القائمة الرئيسية

الاولــــــــى

الافتتـاحيـة

الثــــــانيـــة
السياسيـة
محليـــــات
تحقيقـــات
الثقـافيـــة
حـــــــوارات
طب و علوم
مــقـــالات
الـــريـــاضــية
الاخــيـــرة

القائمة الثانوية
الاتصال بنا
الارشـــيف
كاريكــاتيــر

 

    
البينة الجديدة جريدة يومية سياسية عامة                                                                                                                                               رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين العراقيين (134)                                                                                                                      رقم الايداع في دار الكتب والوثائق (970) لسنة 2007

السنة الثالثة العدد (523) الاثنين 11 / شباط / 2008م ـ 3/صفر/ 1429 هـ

الموازنة الأميركية.. حقائق وأوهام!

 فيرونيك دي روجي
إذا تمت المصادقة على موازنة الرئيس بوش المقترحة لعام 2009 بصيغتها الحالية، فإن إنفاق الحكومة الأميركية سيكون قد ارتفع بأكثر من 1.2 تريليون دولار منذ أن غادر الرئيس كلينتون البيت الأبيض، أي بزيادة تصل إلى 35%. فقد ارتفعت الموازنة في عهد بوش ثلاث مرات مقارنة مع نسبة ارتفاعها خلال ولاية كلينتون، وقد خصص بوش أكبر موازنة للدفاع منذ الحرب العالمية الثانية دون احتساب التمويل المرصود لحربي العراق وأفغانستان. لكن كعادته، يفتخر بوش بالانضباط المالي للموازنة الأميركية، بل يتوقع نهاية عجز الميزانية العامة بحلول 2012. وقد يبدو ذلك جيداً لو لم ينطو على بعض المغالطات، حيث تمتلئ موازنة بوش بكثير من المناورات التي تسعى إلى إخفاء مستوى الإنفاق الحقيقي لإدارته. وفي هذا السياق يشكل رقم 3.1 تريليون دولار الذي طلبه بوش لموازنة عام 2009 ارتفاعاً بنسبة 6% مقارنة مع العام الماضي، و67% مقارنة بعام 2001. ورغم هذا الارتفاع الكبير في الموازنة، لم تتغير أساليب الإنفاق كثيراً، إذ يذهب جزء كبير منها إلى "البنتاجون" بدعوى حماية أميركا من الأخطار الخارجية التي تتهدد أمنها. وبدلاً من تقليص موازنة الدفاع، بسبب ما حظيت به من أموال هائلة في السابق يفترض أنها قادرة على الإيفاء باحتياجات الأمن القومي، فإنها ما فتئت ترتفع إلى مستويات قياسية بفضل لجوء إدارة بوش إلى طلبات التمويل الطارئة التي لا تحتسب ضمن عجز الموازنة العام إلا في السنة اللاحقة. ولتوضيح الكيفية التي يرتفع بها حجم الموازنة ومعها العجز، خارج الأرقام الرسمية التي يصرح بها بوش بداية كل سنة، ما علينا سوى تفحص الموازنة المالية لعام 2008، حيث أخبرنا بوش وقتها أن العجز في الميزانية سيكون 239 مليار دولار. لكن بعد عام على ذلك، وبعد احتساب طلبات التمويل الطارئة، تضخم العجز سنة 2008 إلى 410 مليارات دولار، وستواصل تضخمها مع إضافة طلبات أخرى للتمويل الطارئ. وفي السنة المالية 2009، والتي تبدأ في شهر أكتوبر المقبل، حُدد العجز بـ407 مليارات دولار، لكن بعد احتساب النفقات المستعجلة سيرتفع إلى أكثر من ذلك الرقم. ومع أن هذا العجز يشكل تدهوراً واضحاً للمستقبل المالي للولايات المتحدة على المدى القصير، فإن "الجمهوريين" يجادلون بأنه لا يمثل سوى نسبة صغيرة من الناتج المحلي الإجمالي، رغم أن الدين العام الذي ارتفع منذ عام 2000 سيواصل صعوده ليشكل نسبة 36.7% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2009. وهو ما يؤكد أن العجز النهائي في الموازنة لعام 2009 سيكون أكبر مما هو عليه اليوم وسيفوق التقديرات الحالية التي صرح بها الرئيس بوش. وعلى سبيل المثال سترتفع الحوافز المالية التي رصدها بوش للنهوض بالاقتصاد، والتي حددت بـ145 مليار دولار إلى أكثر من ذلك بعد تدخل جماعات الضغط التي ستطلب إدراجها في قائمة المستفيدين من الدعم. فقد طلبت إحدى الشركات من الكونجرس إدراج موظفيها المستفيدين من الضمان الاجتماعي ضمن لائحة الأميركيين الذين سيحصلون على 600 دولار للفرد، ما يكلف الحكومة 23 مليار دولار تضاف إلى المبلغ المرصود للدعم الاقتصادي. والأسوأ من ذلك أنه من بين 987.6 مليار دولار من النفقات الاستعجالية التي طلبها بوش، يذهب أكثر من نصفها إلى "البنتاجون" دون أن تدرج في جهود التمويل الحربي. وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى مطالبة الرئيس بوش بمبلغ 75.8 مليار دولار خصص منه 70 مليار دولار للحرب في العراق ومحاربة الإرهاب، فيما رصد الباقي لجهود الإغاثة في الساحل الشرقي للولايات المتحدة. لكن بما أن الإدارة حصلت على هذه المبالغ في إطار النفقات الاستعجالية فإنها لم تدرج قط ضمن التوقعات المتصلة بالعجز في الميزانية. والواقع أنه حتى ذلك المبلغ الذي أنفق على الحرب في العراق (70 مليار دولار) لا يكفي لأكثر من بضعة أشهر في عام 2009 لتغطية تكاليفها. وإذا رجعنا إلى السنوات الماضية، فسنجد أن موازنة الحرب تسجل عجزاً يتراوح بين 70 و140 مليار دولار، لاسيما أن أميركا أنفقت في عام 2007 أكثر من 190 مليار دولار على حربي العراق وأفغانستان، ومن غير المحتمل أن يتراجع هذا الرقم فجأة في عام 2009.
موازنة عام 2009 كان يفترض أن تكون إيجابية، كآخر تركة لبوش، لكنها جاءت لتكرس عجزاً مالياً كبيراً ستتولى دفعه الأجيال القادمة!
وسيبقى الأمر على هذه الحال حتى لو قررت الولايات المتحدة سحب قواتها من العراق، بحيث ستكون الحاجة ماسة لإعادة صيانة المعدات العسكرية بعد ست سنوات متتالية من الحرب في أفغانستان والعراق، وستلجأ "البنتاجون" إلى إرسال طلبات مالية جديدة مباشرة إلى الكونجرس لعدة سنوات قادمة. هذا وتستند توقعات بوش المتفائلة بشأن تحقيق فائض في الموازنة بحوالي 48 مليار دولار بحلول 2012، على افتراضات واهمة مثل موافقة "الديمقراطيين" في الكونجرس على اقتراحه بالحد من الإنفاق على البرامج الصحية التي تصل 195.7 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة. ويفترض الرئيس بوش، وهو مخطئ في ذلك، أن يتوسع الوعاء الضريبي ليشمل أكبر عدد من الأميركيين بعد عام 2008، وبأن حربي العراق وأفغانستان لن تمولا بعد 2009. وحتى لو كان ذلك صحيحاً فإن ما على بوش أن يركز عليه أكثر هو تقليص حجم الحكومة، وليس فقط الإنفاق العام. لذا فإن موازنة العام 2009 التي كان يفترض بها أن تكون إيجابية، كآخر تركة للرئيس بوش قبل مغادرته البيت الأبيض، لكنها جاءت لتكرس عجزاً مالياً كبيراً ستتولى دفعه الأجيال القادمة.

