|
اياد
الفتلاوي
كما هو قدر
العراقيين،وصلني خبر رحيل الشيخ عبد الجليل كامل
آل جلوب الفتلاوي،بواسطة البريد الالكتروني وانا
في غربتي بعيداً عنه وعن الكثيرين من الاهل
والاحبة.
الكثيرون لا يعرفون هذا الرجل حتى من توهموا
معرفته،وطوال رحلة رفقته سواء على مستوى العمل
معاً او على المستوى الشخصي كانت النتيجة التي
اشعر بها هو تفرد هذا الرجل-الانسان بحق.لقد سقط
جسده الذي حمل نفسه الثقيلة بالهموم طوال اكثر من
ستة وسبعين عاماً سقط قائماً وهو يصلي صلاة العصر
قائلاً(اللهم صل على محمد وآل محمد)وهكذا رايته
دوماً رجلاً قائماً بمسؤولياته واضعاً ايمانه على
محك العمل.. يعمل ويصلي بخفوت!! صمت الرجال الذي
يدوي صداه في نفوس الاخرين مخلفاً فيهم اثراً لا
يتركه صياح الصائحين في المجالس.
لا اريد ان تكون هذه الكلمات نعياً او سرداً لسيرة
رجل لازلت اعتبره حياً،بقدر ما اردت ان اوثق لرجل
عرفته وكان له بصمة كبيرة على صعيد العمل من اجل
اهله في العراق في وقت المحنة رجل عاش ازمة القلة
ممن كان يأمل ان يقفوا الى جانبه ويصنعوا زمناً
آخر للعراقيين سواء من اهله وعشيرته او من غيرهم
ممن لم يرهم ابعد كثيراً من ذلك رغم كونه كان يعيش
اعوامه الارضية الاخيرة بثقل المرض والالام وفقد
الاعزة، حيث يرى الشتات واللهاث خلف المال
والكراسي والجهل واللامسؤولية والكذب وكل مازخرت
به انفس سقطت حين كان يجب ان تقوم، رجل كل ماكان
يأمل به هو ان يشاركه الاخرون هم احلال السلام في
العراق وهم الخلاص من عبودية كثير من الاوهام
السياسية والدينية والعشائرية التي كانت ولازالت
تحكم نفوس المجتمع العراقي من خلال مؤسساتها
السلطوية التي شكلت ظاهرة حكمية مجتمعية طغت على
القليل النادر منها والذي يعمل بحق وصدق.
عبد الجليل كامل آل جلوب الفتلاوي ينحدر من عائلة
البو راضي وهم شيوخ ال فتلة في منطقة الهندية اكمل
دراسته الجامعية في وقت متأخر من حياته لانشغالة
بالعمل التجاري وحصل على بكالوريوس في الادارة
والاقتصاد من جامعة بغداد غادر المشخاب حيث ولد
وهو لازال يافعاً وجاء الى بغداد من اجل العمل
وبعد سنين اصبح من كبار التجار ولكنه كان بعيداً
عن العمل العشائري املا في ابعاد نفسه عن التلوث
بما آل اليه وضع العشائر في العراق ووضع
شيوخها،وهذا ما عرفته من خلال تتبعي الشخصي ومن
خلال كثير من الوقائع التي كان يرويها لي عن حقيقة
ما آل اليه المضيف العشائري!! ولاسباب كثيرة
واهمها تدني شعور الشيوخ بمسؤولياتهم تجاه اناسهم
واهليهم واذكر يوماً ونحن نحضر مؤتمراً في بغداد
في 2005 وفي احدى ورش العمل في المؤتمر تم التطرق
الى دور العشائر وقال احد المثقفين مبدياً رايه
حول العشيرة ودورها القادم بان العشيرة منظومة
لافائدة منها وتكلم باسهاب عن جهل الشيوخ
ولاجدواهم وكون العشيرة منظومة لا تتناسب ووضع
العراق الجديد وهو طبعا راي سائد ويومها فوجئ
الجالسون بتعليق الشيخ عبد الجليل حيث انتظروا ان
يقوم برد سلبي على هذا الراي ولكنه قال وقتها : ان
ما يقوله الاخ دقيق وانا موافق عليه تماماً. وما
بين مستغرب ومتبسم طلبوا منه ايضاحاً بأعتبار كونه
شيخاً ورئيساً لمجلس عشائري اسسه هو ويحضر المؤتمر
بأسمه وخصوصاً انه كان يحضر مرتدياً لباسه
العشائري المعروف فقال ما معناه بان هنالك مشكلة
خطيرة تتعلق بحضور العشيرة في المجتمع العراقي ففي
الوقت الذي لا يمكن تفادي حقيقة ان المجتمع
العراقي هو مجتمع عشائري سواء بتكوينه المجتمعي او
الفكري او الانتمائي الا ان هذه المنظومة
المجتمعية الاساسية تعاني من ضعف ومشاكل هائلة ادى
بالنتيجة الى خلق مشاكل كثيرة وخطيرة في المجتمع
وعلى رأسها الارهاب حيث اصبحت العشائر ملاذاً
وحاضنة للارهاب في بعض اهم المناطق في العراق الى
جانب كونها اصبحت مجموعة من الاصوات الانتخابية
تباع وتشترى!! اضافة الى وجود صورها العالقة في
الذاكرة من تمجيد ودعم للدكتاتورية في الحقب
السابقة، بل وكثير من المشاكل الاخرى التي بينها
الشيخ وقتها بكل صراحة ووضوح ولكنه عقب بعد ذلك
قائلاً (ان الحل ليس في محاربة العشيرة ولا في
محاولة اسقاط حضورها وذلك لسببين الاول انه لا
يمكن ذلك حالياً كون ان المجتمع العراقي مجتمع
عشائري بتكوينه كما قلنا ومن الصعب حله الان وبناء
تكوين مجتمعي جديد حيث لا بديل عنه والسبب الثاني
انه يمكن الاستفادة كثيرا من الحضور العشائري
الحالي) .
