|
د. احمد حمودي ربيعة
الحلقة الثانية
لقد كان رد السعدي ورفاقه العددين الذين كانوا
يرتبطون بعلاقة مع هذه العائلة واقتسموا الملح
والزاد معهم، بانها تعرضت الى كل ما يتصوره
الانسان في مسلخ قصر النهاية وشاهدة على كل ما جرى
فيه من قتل واجرام ، وفي احد المرات سرق منها احد
هؤلاء السجانين والمعذبين قلما ذهبيا هو هدية من
زوجها ، بل في احد المرات سمح لصدام حسين حينما لم
يكن سوى صغير في الحرس القومي بتعذيبها. وعن هذا
السلوك المشابه قرانا كيف قتل صدام احد اقربائه
الشيوعيين ليلا بعد ان كان جليسه في المقهى نهارا
وقد استلف منه مبلغا من المال, وكيف رد المجرم
ناظم كزار الفضل للعائلة التي ساعدتهم للسكن في
بغداد بعد رحليهم من العمارة وكيف قام لاحقا
باعدام احد ابناء هذه العائلة وكيف قامت لاحقا أم
هذا الشيوعي المغدور به بان حولت تعزيتها لعائلة
كزار الذي اعدم من قبل رفاقه القدامى، هي وبناتها
الى هلاهل العراقيات المعروفة ثارا لدم ابنها.
مااريد قوله ان أعدادا كبيرة من هؤلاء البعثيين
أعمتهم قضية الحقد والكره لعبدالكريم قاسم ومعاداة
الحزب الشيوعي العراقي, ولو توفرت لهم أي فرصة
لقاموا بقتلهم منفردين او مجموعين كل يوم دون ان
يلتفتوا ولو لمرة واحدة الى أي مستنقع جرتهم هذه
السياسة والطريقة في التفكير وفي أي مزبلة القاهم
التاريخ فيها، وبالتالي وبعد هذه السنين الطوال
يطرح السؤال التالي نفسه من أعدم من؟ لقد تم اعدام
قاسم ورفاقه الابطال في مبنى الاذاعة وسلام عادل
والالاف من رفاقه في مسلخ قصر النهاية ودهاليز
الحرس القومي مرة واحدة ولكن دماء وارواح الضحايا
اصبحت لعنة ابدية تطارد جلاديها وتعدمهم في كل
مكان وزمان.
تمتاز كتابات او اعترافات او مذكرات معظم البعثيين
الذين يتناولون فترة 1958 وما بعدها وبالذات
انقلاب شباط الاسود في 1963 ببعض المميزات منها.
1- أن صدام هو لقيط سياسي للبعث وحركته وهذا ما
يبدا به حازم جواد ذكرياته حيث ان انقلاب 17 تموز
1968 ابتدا بالتامر وانتهى الامر به كذلك، وان
صدام مجرم وقاتل ومشبوه وطائفي وغيرها من
التسميات، وكثير من البعثيين وقيادتهم تندب حظ
حزبهم العاثر على هذا الامر، ولكن عندما يمتد
الامر الى التفاصيل التي رافقت صعود البعث في 8
شباط وما بعدها، تقود هذه التفاصيل القارىء وبدون
عناء يذكر الى استنتاج مفاده ان صدام ومجمل سياسته
الاجرامية هي وريث شرعي لانقلاب 8 شباط ولم يكن
صدام سوي الابن البار والامين لهذا الانقلاب
الفاشي و بكل امتداداته الفكرية والسياسية
والتنظيمية وارتباطاته المشبوهة ولكن صدام ونظامه
اطلقا العنان لهذه السياسه السابقة وباقبح
الاشكال. الم يبدا الانقلابيون حياتهم الجديدة
بالقتل الجماعي والفردي بدون محاكمات او بمحاكمة
شكلية كما في محكمة الاذاعة لقاسم ورفاقه الابطال،
ألم يطلقوا الارهاب ضد العراقيين الى اقصى مدياته،
الم يشنوا الحرب علي الشعب الكردي وتسليم قيادة
الوحدات في كردستان العراق لاكثر القادة العسكريين
شوفينية وعنصرية، الم يهجموا على المنجزات التى
حققتها ثورة تموز الم يتأمروا بعضهم على الاخر كاي
عصابة، الم يتنازعوا على احتلال الكويت وغيرها من
التفاصيل.