في الذكرى الخامسة والاربعين لانقلاب شباط الاسود

 محمد جاسم اللبان *
منذ الأيام الأولى لثورة 14 تموز المجيدة, إتضحت ستراتيجية المتآمرين (وهم كثر) ممن تضررت مصالحهم الطبقية الانانية, وامتيازاتهم السياسية في الداخل والخارج على حدّ سواء. وتجسدت هذه الستراتيجية اساسا بثالوث إجرامي كان السبب الرئيسي فيما آل إليه الوضع في العراق من خراب ودمار وويلات قلّ نظيرها في عالمنا المعاصر. وأول هذا الثالوث, هو إستبدال الصراع السلمي الديمقراطي, بالعنف والتآمر وإستخدام السلاح لقهر المجتمع والسيطرة عليه, وثانيهما التحالف مع الأجنبي سواء كان إقليمياً أو بعيداً عن الحدود, مقابل تأمين مصالحه, التي هي بالضد من مصالح العراقيين, وتمكينه من إذلال الشعب واستباحة الوطن. أما الثالث فتجلى بأنحدار الخطاب السياسي والإعلامي لهؤلاء القتلة السفاحين, الى أوطأ الدرجات إسفافا وكذباً ولا أخلاقية ً.
بلغ عدد المحاولات الانقلابية على الزعيم عبد الكريم قاسم, وثورة تموز تسعاً وثلاثين محاولة, نجحت الأخيرة منها (8 شباط 1963) في إطفاء شعلة تموز, التي أخذ بريقها يتضاءل قبل ذلك بتضاؤل إمكانيات تجذيرها على الصعد السياسية, والاقتصادية - الأجتماعية.
وحال نجاح إنقلابهم الأسود باشر الانقلابيون, وفي طليعتهم البعث العفلقي, بتطبيق ما إتفقوا عليه مع اسيادهم الذين اوصلوهم الى السلطة,قتلاً وتعذيباً واغتصاباً لعشرات الآلاف من خيرة بنات وابناء الشعب العراقي, وأطلقوا قطعان الحرس القومي الوحشية, تجوب العراق طولاً وعرضاً لاصطياد أفضل المناضلين والمدافعين عن ثورة 14 تموز, مدججين ببيان رقم (13) الفاشي, الذي نصّ على إبادة الشيوعيين والديمقراطيين وسائر الوطنيين. و على ايدي هؤلاء البرابرة القادمين من اكثر كهوف الأيديولوجيا المغلقة عتمةً وتخلفاً وتعصباً, والمعادية لكل ما هو وطني وتقدمي, أستشهد خيرة قادة الشعب وعلى رأسهم الزعيم الوطني الغيور "عبد الكريم قاسم" وفاضل عباس المهداوي, ماجد محمد امين, عبد الكريم الجدّة, وصفي طاهر, جلال الأوقاتي, والعشرات غيرهم. كما استشهد قادة الحزب الشيوعي العراقي الأماجد, وفي مقدمتهم السكرتير الأول للحزب "سلام عادل" وأعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية, محمد حسين ابو العيس, جورج تلو, جمال الحيدري, محمد صالح العبلي, نافع يونس, عبد الرحيم شريف, حمزة سلمان, طالب عبد الجبار, حسن عوينه والآلاف من كوادره وأعضائه ومؤازريه, واستشهد ايضا آلاف الوطنيين والديمقراطيين الآخرين, لا لشيء سوى أنهم أحبوا وطنهم وشعبهم حدّ العشق والاستشهاد دفاعاً عنهما, وعن حقوقهما ومستقبلهما.
ولم يتأخر الانقلابيون الفاشست في تسديد فاتورة الاسياد, حيث ألغوا القانون رقم (80) الذي إستعاد العراق بموجبه 99% من الاراضي التي كانت شركات النفط الاجنبية قد استولت عليها, وباشروا باعادة اراضي الاصلاح الزراعي الى الاقطاعيين, ووضعوا على الرف تلك الاتفاقيات النزيهة التي عقدها العراق مع الاتحاد السوفيتي وبقية البلدان الاشتراكية في ذلك الوقت, وساءت علاقاتهم الدبلوماسية مع العديد من دول العالم. كما ألغى الانقلابيون الحياة الحزبية كليا, وحلّوا عشرات الإتحادات والنقابات والجمعيات, ووضعوا الأميين والمراهقين السياسيين في أخطر وأهم المناصب والمسؤوليات الحكومية.
وعندما عادوا الى الحكم مجدداً في 17 تموز 1968, وبمساعدة نفس الاسياد, توهم العديد من ابناء شعبنا العراقي وقواه السياسية, وبحسن نية مفرطة, وجود إمكانية لأن تغير الأفاعي طباعها, لكنهم بدلاً من ذلك أقاموا أبشع ديكتاتورية عرفها التاريخ الحديث ليس في العراق والشرق الاوسط وحسب, وانما في كل ارجاء المعمورة, ولم يكفهم كل ذلك, بل قدموا العراق على طبق من ذهب ـ كما يقول المثل ـ الى المحتلين الإجانب, ليدخل الوطن الحبيب من جديد في نفق مظلم, نأمل ان يلوح الضوء في نهايته, وهو هدف ممكن التحقيق اذا جرى اعتماد مشروع وطني ديمقراطي بديلاً للمشاريع الطائفية والقومية والفئوية والحزبية الضيقة التي تمور بها الساحة العراقية الآن.
ان اهم درس يجب استخلاصه من تجربة شباط الاسود وديكتاتورية المقبور صدام هو ضرورة تلبية حقوق الشعب ومصالحه الجذرية, والايمان الحقيقي بالديمقراطية وإقامة دولة القانون والمؤسسات, فذلك هو الطريق الذي لاطريق غيره لبناء العراق الحر الديمقراطي السعيد.

في الذكرى الثالثة لرحيل رفيق الحريري

 غازي العريضي
بعد أيام، تأتي الذكرى السنوية الثالثة لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. ثلاث سنوات مرت ولبنان في جحيم، ولا أعتقد أنه حتى ولو كان سبب القتل فقط الحقد، أو كان ثمة مشروع كبير وخطير من وراء تلك الجريمة، لا أعتقد أن الذين خططوا لتلك العملية توقعوا النتائج التي ظهرت، والتي لا تزال تظهر، وربما تظهر أكثر فأكثر في المستقبل القريب والبعيد. والمؤكد في كل ذلك أن كل لبنان خسر حتى ولو كابر البعض. خسر لبنان شخصية سياسية استثنائية في قدراتها وإرادتها وإيمانها ببلدها وشعبها وانتمائها العربي الصافي، وفي شبكة علاقاتها الدولية والإقليمية التي سخرتها لمصلحة بلدها وانتمائها. نعم، مرة جديدة يقول الجميع، من أيد الحريري ومن خاصمه، من أحبه ومن كرهه: لبنان قبله ومعه شيء ولبنان بعده شيء آخر، ومفتوح على احتمالات أخرى لم ير منها إلا الخطير، ولم يحصد منها إلا الخطير، لاسيما وأن مسلسل الاغتيالات لم يتوقف، وأودى بحياة خيرة أبناء البلد من سياسيين ومفكرين ومثقفين وإعلاميين وعسكريين، وحالة الانقسام خطيرة جداً على المستويين السياسي والشعبي، والفراغ في رئاسة الجمهورية قائم، والمجلس النيابي مُعطل، والحكومة تواجه أزمة كبيرة ومحاولات شلها بالكامل قائمة، والشارع يشهد تحركات خطيرة وصلت إلى حد الصدام مع الجيش اللبناني المؤسسة الأم في المحافظة على الأمن والاستقرار في البلاد. لكن أخطر ما تواجهه بعد اغتيال الرئيس الشهيد، هو محاولة إسقاط ما سعى إلى تكريسه - أي فكرة الدولة. نعم ثمة محاولة لإسقاط الفكرة بحد ذاتها، وبالتالي لإسقاط المؤسسات، وكأن لبنان ساحة موقع لا دولة ولا مؤسسات ولا قانون، وهذا لا يعني إلا الفوضى، وهذه الأخيرة لا ينجو منها أحد. ويخطئ من يعتقد أنه قادر على النجاة منها أو حماية نفسه من نتائجها الخطيرة. لقد حقق لبنان إنجازات كبيرة مع رفيق الحريري شملت المقاومة وانتصارها الأول على إسرائيل وتحرير الأرض عام 2000 وما سبقه من انتصارات في معارك كان للرئيس الشهيد دور أساسي في حمايتها وحماية نتائجها خصوصاً في أبريل 1996 وفي استيعاب تلك النتائج ومسح الآثار السلبية الناجمة عن الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان. ورافق انتصار المقاومة المدنية الشعبية بالسلاح، انتصار آخر تجسد في المقاومة الإنمائية والإعمارية التي شكلت قاعدة وأساساً لتعزيز صمود الناس من جهة ولحماية سلامة اقتصاد البلد من جهة ثانية والارتقاء به إلى مستوى قدرات وطموحات اللبنانيين المنتشرين في كل أصقاع الأرض والمساهمين في بناء اقتصادات دول وتأمين مقومات ازدهارها وتطور أوضاعها. لو راجعنا مسيرة رفيق الحريري لأدركنا كم كان حضوره في لبنان كبيراً بسبب رفعة مواقفه.. فهل لنا أن نتعلم من حياته وتجربته واستشهاده؟
وحقق لبنان تأسيساً على ذلك إنجازات إضافية منها الانتصار في الحرب على إسرائيل عام 2006 بعد اغتيال الرئيس الشهيد، لكن كل ذلك مهدد اليوم، ورفيق الحريري غير موجود. الوحدة الوطنية مهددة في ظل الانقسام الكبير، الإنجازات مهددة، الدولة ومؤسساتها مهددة. والخطاب السياسي الذي نشهده اليوم، وينذر بمخاطر كبرى، لم نشهد له مثيلاً في تاريخ حياتنا السياسية، وإنْ دل على شيء فعلى انحدار مستوى القيادة السياسية والعمل السياسي في مواقع ومؤسسات كثيرة، ولو عدنا بالذاكرة قليلاً إلى الوراء وراجعنا مسيرة رفيق الحريري لأدركنا كم كان حضوره في لبنان كبيراً، ليس فقط بسبب إمكاناته بل بسبب رفعة مواقفه وترفعه عن كثير من الأمور رغم ما أصابه من سهام وجراح في حملات شنيعة شنت ضده في كثير من المرات، وكان فيها الظلم والتجني، لكنه حافظ على مستوى راقٍ في خطابه السياسي وتعبيره عنه، وكان ذلك موضع نقاش لدى كثيرين من مقربين وبعيدين ومن أصدقاء أو خصوم، لكنه كان ثابتاً من ثوابت السياسة التي انتهجها، والتي كان الحرص فيها أن تبقى السياسة كبيرة، وأن يبقى السياسيون كباراً، وفي ذلك احترام للوطن وللمواطنين وأمل للمستقبل. ثلاث سنوات كافية ليتعلم من يجب أن يتعلم في لبنان وخارجه، خصوصاً داخل لبنان، إذا كانت سنوات الحرب الأهلية اللعينة لم تؤثر في هؤلاء علماً أن منطق الأمور يقول -إذا كان ثمة احتكام للمنطق في التفكير والتصرف والتدبير- إن تجربة الحرب الأخطر هي الدرس الأكبر؛ ولذلك يخطئ بعد كل هذه السنوات من يعتقد أن بإمكانه السيطرة على البلد، أو التحكم بمفاصل القرار فيه بنوع من الهيمنة. تجربة ما قبل الحرب أثبتت فشل هذا النوع من التفكير والممارسة وانفجر في وجه أصحابه. وفي لبنان تتكرر التجربة ذاتها، وستكون النتائج ذاتها في وجه أصحاب التجربة الجديدة. ويخطئ من يعتقد أنه بالقوة العددية أو المالية أو العسكرية يمكن أن يحسم أمراً ويغير نظاماً. كل هذا يؤدي إلى ما أدى إليه في السابق: خصومات وخلافات وانقسامات وأحقاد ثم عودة إلى التسوية. ويخطئ من يعتقد أيضاً أنه خارج الدولة ومنطقها ومؤسساتها وقوانينها وعدالتها يمكنه الاطمئنان إلى مصير ومستقبل، فكيف إذا كنا جميعاً اليوم نعيش حالة من القلق على كل شيء في البلد وعلى أولادنا ومؤسساتنا ومستقبلنا بغض النظر عن انتماءاتنا الطائفية أو المذهبية أو السياسية أو المناطقية؟! ولذلك ينبغي تقديم فكرة الدولة على أي فكرة أخرى وفي ذلك استفادة من تجربة رفيق الحريري بعد الحرب، لا أن يسير بعضنا عكس التيار "وبالمقلوب"، كما يُقال فيذهب إلى الحرب لتدمير الدولة ومؤسساتها وفكرتها.
أما المسألة الأهم، فهي الوحدة الوطنية التي عمل لها الرئيس الشهيد وسعى إلى تعميق المصالحة بين اللبنانيين وفي نفوسهم، حماية للبلد واستقراره ومستقبله. وتجلت تلك الوحدة خلال يوم وداعه بعد اغتياله، في أهم المشاهد بتاريخ لبنان، يوم ودعه اللبنانيون من مواقعهم المختلفة على وقع أجراس الكنائس وأصوات مآذن المساجد وصيحات المؤذنين والمصلين في قلب بيروت. لقد آن الأوان ليقف اللبنانيون صفاً واحداً ويقولوا كلمة واحدة: لا للإرهاب، لا للاغتيالات، لا للتصفيات، لا للقتل، نعم للعدالة، نعم للقانون بعد أن طحنت هذه الحرب الإرهابية خيرة رجالنا وعلى رأسهم الرئيس الشهيد. آن الأوان لنتوحد ضد خطر واحد لن ينجو منه أحد إذا ما استمر المسلسل وإفرازاته وعمليات التحريض المذهبي والطائفي، في ظل ما نراه في المنطقة، وإبقاء لبنان ساحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية وتمرير مشاريع تخدم كثيرين إلا لبنان واللبنانيين في نهاية المطاف.
حياة رفيق الحريري وتجربته كانتا فرصة كبيرة للبنان لم يستفد منها كما كان يريد وكما يستحق لبنان. هل لنا أن نتعلم من حياته وتجربته واستشهاده لنحمي لبنان، فنكون شعبه الطيب الذي استودعنا أمانة لدى الله قبل أن يغادرنا بوقت قصير، وكأنه كان يرى قدره أمامه ويدرك ما ينتظره فقط، لأنه آمن بلبنان وشعبه؟