وعلى هذا فأن اية محاولة لهدمه ستبوء بالفشل فضلاً
عن لاجدواها،أما النظام العشائري فهو منظومة ترزح
تحت وطء ثقيل من المفاسد والتخلف الاجتماعي
والنمطية الرتيبة في التعامل مع اية قضية تخص
الانسان او المجتمع وهو بالضبط مصيبة التكوين
العشائري العراقي اذن فالحل يكمن في تغيير النظام
العشائري وهو طبعاً ليس بالامر السهل ولكن الرجل
كان يملك مزايا تؤهله للعمل بهذا الاتجاه منها
كونه يتمتع بنظر ثاقب وقوة استقراء منطقية اعتمدت
على خبراته الطويلة سواء منها داخل العراق او
خارجه بالاضافة الى كونه رجلاً متفتحاً كان قد
استفاد كثيراً من رحلاته الكثيرة الى بلدان العالم
بالاضافة الى كونه من عائلة لها سمعة طيبة سواء
داخل عشيرته او في باقي العشائر العراقية بالاضافة
الى تميزه عن كثير من الشيوخ ورجال العشائر كونه
لم يسمح لنفسه ان يلوثها المال السحت او الحرام
ولم يكن يوماً ذيلاً لاي احد مهما كان .
بهذه الطريقة بدأ العمل ومعه بدات حيث وضعنا اسسا
نظرية للعمل بهذا الاتجاه وفقاً لبحث
عنوانه:العشيرة والديمقراطية، ومن بعده بدأنا
العمل على شرح وجهة نظرنا في كل المحافل العشائرية
اولاً مبتدئين بالذات برجالات العشائر الاكاديميين
واصحاب الفكر ثم شرحنا الموضوع بلغة ابسط الى
القاعدة العشائرية وكذلك توجهنا الى بعض المثقفين
والكتاب وطرحنا وجهة نظرنا وكذلك بعض السياسيين
وقد توج كل ذلك بعقد مؤتمر عشائر العراق الموحد
بمبادرة من مجلس عشائر ال فتلة في بغداد وتحت
رعاية وزارة الثقافة العراقية والذي انعقد في
2005/8/13 والذي عد من اكبر المؤتمرات العشائرية
وانجحها حيث وصل عدد الحضور فيه الى اكثر من 800
من شيوخ عشائر من مختلف محافظات العراق وحضرته
شخصيات سياسية ومثقفون واكاديميون ونساء ناشطات
ونواب ومنظمات مجتمع مدني ولم يتم استثناء اي جهة
املاً في ايصال صوت عشائري عراقي خالص واحد.. ومن
النوادر الرائعة التي مثلت توجه مجلس عشائر آل
فتلة الذي اسسه ورأسه الشيخ اعتماداً على مبدأ
الانتخاب الديمقراطي وهو يحدث لاول مرة على صعيد
العمل العشائري هي ان المؤتمر بدل ان يبدأ بكلمات
كبار السياسيين بدأ بكلمة للطفولة العراقية فقد
خرجت طفلة اسمها هاجر والقت كلمة ادمعت بها عيون
الحاضرين فقد انبرى صوت بريء يلوم الكبار من
تحويلهم حياة الاطفال الى جحيم في الوقت الذي
يدعون فيه انهم يعملون للمستقبل اذ كانت ارواح
الاطفال ودمائهم ومستقبلهم هي الضحايا،واذكر ان
المقترح حين طرحناه اول مرة قبل المؤتمر بأيام
امام اللجنة التحضيرية المشتركة التي رأسها وزير
الثقافة انذاك نوري الراوي وعدد من الوكلاء وانا
والشيخ عبد الجليل ممثلين عن المجلس وقتها اثار
المقترح استغراب الحاضرين فتساءل الوزير ان هذا لا
عهد للمؤتمرات به خصوصاً وان بحوثاً علمية القيت
في المؤتمر كان للمرأة النصيب الاكبر منها حيث
القي بحثان احدهما القته الاستاذة فوزية العطية
بالاضافة الى بحث العشيرة والديمقراطية وقد كان
يدير الجلسة وقتها الاستاذ محمد عبد الجبار
الشبوط. |