوروبية.
أي القصيدة التي لها أول ووسط وآخر.
القصيدة التي تنمو نموا عضويا من كل جهاتها ومن كل
أطرافها. ثم حاولت ان أوجز القصيدة بأقصى ما يمكن،
حتى ان جبرا إبراهيم جبرا سمّاها القصيدة البرقية.
أكبر كمية من الرؤى بأقل كمية من الكلمات. من هنا
بدأت عندي التجربة الصنعة. أكتب القصيدة بساعة،
بساعتين، بثلاث ساعات، ولكن أعود اليها لمدة شهر
وشهرين، أنقّب فيها وأعقّب وأحذف الى ان أصل الى
شكلها النهائي. أكتب القصيدة في ساعة بين الصحو
وبين انعدام هذا الصحو.. في غبش من الذاكرة وعلى
صفحات عديدة..
هذيان. ثم أعود لأيام وأيام لتشذيب هذا الهذيان،
وأسميه ترويض الهذيان. في هذا المجال حاولت بالفعل
ان أجدد نفسي في التجربة الخاصة بي، ولكن أيضا في
اخفاء الصنعة. يجب ان تبقى العفوية في القصيدة.
عندما كتبت قصيدة تعود الى نهاية الأربعينات والتي
أقول فيها: <<نفس الطريق نفس البيوت، يشدّها جهد
عميقْ نفس السكوتْ كنّا نقول غداً يموت وتستفيق من
كل دار أصوات أطفال صغار يتدحرجون مع النهار على
الطريقْ.
هذه القوافي الداخلية تعلّمتها من سماعي لموسيقى
باخ، عندما تدخل آلة الكمان لتعزف ألف باء وتنتقل
من باء الى جيم لتدخل آلة البيانو وتعزف ألف باء.
إذن هناك قافية رئيسية يجب ان تبقى، وهناك قواف.
هذه صنعة ولكن في اخفاء الصنعة. عندما تقرأ
القصيدة لا يبدو عليك انني تعبت من أجلها أياما
وأياما. أي يجب ان تبقى العفوية هي التي تؤكد هذا
المجال.
كانت هناك نزوة الثورة على هذا المجتمع وتأخذ
ثلاثة أبعاد: البعد الأول كان ينعكس على الموقف
السياسي اليساري، وكان بدر داخل هذا التوجه في
بدايته. هناك تجربة أخرى: الثورة على التقاليد
الاجتماعية، التي انعسكت في شعر حسين مردان وصفاء
الحيدري وآخرين.
أما بالنسبة لي فقد تأثرت بالتيار الوجودي آنذاك،
وكنت أقرأ بشكل دائم لسارتر وألبير كامو. وكنت على
علاقة طيبة بعبد الرحمن بدوي الذي اثر بالفعل في
توجهي. وهو ما انعكس تماما في ديواني <<أغاني
المدينة الميتة>>. هذا اليأس المرتبط في الوقت
نفسه بتطلُّع يساري. وبالفعل كما قال بدر شاكر
السيّاب فإنني <<أصف الواقع كما هو ولكن لا أفقد
القدرة على التطلّع>>.
الشاعر عبد الوهاب البياتي تأخر عنا بسنوات.. صدر
ديوانه الأول عام 1952. نازك الملائكة رغم ادعائها
أنها هي التي بدأت القصيدة الحديثة، فهذا خطأ
تاريخي، لأنه عندما صدر ديواني <<أغاني المدينة
الميتة>>، هاجمت نازك هذا الديوان واعتبرته خروجا
عن التراث يومذاك أعتقد ان البداية كانت ببدر وبي
فقط مع الاعتذار عن عدم التواضع.
*ما هو دور جماعة <<الوقت الضائع>> في حركة تجديد
الشعر وحركة الفن التشكيلي؟ أنت كنت أحد أفراد هذه
المجموعة؟ - نعم، هذه المجموعة صدر منها ديواني
الأول. و<<الوقت الضائع>> كانت مجلة، بدأت عندما
حاولنا، وكنا في رحلة، أنا والمرحوم الفنان نزار
سليم والدكتور حسين هدّاوي، أستاذ الأدب الإنكليزي
الآن في جامعة نيفادا. كنا معا في رحلة الى قرية
من القرى، وفي الطريق التقينا بأحد أصدقائنا
المرحوم نجيب المانع. كان نجيب على شيء من الالمام
باللغة الفرنسية. ويومذاك كان يحدثنا عن كتاب
لبروست وكان نجيب معجبا منذ تلك الأيام ببروست.
كان لبروست كتاب اسمه <<البحث عن الوقت الضائع>>،
أحسسنا بالفعل، اننا كنا نبحث عن الوقت الضائع.