نشر الغسيل السياسي في العراق !!!

  مهند حبيب السماوي
أراني بت مقتنعاً أشد الأقتناع أن العراق اليوم يمر بحالة من الفوضى على الصعيد المؤسساتي تُرخي بظلالها على المشهد السياسي بمجمله على الرغم من التحسن الأمني النسبي الهش الذي تشهده العاصمة بغداد وبعض المحافظات الأخرى بفعل عدة عوامل إجتمعت وتكاتفت وأدت الى هذا النجاح والتحسن الأمني الذي نأمل أن يستمر ويتواصل ويتطور من افضل الى الأفضل لا أن يتقهقر ويرتد على نحو مؤسف كما حدث يوم الجمعة الدامي السابق في سوق حيث سقط فيه عشرات الشهداء والجرحي في تفجيرإرهابي بربري قل نظيره في التاريخ المعاصر للانسان والحيوان على حد سواء
وتتجسد هذه الفوضى في أحدى أهم مظاهرها وتجلياتها في التصريحات الغريبة المثيرة لألف علامة إستفهام والتي تنطلق من بعض المسؤولين في الحكومة العراقية أثر اقالتهم من مناصبهم ومراكزهم التي تسنموها في الحكومة , حيث ما أن يصدر أمر باقالة هذا الموظف من منصبه حتى تبدأ صحوة الضمير لديه فتنطلق التصريحات منه حول دائرته والفساد الذي ينخر جسدها وكيف كان هذا الموظف المُقال من منصبه يعمل جاهداً ليلاً ونهاراً من أجل كشف هذا الفساد وتعرية أسبابه وفضح المسؤولين عنه أمام الرأي العام العراقي من اجل خدمة العراق ووطنه الجريح !!!
وأشعر بصورة مؤكدة أن ذهن القارئ الأن يستذكر الكثير من هؤلاء الذين أطلقوا مثل هذه التصريحات بعد خروجهم من منصبهم , ولعل أخر صيحات وموضات التصريحات الرنانة في هذا الشأن قد تمثلت فيما قاله موسى فرج الذي تسنم منصب رئيس مفوضية النزاهة بعد هروب رئيس المفوضية العليا للنزاهة السابق القاضي راضي الراضي الى امريكا أثر خلافات ومشكلات مع السلطة لانرى متسعاً للحديث عنها الأن, كما تمثل قضية نقل جعفر الموسوي المدعي العام في المحكمة الجنائية الكبرى الى السليمانية احدى هذه القضايا المثيرة للأستغراب والحزن والتساؤل في نفس الأن .
حيث نلاحظ ان موسى فرج كان قد ظهر في لقاء على العراقية وهي قناة الحكومة الرسمية وهو يتحدث عن منصبه وماذا سيعمل ووو..... بل ان المقدم توقع أخيراً ان يتسنم المنصب رسميا خلال اسبوع, ولكن قد تفاجأنا باقالته من منصبه وتعيين شخص أخر بدلاً عنه...ثم ظهر في الفضائيات وبدأ يهاجم الفساد ويتحدث بكلام لم يقله في لقائه مع قناة العراقية وهذا ما آلمني ودعاني الى كتابة هذا المقال حيث بدأ بمهاجمة الفاسدين والمفسدين ولوح بالكثير من الأشياء ممن لم يصرح به كما أشرت في لقائه مع قناة العراقية !!!
أما جعفر الموسوي فقد صرح بالعجب العجاب بعد أن صدر امر اقالته او نقله للسليمانية , فعندما كان في منصبه لم يكن يمتلك الجرأة أن يتكلم او ينقد الطرف الأخر المسؤول الا انه وبعد اقالته نراه يهدد بكشف الفساد الاداري والمالي في المحكمة الجنائية, بل الأدهى من ذلك انه لوح بكشف الفساد الأخلاقي في المحكمة وهذا أمر مثير للعديد من الأسئلة كما أشرت, أذ اننا يمكن أن نفهم الفساد المالي والأداري بسبب وجود ضعاف النفوس والمفسدين والحرامية !!! اما وجود فساد اخلاقي فهذا مايدعو للعجب العجاب !!!
وفي الواقع أنا شخصياً لم ارغب بمناقشة ماقالوه قبل وبعد الإستقالة فلو فتحت هذا الباب لما أستطعت غلقه بسهولة وربما ساحتاج الى بحث طويل لنماذج كثيرة أطلقت تصريحات بعد خروجها من منصبها, كما أني لا ارغب في إدانة أحد من الأطراف سواء كانت الجهة التي أقالت المسؤول او الموظف الذي فضح الفساد في مؤسسته بعد خروجه منها, بل رغبت في توضيح قضية محاولة نشر غسيل موظف ما لدائرته الحكومية _ وهو غسيل قذر وقذر جداً_ بعد خروجه من المنصب, بينما كان ساكتاً و(مغلس كما يقول العراقيون) حينما كان فيها, والأولى به ان يقوم بذلك اثناء بقائه في المنصب لا ان يقول ذلك بعد خروجه منها الا اذا كان فضحه لهذه الأمور قد سبب له الفصل والإقالة فحينها سوف نحترم تصريحه ونُدين الأخرين الفاسدين في دائرته بل وحتى الحكومة ان قبلت بذلك وتسترت عليه. فعلى المسؤول العراقي _ وكل موظف في الدولة هو مسؤول مهما كانت درجته الوظيفية_ ان يُساءل نفسه وينقدها مرات عديدة قبل أن يفكر بادانة الأخرين ومحاسبتهم , وعليه أن تكون مبادئه وتصريحاته حينما يخرج من منصبه منسجمه مع ماكان يقوله حينما كان متربعاً على عرش المنصب بين كرسيه ومكتبه الذي صرف عليه الملايين والراتب الضخم والحرس الذي يسير أمامه وخلفه في شوراع بغداد ويُطلق النار في الهواء من اجل الحفاظ على حياته الغالية المقدسة التي هي من طينة اخرى تختلف عن طينة المواطن العراقي المسكين !!!
ثم على المسؤول المُقال من منصبه أن لايكون بوجهين وأن لايتعامل بإزدواجية مع قضيته, وعليه ان يُصرح بهذه الأمور وهو في وظيفته حتى حينها اذا أقيل من منصبه فسوف نصدّق أنه كان صالحاً ويسعى لخدمة بلده لانه اذا كان " دينك هو مايمكن ان تقوم به بعد ان تنتهي الموعظة في الكنيسة " كما يقول جاكسن براون , فإن إخلاصك وصدقك يجب ان يكون ايها المسؤول والموظف الحكومي هو ماتصرح به وانت في داخل وظيفتك مواجها ذاتك ومواطنيك المساكين الذين ينتظرون منك العمل والصدق والإخلاص لهم , لانك _ برايي _ عندما تدين الأخرين في مؤسستك الحكومية بعد ان تخرج منها فأنك تدين ذاتك وسلوكك سواء شعرت ام لم تشعر بذلك !!!

 قـصـة هـروب المـجـرم حسين كامـل مـن (العروش) الـى المـزابــل

 الحلقة الرابعة عشرة
بغداد / البينة الجديدة
تنشر البينة الجديدة القصة الكاملة لهروب صهر صدام(حسين كامل حسن المجيد) ابتداءً من بوادر الخلاف مع الكسيح المقبور(عدي صدام) ومروراً بدعوى اتصاله مع (المعارضة العراقية) التي كانت يوم ذاك في الخارج وفشله في استمالتها وتحقيق مآرب شخصية وانتهاءً برجوعه الى العراق ذليلاً كسيراً ثم نهايته المأساوية على ايدي ابناء عمومته الذين قتلوه تحت ستار (الثأر العشائري).
طبعاً تذكرت أنا لقائي مع رافع التكريتي في الطائرة ومحاولاته اللاحقة للاتصال بي وكنت أتهرب منه وأرفض اللقاء به واليوم وقد رحل رافع التكريتي وهو بمنصب رئيس جهاز المخابرات العراقية فلا أجد مانعاً يحول دون قول الحقيقة عن هذا الرجل فإنني كنت أرى فيه شخصاً مخلصاً لوطنه يتمتع بخلق رفيع ويحاول أن يكون متوازناً في تقييمه للأشياء وخلال وجوده في رئاسة جهاز المخابرات خفت الضغوط كثيراً على عوائل المعارضين في الخارج وقد سمعت منه كلاماً ناقداً لممارسات النظام وممارسات عدي إني أذكر بأنه وصفها بأنها متهورة ولا أخلاقية وتسيء للنظام وللحزب الحاكم معبراً عن استنكاره واستغرابه بأن صدام لم يتدخل لإيقاف ممارسات عدي وأقاربه والحد من تجاوزاتهم على المواطنين والدولة وأعتقد الآن أن أراء رافع هي التي سببت في تسميمه فيما بعد، بعد أن أصبح رئيساً لجهاز المخابرات.
لقد اعتذرت عن الاتصال برافع التكريتي وقلت لحسين كامل أنني أحب هذا الرجل منذ كان مدرساً في مدرستنا قبل أن ينخرط في جهاز المخابرات ولا أخفي محبتي له ولا أعتقد أنني أقبل أن أورطه في عملنا الذي لم تتضح أمامنا معالمه كما أنني أخاف أن يكتشف النظام اتصالي به عبر تسريب متعمد من السلطات الأردنية التي تراقب هواتفنا مما يتسبب في إعدام الرجل كما أعدم قبله كثيرون أخفوا صلاتهم معنا أو اتصالاتنا بهم.
في ظل هذه الأجواء المتأزمة كنا ننتظر رداً من الأخوة السوريين اذ أمل حسين كامل أن تكون هناك دعوة لزيارة سورية ربما تمكنه من الانتقال وعائلته للتخلص من الضغوط الأردنية.
بعثني مرة أخرى إلى دمشق وكنت أعرف أن الأخوة لن يستقبلوا حسين كامل لأن حافظ الأسد قد قلل من أهمية خروج حسين كامل وتأثيره على تغيير السلطة في العراق وذلك في مؤتمر صحفي عقده والرئيس حسني مبارك بعد خروج حسين كامل وكان التقييم الأمني السوري يقول أن شخصاً مهما كانت أهميته في داخل النظام ومؤسسة الحكم بعد أن يغادر البلاد إلى الخارج لم يعد بمقدوره أن يؤثر في داخل مؤسسة الحكم أو أن يستطيع تغيير النظام وإن دوره لن يكون أكثر من فرقعة إعلامية.
كما أن السوريين كانوا مستعدين لدعم بقاء صدام حسين لا ان يسمحوا بمجيء نظام موال للأردن الذي كان يعني لهم في ذلك الوقت مواليا لأمريكا وإسرائيل وإن ذلك إذا ما حدث يعني بالنسبة لهم إطباق الحصار الإسرائيلي والأميركي من جميع الاتجاهات ويصبحون بين حجري الرحى محاطين بدائرة من الأعداء.
مع ذلك وافقت على المجيء إلى سورية وطلب مني حسين كامل أن أطلب من السلطات السورية مروراً آمناً للأستاذ صباح سلمان المستشار الصحفي لصدام حسين والصحفي والكاتب العراقي المميز وكان الأستاذ صباح قد هرب من العراق وموجود بضيافة المؤتمر الوطني العراقي بمصيف صلاح الدين في شمال العراق (كردستان العراق ) وكنت أقدر هذا الرجل الذي كان مديري حيث كان مدير التحرير لجريدة الثورة -العراقية- يوم التحقت للعمل بها كمحرر عام 1976 وكنت يوم ذاك في التاسعة عشرة من عمري وجئت بأمر من صدام حسين الذي كان نائباً يوم ذاك حيث كنت أحظى باهتمامه ورعايته واختلفت مع الأستاذ صباح وأعترف بأني قد تطاولت عليه لأسباب لا أستطيع تفسيرها غير طيش الشباب الذين يشعرون بهوس السلطة وحين أصبح الأستاذ صباح مديراً عاماً في مكتب صدام حسين لم يحاول الانتقام مني بل حاول أن يصلح علاقته معي وهو في ذلك الموقع وليس قبله.
المهم جئت إلى سورية واستجاب الأشقاء السوريون لمرور الأستاذ صباح وعائلته دون أن يستجوبوهم أو أن يتعرض لأي إجراء غير طبيعي.
وبعد مرور يومين على بقائي في الشام اتصل بي حسين كامل بالهاتف وسألني لماذا تأخرت وعلي أن أعود وأيضاً منتقداً (الأخوة السوريين) قائلاً أنهم يؤخرونك لأنهم يسعون لموالاتك لهم وأنا أعرف هذه الحركات.
ولقد دهشت من قوله هذا وكنت أشعر أن السوريين يراقبون هاتفي في الفندق واستغربت لأقوال حسين كامل وتشكيكه على الرغم من معرفتي أنه ما كان ودياً مع السوريين، بعد ساعتين من هذا الاتصال تقريباً كنت واللواء وفيق السامرائي رئيس الاستخبارات العسكرية العراقية الأسبق في الشارع بسيارته وإذ تطلب منا سيارة التوقف ليخبرنا من فيها بأن رئيس شعبة المخابرات السورية بانتظارنا وعندما ذهبت إليه وكان الوقت ظهراً أبلغني بما كنت أنتظر من إجابات وقال لي بإمكانك أن تغادر إن كنت ترغب وأفترض أن الأشقاء السوريين استمعوا لمكالمة حسين كامل معي وسمعوا ملاحظاته ولذلك أرادوا أن يجنبوني التصادم معه. أسرعوا بإجابتي بما كنت أنتظر من استفسارات وعدت إلى عمان وربما أدرك حسين كامل صعوبة موافقة السوريين على انتقاله إلى دمشق فحاول تكثيف الاتصالات مع السعودية وطلب من أكثر من طرف التوسط لإقناع السعوديين باستقباله.
وفي ظل أزماته النفسية تلك طلب مني حسين كامل أن أتصل بالدكتور عبد الحميد الأزري وهو عالم فلكي عراقي يعيش في باريس وتبين لي أن حسين كامل وربما صدام حسين كانا يستعينان بالسحرة والمشعوذين وإن حميد الأزري الذي كنت أعرفه منذ أكثر من 20 سنة قبل ذلك التاريخ وكنت أشاهده كلما زرت باريس حيث كان يسرع لمقابلتي سعياً للاستدانة لبعض المال الذي ينفقه كل يوم في كازينوهات القمار وكنت لا أرى فيه غير نصاب محتال أجاد صنعته في إقناع السذج بقدراته واتصلت بحميد الأزري الذي طلب مني أن أرسل له تذكرة طائرة وبالدرجة الأولى وأن أضمن له مقابلة صحفية مع الأستاذ وليد أبو ظهر رئيس تحرير مجلة الوطن العربي التي تصدر في باريس والتي كان حميد الأزري يعد بها قسم الأبراج.
من جانب أخر وفي ظل الوضع النفسي المتردي لحسين كامل بدأ يفتح قنوات اتصال مع صدام حسين عبر موافقته على استقبال وسطاء كما بدأت تظهر بعض التصرفات المتهورة.
لقد أصبح حسين كامل متوتراً، فعلاقاته الأسرية تسودها المشاكل وعلاقاته مع السلطات الأردنية في أسوأ أحوالها بعد أن رفض وبشكل قاطع، القبول بتأييد مشروع (الفيدرالية) في العراق، علاقاته بمن حوله أصبحت مهتزة أيضاً فيبدو أن هذا الرجل لا يستطيع أن يُكَون علاقة صداقة متكافئة مع من حوله، ويبدو أنه اعتاد أن يكون إما رئيساً أو مرؤوساً وعلى الأكثر كان رئيساً منذ أول شبابه، حين سُلِمَ إدارة جهاز الأمن الخاص الأقوى والأكثر نفوذاً في كل العراق،ولا أفترض أن له أية علاقة شخصية مع أحد حتى ابن عمه عز الدين لم يستطع أن يُكَوِن علاقة محبة معه، وحسبما قال لي عز الدين أنه لم تكن له أية علاقة صداقة مع حسين كامل، إلى أن بدأت مشاكل حسين كامل مع أولاد صدام حسين، فبدأ يحتاج عز الدين.
في هذه الأجواء كنا نقضي أغلب الأوقات سوية، أنا والأستاذ صلاح عمر العلي وحسين كامل وصدام كامل وأحياناً الأستاذ صباح سلمان، الذي سبق وأن تحدثت عن مروره عبر سورية من كردستان إلى الأردن، وفي إحدى الليالي كنا نجلس في قصر الضيافة فطلب مني حسين كامل أن أتحدث مع الأستاذ المرحوم هاني الفكيكي نائب رئيس المؤتمر الوطني العراقي آنذاك، أي نائب أحمد الجلبي وهو شخص تقتضي الموضوعية الاعتراف له الآن بأنه كان يتسم بخلق رفيع ونموذج من غير ممتهني اللعبة الطائفية، وعلى مدار علاقتي معه لم ألاحظ على هذا الرجل إلا الرغبة الصادقة في إنقاذ العراق، والتعاون مع كل الأطراف، بغض النظر عن انتمائها السياسي والديني والقومي، فهو عربي شيعي وزوجته كردية سنية ويمكنني القول أن هذا التزاوج يعبر عن شخصية المرحوم هاني الفكيكي، وهاني الفكيكي واحد من الذين عبروا عن رغبتهم في التعاون مع حسين كامل منذ خروجه عن النظام، وقدم لي الدعم والمساندة خلال وجودي في لندن، بتكليف من حسين كامل وأذكر أيضاً أنه هو الذي رتب لزيارتي الوحيدة إلى طهران عام ،1992 ولقائي مع السيد محمد باقر الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية .

انجـيـلينـا جــولـــي ام الـجـامــعــة الــعــربــيــة؟

 حسن الخفاجي
ماذا لو ترشحت الممثله الامريكيه الحسناء انجيلينا جولي لمنصب رئيس الولايات المتحده الامريكيه ؟ومن سيصوت لها ؟؟هذه الاسئله لم اجد صعوبة كبيره في ايجاد الجواب الشافي لها مني او من افراد اسرتي او حتى من اصدقائي او معارفي الذين طرحت تساؤلاتي عليهم
اجمعنا باننا سنصوت لها ونعتز بتصويتنا للجمال وللحب وللانسانيه وللشجاعه وللصوت البريء،الذي لم يدخل لعبة المصالح والسياسه واهداف شركات البترول والحروب والدمار،وسنلغي بعد ذلك (المطي)والفيل(شعارات الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري) وسنلقي بحملات تجار الحروب والمصالح والبزنس الى الجحيم.
لكننا انتبهنا اننا (رحنا زايد )،حيث لازلنا جميعا نحلم بامتلاك الجواز العراقي g لان جوازنا ال s نايم على كلوبنا(مشلغم )،كما قال ولدي الذي يتقن التعامل مع المصطلحات الجديده التي برزت بعد التغيير.
وبما اننا عراقيون يعني اننا محرومون من هذه الفرصه الثمينه ولو اننا امتلكنا الجواز الامريكي سيكون قرارنا رهينا بنية الحسناء الشجاعه جولي،اذاما فكرت بالترشح للرئاسه بدلا من هيلاري كلنتون،التي تريد دخول البيت الابيض لتعيش ذكريات زوجها كلنتون مع مونيكا!! وبما اننا لم نلحق باي ثمن ركب الدعايه الامريكيه القويه الا اننا وبشكل متواضع نريد كعراقيين ان نرد التحية باحسن منها،علينا جميعا ان نثمن دور الممثله الشجاعه لدورها الكبير لتفقد اللاجئيين العراقيين والاحساس بمعاناتهم الكبيره،التي لم يعرها بعض ساستنا وجميع ابناء امتينا العربيه والاسلاميه اي اهتمام !!
لقد تجاوزت جولينا بزياراتها المتكرره للاجئين العراقيين كل زعماء الامه العربية، وكل قادة الدول العربيه ووضعتهم جميعا امام واقعهم الذي يعيشونه،حيث الخسه،وفقدان الشعور والضمير،ووضعت امامهم تعاليم دين لم يطبقوه واخلاق امه تجاوزوها بافعالهم الشائنه.
لم تطلب جولي حمايه كبيره كي تزور العراق او لاجئيه بمخيماتهم مثلما يطالب كل المسؤولين العرب بذلك،ومثلما تتحجج البعثات الدبلوماسيه العربيه بذلك وتمانع للان في فتح سفاراتها ببغداد
وعندما تعود لامريكا فانها لن تحسب زيارتها الينا منة علينا،مثلما فعل ويفعل العرب حينما زودونا بعد التغيير بمواد غذائيه فاسده واستعرضتها كامرات فضائياتهم قبل ان تصل افواه الجائعين.
وهي بالتاكيد لن تؤيد حزبا او جماعة في العراق،جاءت من اجل اللاجئين وسوف تعود وتعمل من اجل العمل الجاد لوضع حد لمعاناتهم،لم تتصل بجماعة اليماني،ولم ترسل الاموال للانتحاريين ولم تجند معجبيها بالتوجه للموت او الانتحار بالعراق،مثلما فعل العرب وساستهم وبعض متدينيهم ومشايخهم بنا فايهما احسن لنا كعراقيين الممثله الحسناء ام الجامعه العربيه؟؟
رب قائل يقول انها جاءت بفعل منصبها الاممي تري كم من مشاهير الامه العربيه يحملون نفس المنصب وعندهم نفس المواصفات؟ هل من مشهور عربي فعل مثلما فعلت؟
حكى لي الزميل جمعه الحلفي معاناته والعراقيين جميعا ايام حكم الطاغيه صدام،حيث كان يقيم بسوريا،اراد هو ومجموعه من المثقفين العراقيين الاتصال بالممثل دريد لحام،وهو ايضا يحمل منصبا امميا وحثه من اجل ان يقف معهم للدفاع عن اطفال العراق،لكنه عجز وغيره حاول وعجز امام اصراردريد لحام على عدم الزج بنفسه بمثل هذه الامور!! (مرحبا امة العرب).
هل لمبادرة عادل امام وزيارته اليتيمه لسوريا من اثر على الحكومه السوريه؟؟ التي فرضت الفيزا لمنع تدفق اللاجئين العراقيين على اراضيها.وهل للممثلين العرب الذين يحملون منصبا امميا قبل ان يستقيلوا احتجاجا على حرب صيف 2006بين حزب الله واسرائيل من موقف واضح من كارثة اللاجئين العراقيين.؟؟؟
اين يخفي مشاهير العراق وجوههم بعد مبادرات جولي؟؟
لم تتحجج بالحمل،ولم تخف الوضع الامني،ولم تحسب حساب زوجها وغيرته القاتله (والله حقه يغار)، جاءت من اجل غايه نبيله ابتعد مشاهير وقادة وزعماء العرب وكتابهم،الذين ينفخون بابواق صدئه ويحاولون النيل من الحكومه العراقيه باي ثمن عنها،حيث استغل عبد الرحمن الراشد زيارتها للنيل من الحكومه ولم يكلف نفسه ليقول هل من احد منا نحن الكتاب العرب زار العراق؟ مثلما فعل اغلب الكتاب الاجانب،او تفقد مخيمات اللاجئين حتى يتسنى لهم الكتابه عن معاناتهم من قرب ولتكون لكتاباتهم مصداقيه؟؟ سألني ابني الصغير قائلا:اننا نؤمن بالمعاد،وبيوم القيامه، وبالحساب.
هل سيحاسب الله انجيلينا مثلما يحاسب ابن جبرين؟
اومثلما يحاسب الممثله رغده؟
احيل تساؤلات طفلي الصغير لاصحاب الاختصاص للاجابه عليها .

الخطاب المتشدد آثاره وإنعكاساته السلبية

 علاء الخطيب
يعتبر الخطاب الراديكالي ( المتشدد) مبدأ ً وعملية ً لتكريس الأحادية والانغلاق في الفكر أيا ً كان هذا الفكر سواء كان فكرا ً علمانيا ً أم دينيا ً,وهو بنفس الوقت مفردة من مفردات ثقافة الكراهية المفضية للعنف والارهاب, وكذلك يعكس حالة من الأدلجة الفكرية التي لا يستطيع معها الفرد المؤدلج أن ينفك من محيطه ومفرداته الايديولوجية , وحين يأخذ هذا الخطاب مكانه في النفوس تدريجيا ً و يصبح مفردة لا شعورية يعد مسلًّمة من المسلًّمات لدى أتباع وحملة تلك الايديولوجية , ولهذا الخطاب أثار وإنعكاسات سلبية تهدد المجتمعات الإنسانية وديمومة تطورها ويضر بثقافة التعايش وقبول الآخر.وحين يصبح السلم الاجتماعي في خطر تقدم أولوية الأمن على أولوية التنمية , فيتنازل المثقف للمسلح والموسيقى لقرقعة السلاح والحكمة للشعارات الثورية,وتغيب العقلانية في زحمة وضجيج الجهل والتخلف, من هنا تقع على عاتق المثقفين والعقلاء مسؤولية كبيرة وجسيمة في عقلنة الخطاب وإشاعة لغة التسامح والأعتدال في زمن السلم وقبل حلول الكارثة , فأن عملية تصعيد الخطاب الإعلامي في كل الاحوال يقابله تصعيد من الجهة الاخرى الموجه لها الخطاب وهو ما يبرر بالتالي ظهور تيارات يمينية متطرفة وأفكار متشددة, وهذا ماحصل بالفعل في العالم الإسلامي وفي الغرب على حدٍ سواء ففي العالم الإسلامي ونتيجة للإحباط و الشعور بالاحتقار وتصعيد لهجة الخطاب ضد الإسلام فقد ساعد ذلك على وجود حركات وتيارات متطرفة تؤمن بالعنف والإرهاب كوسيلة وحيدة للتعبير والرد كطالبان والقاعدة والحركة السلفية والتكفير والجهاد وغيرها من التنظيمات الراديكالية , وننظر في الجهة المقابلة أيضا ً تصاعد شعبية قوى اليمين المتطرف في أوربا رغم محاصرته رسميا ً ففي النمسا على سبيل المثال ورغم محاولات الأوربيين لمنع صعود حزب الحرية النمساوي (أقصى اليمين) بزعامة المتطرف ( يورغ هايدر) الا أن تلك المحاولات باءت بالفشل والسبب هو رد الفعل لبعض الاوربيين من الخطاب المتشدد للمتطرفين الاسلاميين, وكذلك تنامي قوى اليمين في فرنسا وصعود (جان ماري لوبان)وهو يميني ذو خطاب متشدد ورئيس حزب ( الحركة الوطنية الجمهورية) الذي قاد أحد أفراده عملية أغتيال الرئيس الفرنسي السابق ( جاك شيراك) 2002 وكذلك ظهور تيار متشدد ارهابي في المانيا قام بأحراق مقرات اللاجئين والاعتداء على مساكن العمال الأجانب وغالبيتهم من المسلمين وبالأمس حملت لنا الانباء عن متطرف آخر في هولندا وهو (خيرت فيلدرز) الذي استفزت أراؤه وخطاباته المشددة و المعادية للإسلام والمسلمين شعور المسلميين في هولندا وغيرها, وهو يعتزم إنتاج فيلم معادٍ للإسلام والمسلمين كما فعل سلفه (بيم فورتاون) الذي أغتيل على يد رجل هولندي,وتطول القائمة وذكر الاسماء, وسيدوم الصراع مالم يتنبه المثقفون الى الخطر المختبئ وراء هذا الخطاب المتشدد. ورغم تخوف الأوربيين من تسرب الافكار المتطرفة عبر رجال دين متشددين يعملون على نشرأفكار راديكالية متشددة بين صفوف الجاليات الاسلامية في اوربا مستغلين حرية الرأي والتعبيرأعد الاتحاد الاوربي خطة لمواجهة هذا التطرف وتقضي بتعليم الشرطة ورجال الامن مفاهيم الاسلام ونشر أدبيات الاسلام الحقيقية وتبني منهج الاعتدال في وسائل الإعلام وبالتوازي مع مراقبة رجال الدين المتنقلين و الذين يحرضون على العنف والكراهية وتجنيد الشباب لممارسة دور الارهاب في هذه الدول وغيرها. وقد عانت دول كثيرة من هذا الخطاب المتشدد والشحن الايديولوجي ومنها العراق الذي يدفع ولهذه اللحظة ضريبة هذا الخطاب من قبل رجال يحسبون على الدين,ويجندون الشباب بحجة محاربة الامريكان و الضالين والمنحرفين. و تنبهت أخيراً وزارة الخارجية البريطانية الى خطر هذا الخطاب وإنعكاساته على عملية الإندماج الاجتماعي في بريطانيا والتي يعد مجتمعها كما الحال في الغرب عموما ًمن المجتمعات المتعددة الثقافات فأصدرت بياناً تحث على تخفيف لهجة وشدة الخطاب إتجاه الاسلام والمسلمين وإتخاذ خطوات عملية لحفظ التوازن وعدم الانجرار وراء العواطف المتطرفة والمنفلته .وتبذل جهود حثيثة وتتعالى الأصوات لنبذ التطرف والتشدد من قبل علماء دين مسلمين , لأن الجميع يتحسس الخطر من هذا الخطاب اللامعقول ولا يخفى على المتتبع ان شدة الخطاب ليس له تأثير على المتشددين فحسب بل في ذات الوقت له أنعكاسات سلبية على المعتدلين الذين يؤمنون بالحوار والتواصل فقد يسقط ما في أيديهم من حجة امام المتطرفين, وهناك أثار سلبية عديدة تنتج جراء الاستمرار بهذا الخطاب تؤدي الى التخلف والنكوص عن ركب الحضارة الإنسانية والسير نحو الظلامية والإنحطاط , ومما لاشك فيه أن مثل هكذا خطاب يؤدي الى الفصل العنصري والتمييز الطائفي والعرقي.