نزار تبرّع يومذاك بفكرة اصدار مجلة اسمها <<الوقت
الضائع>>. وبالفعل أسسنا هذه المجلة، وصدر منها
عددان فقط لقيا هجوما عنيفا من كل النقاد الذين
اعتبروا ان هذه المجلة جاءت لافساد الذوق العام،
الى آخر التسميات. وحتى كان من الصعب ان نجد لا
أنا ولا بدر مجالا في أي جريدة عراقية تنشر
نتاجنا، لذلك لجأنا حينها الى الصحف والمجلات
اللبنانية، وعلى رأسها طبعا كانت <<الأديب>> ومن
ثم <<الآداب>>.
* ما هي الرؤى التي كانت تجمعكم آنذاك؟ وما هي
المميزات التي كان يتمتع بها كل شاعر؟ - طبعا، كما
قلت، ان بدرا كان أكثرنا صلة بالتراث، لغة
وتعبيرا، ولكنه استعاض بالصورة النامية الى مسافة
معينة ولذلك كنت آخذ على بدر ان قصيدته لا تملك
هذه الوحدة العضوية. وكان يأخذ عليّ أيضا افتقار
قصائدي الى الصورة. وكل منا كان يتنبّه، وكنا نجلس
ونتحدث عن تجاربنا. وكنت أحيانا أقول ان هذه
التجربة قمت بها.
اذكر ما سميته البتر آنذاك مثل <<أنا لا اذكر، نحن
لا نذكر ان كنا التقينا، لا اذكر>>. فقلت لبدر،
هذه تجربتي، فأكتب هذه التجربة لبلند ولن أسرقها،
ولكن بدرا بعد أسابيع، كتب قصيدة، فاستخدم فيها
البتر. كنا نجادل ونناقش، بعفوية وبعمق هذه
التجربة. كنا نذهب الى بيت صديق أمدّ الله في
عمره، اسمه المهندس قحطان المدفعي كنا نذهب الى
بيته ونحاول ان نسمع الموسيقى، أنا وبدر، وكان
معنا لفترة ضيقة الشاعر حسين مردان الذي لم يكن
يستجيب للموسيقى الكلاسيكية. كنا نحاول ان نجد
منافذ الى كل هذه التجارب. نقرأ كثيرا. ثم كان من
أثّر فيّ تأثيرا واضحا، وهو الفنان جواد سليم.
مثلا يوم ان سمعت بنحات انكليزي اسمه هنري مور
يستخدم الفراغ، وكنت قد كتبت نقدا عن هذا الفنان
وسميت الفراغ الذي عنده بالفراغ المملوء، وهو فراغ
ولكنه مملوء بالحياة، قرأت عن مفهوم الفراغ، فإذا
بالفراغ موجود في السماء، في النجوم، في خارج
الكون. والفراغ عنصر رئيسي. إذن لماذا لا أدخل
الفراغ بأبسط أشكاله، وأبسط أشكاله كان التفعيلة،
اقطعها بمسافة من الصمت.
مثلا: تك.. تك.. فع...، إذن لم اكمل تفعيلة فعولن:
<<غناء رتيب تنفّس في الأرض منذ القدم>>، لكن ليست
هذه الغاية ان أصمت. صحيح ان الصمت موجود في
الموسيقى، عندما تعزف نغما تقف أحيانا. هذا موجود
خاصة عند بتهوفن. في قصيدة <<شيخوخة>> التي تعود
الى بداية عمري، أقول: <<شتويّة أخرى وهذا أنا
بجنب المدفأة أحلم ان تحلم بي إمرأة>>.
همزة الوصل حوّلتها الى همزة قطع. كأن بدلا من قول
واخجلتاه امرأة، حاولت ان أتجاوز هذه الخطابية
فأوجد الفراغ المملوء. ثم أخذت الموضوع بشكل آخر،
في قصيدة أخرى. أقول فيها: <<ولأني قطعت لساني
إرباً إرباً سُمّرتُ على مدّ الجدران السود وأسوار
سجون الوطن خرسي ولأني اقسمت بكل الحرس أصبح أجبن
وطني أجبن من أن أسأل ماذا أبقوا قلها قلها في
وطني غير الاجداث الحبلى بالعفن>>.
وفي <<ثلاثة أبيات يحذفها الرقيب العراقي>>. أيضا
هناك فضاء آخر. تركت للقارئ ان يتم ويملأ هذا
الفراغ بما يريد ان يقوله عن هذا الوطن الذي يضطهد
أبناءه. هذه بعض المحاولات. أخذت من العمل
السينمائي السيناريو <<قصيدة الحلم في أربع
لقطات>>. لقطة أولى، لقطة ثانية، لقطة ثالثة، يعني
كنت أحاول دائما ان أعطي لتجربتي بعدا جديدا من
خلال قراءاتي والافادة من التجارب الموجودة في
الفنون الأخرى. وبالدرجة الأولى، كانت علاقتي مع
جواد سليم، كنا أنا وجواد نؤمن بشيء واحد رئيسي،
بأن القصيدة التي لا صورة فيها، ليست بقصيدة،
والصورة التي لا شعر فيها ليست بصورة. حاولت ان
أمشي وأستمر على هذا المنوال. |