صفحة جديدة في علاقات أنقرة بواشنطن ...
تركيا تتهيأ لدور سياسي - اقتصادي يجابه ضغط ايران على العراق والخليج

 أنقرة - يوسف الشريف
كان احياء الشيعة في تركيا ذكرى عاشوراء، وما زال، حدثاً يختلف في شعائره ورسائله عن بقية احتفالات الشيعة في العالم الاسلامي، إذ تجمع حوالى مئة ألف شيعي في اسطنبول في احتفالية جماهيرية، عرضت خلالها تمثيلية لاحداث كربلاء، ولكن بدلاً من استخدام الجنازير والأسلاك في اللطم حتى نزف الدم، يقوم الشيعة في تركيا - وأغلبهم جعفريون - بحملة للتبرع بالدم فداء للحسين بطريقة عصرية تخدم المحتاجين لهذا الدم الذي ينزف طواعية في ذلك اليوم.
الشيعة الأتراك تأثروا بمسيرة التوجه للغرب والسير في ركاب الاتحاد الأوروبي، وطوروا من طقوس احتفالاتهم وعلى رغم بعض المحاولات الايرانية، فقد فشلت طهران في السيطرة عليهم أو عقد علاقات مميزة معهم، على خلاف ما يجمع ايران بجماعات شيعية كثيرة في العالم العربي، والسبب هو قوة الشعور القومي لدى الأتراك الذي يغلب أحياناً على الهوية الدينية أو المذهبية، بالاضافة الى علمانية النظام وديموقراطيته التي تمنع ممارسة السياسة على أساس ديني أو طائفي، لكنها تمنح الجماعات الدينية حرية العبادة وممارسة الطقوس في حدود المعقول من دون اسراف يسمح بالتطرف أو المغالاة في البدع التي قد تشوه صورة الدين الاسلامي. (يجب أن نذكر ان هذه الحريات قد لا تنطبق على الاقليات غير المسلمة التي لا تزال تعاني من حرمانها من حرية تعليم دينها في شكل أوسع، لكن، هنا، أيضاً يغلب الشعور القومي على ما سواه، فيقف أمام هذه الحريات التي يرى فيها الأتراك أحياناً نافذة للتدخل الأجنبي في شؤون تركيا الداخلية من خلال اثارة الغرب ملف الأقليات في شكل متكرر).
يتساءل بعض الأوساط السياسية التركية عن سبب عدم الاهتمام الكافي من بعض العرب بالحوار البناء مع الشيعة من بني جلدتهم، واعتبار الأقليات الشيعية في بعض البلدان العربية خطراً يجب التوجس منه، أو ذراعاً سياسية لايران، خصوصاً في العراق حيث الشيعة غالبية، وتركيا كانت من اولى الدول التي رفضت سياسة التحذير من الهلال الشيعي وخطر فتنة سنية - شيعية تبدأ في العراق وتمتد الى المنطقة بأكملها، وأصر الموقف التركي على تعريف الحالة القائمة في اطار سياسي بحت ناتج من توسع النفوذ الايراني نتيجة غزو العراق وسياسات واشنطن الخاطئة - عن قصد أو غير قصد - في المنطقة. وتعريف الحالة من منظور طائفي يخدم ايران أولاً، لأنه يتهم جميع الشيعة في المنطقة بالعمالة لها ويلقي بهم في احضانها كجسم منبوذ يجب التخلص منه أو استعداؤه، وبالتالي تزداد أوراق الجانب الايراني قوة، فيما ليس للعالم السني قدرة على تحريك أو تفعيل الأقلية السنية في ايران.
كان الموقف التركي، أو المقترح التركي، لمعادلة ما حدث من اختلال في توازن المنطقة لمصلحة ايران يقوم على ثلاث نقاط، أولاها تصوير الحالة في اطار سياسي وترك الحديث عن الهلال الشيعي أو عن فتنة شيعية - سنية، وثانياً استقطاب سورية ودفعها الى الانخراط في العملية السلمية وتحسين علاقتها مع الغرب وتطبيع علاقاتها مع لبنان، ليس بهدف فصل سورية عن ايران، ولكن، على الأقل، تحييد دمشق واضعاف المرتكز الايراني القائم على التحالف مع سورية، وثالثاً سحب أوراق القوة من يد ايران بالتدريج ومن دون استفزاز أو اللجوء الى أسلوب التصفية والمواجهة العسكرية، من خلال احتواء الشيعة العرب وتقوية الشعور القومي لديهم والاعتراف بحقوقهم حيث يوجدون كأقليات من أجل زيادة جرعة الاحساس بالانتماء للوطن وعدم البحث عن سند على الجانب الآخر من الخليج. من أجل ذلك دعمت تركيا ما يسمى بالعملية الديموقراطية في العراق شرط مشاركة السنّة فيها وعدم اقصائهم عنها كما كان واقعاً في بداية الأمر، وكان لتركيا دور مهم في اقناع السنّة العراقيين في المشاركة في الانتخابات الأخيرة، فالطرح التركي يقول إن ايران لا يمكنها أن ترفض عراقاً ديموقراطياً طالما ان الشيعة - الذين تعتبرهم حلفاءها فيه هم غالبية السكان، لكن، وفي المقابل، فإن عراقاً ديموقراطياً ومستقراً - وان كان تحقيق ذلك صعباً - سيجعل اعتماد الأحزاب والفصائل الشيعية على ايران أقل بعد انتفاء التهديدات المذهبية أوالخلافات الطائفية داخل العراق - ان إمكن - مما سيقوي الشعور الوطني والقومي لدى الشيعة العرب العراقيين.
هذا الطرح التركي والذي جاء بصوت خافت، قوبل بصراخ المطالبين بالتصعيد وتغليب سياسة المحاور بين معتدلين ومتطرفين في المنطقة، والتحذير مما سمي الخطر الشيعي في المنطقة، ومحاولة جر المنطقة الى حروب جديدة، وزيادة الضغط على سورية في الداخل ومن خلال لبنان أملاً في اسقاط نظامها وانهاء التحالف السوري - الايراني بهذه الطريقة، ووصل الأمر الى اتهام تركيا بالعمل على اقامة محور تركي - ايراني - سوري أو العمل لحساب ايران، وهو أبعد ما يكون عن الواقع أو الحقيقة. ولوان تركيا قبلت في حينه بعض العروض التي قدمت لها لدعم محور ضد آخر، والعمل ضد ايران وسورية وتسهيل أي ضربة اسرائيلية أو أميركية لطهران، واطباق الحصار السياسي والاقتصادي على دمشق، لكانت حظوظ اندلاع الحرب ضد ايران اكبر خلال السنتين الماضيتين. لكن أنقرة رجحت سياسة الاحتواء والحوار على سياسة التصعيد والمواجهة التي جاءت بعكس ما اراد لها اصحابها. وأكبر وأهم مثال على ذلك هو الموقف التركي من حماس بعد فوزها في الانتخابات الفلسطينية، فدعوة انقرة لوفد حماس بقيادة خالد مشعل كان يهدف الى تبني ودعم هذه التجربة الديموقراطية على امل جر حماس بعيداً عن طهران، لذا كان الحرص التركي على ان تكون زيارة مشعل لتركيا قبل ان يتوجه الى ايران. وبحسب قول مسؤول تركي رفيع في حينه، فلو أن الغرب اعطى في حينه حماس فرصة، لما وقعت الحرب اللبنانية -الاسرائيلية، التي جاءت نتائجها كارثية على المحور الأميركي - الاسرائيلي المؤمن بأن آلته العسكرية قادرة على كل شيء -، ولأمكن ربما التأثير في موقف حماس وفي علاقاتها مع طهران، بدلاً من دفع حماس وبقوة الى البحث عن شريك وداعم لها خارج حدود الوطن العربي بالاضافة الى دمشق.
والحرب الاسرائيلية على لبنان جاءت نتيجة تأزم الوضع بعد حصار الغرب لحماس وموقفه منها، وثمرة لعقلية لوبي أميركي معروف يؤمن فقط بالتصعيد والمواجهة العسكرية لحسم المواقف، وهي السياسة التي ثبت فشلها، فكانت الحرب على لبنان درساً ثالثاً لأصحاب مدرسة الاخذ بالقوة في واشنطن بعد أفغانستان والعراق.
صفحة جديدة في العلاقات الاميركية - التركية
طوال الفترة منذ غزوالعراق وحتى نهاية العام الماضي، بدت السياسة التركية وكأنها تسير في خط يتحدى السياسة الأميركية المرسومة للمنطقة ويعارضها. وتعرضت العلاقات بين البلدين لأكثر من اختبار ولأكثر من ازمة، فالطلب الأميركي المتكرر بفرض أنقرة ضغوطاً على دمشق قوبل بالرفض بسبب إيمان تركيا بأن ذلك سيزيد المحور الايراني - السوري قوة وبسبب وجود مصالح تركية اقتصادية قوية مع سورية لا يمكن التضحية بها في سبيل سياسة أميركية يغلب عليها طابع المغامرة. وطلب واشنطن من أنقرة قطع علاقاتها بطهران وفرض حصار اقتصادي عليها قوبل أيضاً بالرفض، ليس تحدياً لواشنطن بل لأن المصلحة التركية تتطلب الإبقاء على علاقات اقتصادية جيدة مع ايران التي تحتاج تركيا لغازها ومشاريع طاقتها من أجل سد الاحتياجات الداخلية وتدعيم الاستراتيجية التركية القائمة على تحويل تركيا الى معبر استراتيجي وبورصة اقليمية للغاز الطبيعي والنفط، ولأن لا مصلحة تركية في استعداء ايران بناء على معلومات استخبارية غير مؤكدة حول برنامجها النووي.
ذلك لا يعني ان العلاقات التركية - الايرانية في افضل حالاتها اليوم، فتركيا كانت علاقتها افضل مع ايران رفسنجاني الذي كان البادئ في التقارب التركي - الايراني، ومع ايران خاتمي حين كانت العلاقات بين البلدين في افضل فتراتها بعد الثورة الاسلامية. وفيما استضافت تركيا رفسنجاني وخاتمي، احجمت عن استضافة أحمدي نجاد على رغم تعبيره عن رغبته في زيارتها، وذلك بسبب سياسات نجاد الاقليمية وتصريحاته الراديكالية التي تثير قلق انقرة، وأن لم تفصح صراحة عن ذلك. ولا تزال الاوساط التركية تراهن على علاقات افضل مع ايران في حال عاد الاصلاحيون الى الحكم، بل أن المنظرين الاتراك يأملون في قيام نظام اقليمي يضم ايران وتركيا ودولاً عربية قائم على تثبيت الاستقرار ونبذ الخلافات وسياسات التهديد والتخويف (قد تكون آلية دول جوار العراق بذرة ذلك النظام)، لأن ذلك هوالوضع الطبيعي، وهوالبديل لسياسات الاقصاء أو الاستقطاب أو فرض الهيمنة لمصلحة طرف على حساب الآخر من طريق القوة، أو سياسات الاتفاقات السرية التي لا تستبعد أنقرة ان تعقدها ادارة بوش أو من يأتي بعده مع ايران، والتي ستكون في الغالب على حساب مصلحة دول الخليج والمنطقة، فكثير من السياسيين الأتراك يستشعرون غزلاً غير واضح بين اميركا وايران، ثمرته استقرار نسبي في العراق، وخدمات اميركية خلصت ايران من عدويها طالبان في افغانستان وصدام حسين في العراق، وشهادة براءة من مشروع سلاح نووي بحسب تقارير استخبارات عسكرية اميركية لم تكن الادارة الاميركية مضطرة لتسريبها للإعلام، وعلى رغم الحديث عن توتر ومسرحية مضيق هرمز بين السفن الحربية الأميركية والزوارق الإيرانية. ولطالما حذرت انقرة دولاً خليجية من هذا الاحتمال وطالبتها ألا تضع جميع البيض في سلة الضغط العسكري الأميركي او ضربة أميركية لطهران بحجة ملفها النووي. في المقابل فأن فشل واشنطن في حسم حربها غير المباشرة مع ايران وسورية في المنطقة من خلال التهديدات العسكرية والضغوط السياسية وسياسة الحصار والتهديد، وحاجة ادارة بوش الى تسليم الادارة التي تليها تركة افضل من الموجودة حالياً، على الاقل في العراق، جعل بعض الاذان في واشنطن تصغي ولو قليلاً للاطروحات التركية. فكان المقترح التركي في البداية عقد مؤتمر موسع لدول جوار العراق يفسح في المجال لحوار اميركي مباشر مع طهران ودمشق، وقد أقنع وزير الخارجية التركي عبدالله غول - في حينه - وزيرة الخارجية كونداليزا رايس بذلك خلال زيارته واشنطن في كانون الأول (ديسمبر) 2006. بعد ذلك بدأ الحوار السياسي بين أنقرة وواشنطن يتطور أكثر، وفق قواعد وضوابط جديدة، قواعد تفسح في المجال لحوار ونقاش هادئين بين طرفين يسمع كلاهما الآخر وليس حواراً من طرف واحد. وعندما اقترب العام الماضي من الانتهاء، شهدت العلاقات الاميركية - التركية انفراجاً كبيراً بعد ازمة عاصفة بسبب حزب العمال الكردستاني في شمال العراق الذي اتهمت بعض الاوساط التركية واشنطن بحمايته ودعمه على رغم اعترافها بكونه حزباً ارهابياً، وايضاً بسبب قضية مذابح الارمن التاريخية التي وعدت رئيسة الكونغرس الاميركي نانسي بيلوسي بتبنيها واصدار قرار ادانة لتركيا يعترف بكون تلك المذابح تصفية عرقية. تهديد انقرة في حينه باغلاق قاعدة انجرلك ووقف الامدادات اللوجستية للجيش الاميركي في العراق عبر تركيا في حال اقرار قانون مذابح الارمن من جهة، وتهديدها ايضاً باجتياح شمال العراق كحل اخير اذا اصرت واشنطن على الوقوف متفرجة على هجمات حزب العمال الكردستاني التي زادت في قوتها وتحديها، واذا ما بقي مسعود برزاني على دعمه لعناصر الحزب لوجستياً، هذا التهديد المزدوج وقنوات الحوار السياسي التي فتحتها انقرة مع الخارجية والبيت الابيض، جعلت العقل السياسي في البيت الابيض ينتصر - في مشهد نادر - على ما تبقى من لوبي المحافظين الجدد المطالب بالانتقام من تركيا لعدم دعمها الغزو الاميركي للعراق والانصياع لمطالب قطع العلاقات مع سورية وايران. فانقلبت الازمة الى انفراج كبير، وتوقف مشروع القرار عن الارمن، وحظي الجيش التركي بدعم استخباري وعسكري ضد حزب العمال الكردستاني، وحظيت انقرة بضغط اميركي على الادارة الكردية العراقية لمنع وصول الدعم اللوجستي الى عناصر الحزب هناك. وبدى المشهد غريباً عندما زار كل من رئيس الوزراء والرئيس التركيين الرئيس الاميركي في البيت الابيض تباعاً خلال فترة لم تتجاوز الشهرين فقط، فبعد زيارة اردوغان المهمة في 5 تشرين الثاني (نوفمبر)، جاءت زيارة غول في 8 كانون الثاني (يناير) والتي شملت ايضاً زيارة لقيادات الحزب الديموقراطي الذي تراهن تركيا على فوزه في الانتخابات الرئاسية وبالتحديد فوز هيلاري كلينتون التي كان لزوجها بيل كلينتون اطيب العلاقات مع تركيا في فترة حكمه، والزيارة تمهيد لعلاقات قد تتطور اكثر في حال وصول فريق السيدة كلينتون الى البيت الابيض.
الرئيس عبدالله غول وصف زيارته واشنطن بأنها صفحة جديدة في العلاقات مع اميركا، وكان لدعوة البيت الابيض لوزير الطاقة التركي حلمي غولار ليرافق الرئيس دور مهم في فتح هذه الصفحة التي قد يكون من بين اهم نتائجها - فضلاً عن حوار اميركي - تركي اكثر جدية حول قضايا المنطقة - زيادة الثقل التركي في العراق سياسياً واقتصادياً، واكثر ما يمكن ان يعبر عنه ذلك هواتفاق الطرفين على تعاون استراتيجي في التنقيب عن النفط والغاز في العراق، وشأن النفط - كما هو معروف - مهم لدى واشنطن إذ يكاد يحدد سياساتها واستراتيجياتها في المنطقة، والاتفاق على مد خط للغاز من كركوك الى ميناء جيهان التركي ليوازي خط النفط القائم حالياً، ما يعني دفن فكرة خط كركوك - حيفا القديمة، كما يعني ايضاً ضرورة حل وضع مدينة كركوك بين الاكراد والعرب والتركمان وتركيا، وهو ما سيمهد لعلاقات افضل بين تركيا واكراد العراق في حال حسم الخلاف حول كركوك والتخلص من ملف حزب العمال الكردستاني، ليكون في حينه الاكراد والتركمان والعرب السنة في العراق على علاقات وثيقة جميعهم بتركيا التي تعزز حالياً حوارها مع العرب الشيعة، وتحضر لفتح قنصلية لها في البصرة، من دون ان يكون الهدف بالطبع منافسة ايران على كسب ود الشيعة أو التصدي للنفوذ الايراني في جنوب العراق، وانما لفتح افاق جديدة للعرب الشيعة هناك الذين اشتكى بعضهم اهمال دول الاقليم، وهو دور قد لا يكتب لتركيا فيه النجاح من دون دور عربي مشارك ومساند، لأنه لا يمكن لتركيا أن تتولى مهمة تعزيز روح القومية العربية عند شيعة العراق أو ان تكون حليفاً بديلاً لهم عن ايران.
كما ان أنقرة ستكون حريصة على الا يستفز هذا الدخول التركي الناعم الى الحقل العراقي طهران التي لا تثق منذ القدم بالسياسات التركية، بسبب العلاقة الاستراتيجية بين أنقرة وواشنطن. ولعل زيارة غول الاخيرة لواشنطن كانت كافية من الآن لرسم عدد من علامات الاستفهام في عقول قيادات ايرانية ترى في تركيا منافساً اقليمياً وامتداداً ليد الغرب العسكرية الضاربة على رغم كل ما سبق ذكره.
أمن الخليج واستقرار تركيا
وعلى رغم رفض تركيا الدخول في سياسة المحاور في المنطقة، لكن وجود تركيا مستقرة وقوية وذات سياسة خارجية تدعو للتعقل والحوار وتدعم القضايا العربية العادلة، أمر ضروري لموازنة النفوذ الايراني المتزايد في المنطقة أو على الاقل ضروري لئلا يتضاعف هذا النفوذ، وهو أمر تدركه واشنطن كما تدركه قيادات عربية طورت علاقاتها أخيراً مع انقرة وحكومة حزب العدالة والتنمية. ويندر أن تحظى دولة بزيارتين رسميتين للعاهل السعودي خادم الحرمين الشريفين في اقل من 15 شهراً، وأن تجمع على ارضها زعماء وقيادات من دول المنطقة بهذه الكثافة، من محاولة للمصالحة بين برويز مشرف وحميد كرزاي، الى جمع للرئيسين الاسرائيلي والفلسطيني معاً تحت قبة البرلمان التركي، واستضافة الرئيس السوري بعد فترة وجيزة من العدوان الاسرائيلي على سورية، والعمل بجد للتوصل الى سلام بين دمشق وتل ابيب، ناهيك عن شراكة سياسية مع القاهرة تطوي صفحة التنافس الاقليمي والحساسيات المتبادلة، واتفاقات تعاون سياسي وثقافي مع جامعة الدول العربية وأخيراً حضور مستمر للقيادات التركية للقمم العربية. بقاء تركيا بقوتها الاقتصادية والعسكرية والبشرية قائمة في المنطقة وعلى علاقة مميزة مع الدول العربية، تشاركها قلقها من زيادة النفوذ الايراني بقيادة احمدي نجاد، على رغم انها تختلف مع بعض هذه الدول في طريقة التعامل مع الوضع، هو مهم جداً لاقناع الجانب الايراني ان الساحة ليست خالية تماماً امام نفوذه المتمدد. واذا ما اقتنعت الادارة الاميركية - وتخلصت من الضغوط الاسرائيلية - بضرورة ضم دمشق لمسيرة السلام وكسبها بدلاً من استعدائها (من دون ان يكون ذلك على حساب لبنان وهو ما أكده الرئيس التركي في زيارته الأخيرة ذات الطابع التنبيهي لدمشق بضرورة عدم المغالاة في المطالب والمواقف من لبنان لئلا ينتهي الامر الى مقاطعة اقليمية جديدة لها وعنف في الشارع اللبناني) فأن اوراق القوة الايرانية في المنطقة قد تبدأ في التآكل، وقد تقتنع في حينه بعض القيادات الايرانية المبالغة في طموحاتها الفارسية في المنطقة وخصوصاً في العراق والخليج، بأن سياسة توازن القوى والتعاون على استقرار المنطقة هي افضل من محاولة الاستفادة من غياب العراق الذي كان مكلفاً موازنة الثقل الايراني في المنطقة عسكرياً وسياسياً.
دعم خليجي تركي متبادل لاستقرار المنطقة
وعلى رغم الخلافات السياسية بين تركيا واميركا خلال السنوات الماضية، الا ان واشنطن لم تتخل أبداً عن دعم تركيا اقتصادياً، وحالت دون انهيار اقتصادها بعد ازمة عام 2001 المالية من خلال دعم البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بل ايفاد وزير تركي للاقتصاد من اميركا هو كمال درويش تولى اصلاح الخلل في بنية الاقتصاد التركي في حينه، فأميركا تدرك اهمية بقاء تركيا متماسكة من أجل مشاريع النفط والغاز في المنطقة التي ستكون تركيا معبراً مهماً لها، ولبقاء النموذج التركي المسلم الديموقراطي العلماني في مواجهة النموذج الايراني وغيره من انظمة وجماعات راديكالية في المنطقة، فانهيار الاقتصاد التركي أوالسماح للجيش بانقلاب جديد، يعني خروج تركيا من المعادلة الاقليمية نهائياً، أوعلى الاقل انهاء سياسة الانفتاح على الشرق الأوسط والانكماش مجدداً داخل سياسة تولي وجهها نحوالغرب فقط، وهذا ليس في مصلحة الأهداف الاميركية في المنطقة.
وجود تركيا مستقرة ليس في مصلحة واشنطن فقط وانما يصب ولو في شكل غير مباشر في مصلحة دول الخليج للأسباب المذكورة سابقاً. من هنا جاء التوجه لاستثمار دول الخليج جزءاً من اموالها في تركيا لدعم الاقتصاد التركي المتعطش لتلك الاستثمارات، لكن المشكلة القائمة في تلك الاستثمارات هو توجهها نحو مشاريع الكسب السريع والمضمون والتي لا تقدم الكثير للبنية التحتية للاقتصاد التركي ولا توفر المطلوب من فرص عمل جديدة اوتنمية، فمعظم الاهتمام الخليجي منصب على مشاريع الاعمار السكنية والابراج وشراء البنوك والاسواق، وقد اصطدم معظم هذه المشاريع بعوائق بيروقراطية اثارتها المنافسة الداخلية لقوى اقتصادية تركية ترى نفسها أحق بمشاريع الكسب السريع المضمونة. ان اكثر ما يمكن ان يهدد الاستقرار في تركيا أو اقتصادها، هو تعرضها بشكل من الاشكال مجدداً للاستنزاف على يد حزب العمال الكردستاني الذي تتجمع عناصره الآن على الاراضي الايرانية بعد اتفاق سري مع جهات ايرانية، يسمح لعناصر الحزب بالاحتماء في ايران هرباً من القصف التركي لمعاقله في شمال العراق، في مقابل توقف فرع الحزب الإيراني بيجاك عن مهاجمة الأراضي الإيرانية أو التعاون مع واشنطن، وهو اتفاق لا ضرر منه حالياً لتركيا، لكن، في حال تطور هذا الاتفاق الى دعم مباشر للحزب من بعض الأوساط الإيرانية - كما كان الأمر طوال التسعينات من القرن الماضي حين دعمت طهران بقوة الحزب ضد تركيا - فإن اموراً كثيرة قد تتغير في تركيا. ولذا تسعى أنقرة الى حل القضية الكردية بأسرع وقت ممكن لتجنب هذا الخطر المفترض، بالعمل على اقرار دستور جديد يعطي الأكراد حقوقاً ثقافية، لكن الأهم هو تنمية منطقة جنوب شرقي تركيا ذات الأغلبية الكردية ودعمها اقتصادياً وحل مشاكل البطالة والخدمات فيها، من أجل منع تطوع عناصر كردية جديدة وانضمامها للحزب الكردستاني، وهي مسألة قد تخدم فيها الاستثمارات الخليجية في شكل كبير.
فكما ان دول الخليج صرفت عشرات البلايين لدعم العراق وتسليحه في حربه ضد ايران التي اعتبرت خطراً على أمن الخليج في حينه، فأن استثماراً سياسياً خليجياً بعدة بلايين فقط في مشاريع تنمية جنوب شرقي الأناضول، حيث الأرض الخصبة والمياه الوفيرة والأيدي العاملة الكثيرة، وحيث رفعت سورية من اعتراضها السياسي على مشروع الغاب للسدود والتنمية في المنطقة، يمكن ان يدعم الاستقرار في تركيا، مما يفسح في المجال امام أنقرة لتلعب دوراً ايجابياً اكبر في المنطقة بعد تأكدها من استقرار جبهتها الداخلية. وهذه الاستثمارات لن تذهب سدى، وأرباحها مضمونة لكن ليست سريعة، طالما ان العراق يبقى المستهلك الأهم والأكبر لمنتوجات مشاريع جنوب شرقي الاناضول الجار القريب منه، ليخفف العراق بذلك من اعتماده الكبير على المنتوجات الغذائية الإيرانية الرخيصة في حال دخول سوقه منتوجات غذائية منافسة آتية من تركيا.
طالما حاول الخليج تأمين استقراره من خلال القواعد العسكرية الصديقة وصفقات السلاح، لكن ذلك زاد سباق التسلح على طرفي الخليج ولم يحقق الاستقرار المنشود، سواء بسبب طموح بعض القيادات الايرانية غير الخفي أو بسبب سياسة التهويل والتخويف الأميركي في المنطقة، فهل هناك مجال، مع ما تشهد العلاقات التركية - العربية من تطور نوعي، أن يجرب الخليج الطرح التركي لتأمين الاستقرار، من خلال توازن قوى سياسي واقتصادي مفقود حالياً بسبب شيوع منطق التوازن العسكري دون سواه؟.

 

 

القرأن الكريم


الوقت والتأريخ


القـامــوس

 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة البينة الجديدة© 2007          تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com