2- أن 8 شباط كانت عملية تصحيحية لثورة 14 تموز،
واذ يصمتون عن لماذا لم ينجز الانقلابيون المهام
التي كانت مطروحة امام 14 تموز، فانهم لا يخوضون
في الاسباب الحقيقية وراء الانقضاض على منجزات
تموز بل وكيف تحول البعث وجبهته القومية وشعاراته
الى جبهة جمعت كل القوى الرجعية واليمينية وكل من
عادى مصالح الشعب العراقي ومن تيارات مختلفة.
3- أن الارتباطات المشبوهة للانقلابيين ترتبط
بالجناح العسكري أساسا وليس بالجناح المدني وهذه
واحدة من الفرضيات التي كان يسعى لاثباتها المرحوم
علي كريم وما تجده في ثنايا حديث حازم جواد والذي
كان هو يقف على راس هذا التنظيم وكذلك في كتابات
اخرين ولكن بمتابعة ماكتبه البعثيون انفسهم ممن
عاش تلك الاحداث فان قائمة الاتهامات تمتد الى
عناصر هامة من قيادات التنظيم المدني ويمكن الرجوع
في هذا الامر الى كتابات هؤلاء انفسهم. وماذا لو
اخبرنا حازم جواد عن اجتماعات قيادات من البعث
والمخابرات الأمريكية وممثلي شركات النفط التي
تضررت من قرارات ثورة تموز في البحرين والكويت ثم
حديث الملك حسين عن ارتباطات الانقلاب بهذه الجهات
والاذاعة السرية من الكويت. اما فيما يخص القطار
الامريكي والذي يردد هنا نفس ما طرحه سابقا صلاح
عمر العلي من هذا التشكيك بهذا الامر، فاشير الى
انه قد ظهرت عدة شهادات ولمرات عدة من شهود
مختلفين اكدوا سماع هذا الامر من السعدي ثم انه
صدر قبل سنوات قليلة مقالة في (رسالة العراق)
المجلة التي كان يصدرها الحزب الشيوعي في الخارج
اكدت وجود وثيقة بهذا الامر والتي هي رسالة من
السعدي واكدت المقالة على أي راغب ومشكك بهذا
الامر الاتصال بمكتب لندن للحصول على نسخة منها
واعتقد ان الاوان آن لنشر هذه الوثيقة وبشكل علني
وواسع للجم كل مشكك ورغم هذا فلو جرى حساب نتائج
الانقلاب ومن قاده وارتباطاتهم فانه سنصل الى نفس
النتيجة. بل ان حازم جواد يسعى الى لعبة خبيثة حين
يبدأ مذكراته بالحديث عن الشخصيات الغامضة
وارتباطاتها الخفية وليزج باسم رشيد مطلق وهنا
يحاول ان يشير الى ارتباطات مشبوهة تمتد الى
عبدالكريم قاسم وليضفي صفة المفاوض علي شخصية رشيد
مطلق ورغم ان اشاراته حول الاخير ليس فيها أي دليل
وانما استنادا لان مطلق لم يكن معروفا وكيف اطلق
انقلابيو شباط سراحه( ربما يحز في نفس حازم جواد
لحد الان أنه لم يعرف من استلم الرشوة واطلق سراحه
وبذلك انخفض عدد ضحاياه ). ورشيد مطلق لم يكن
مفاوض قاسم ولكن صديقه ومراسله وصلته مع الحزب
الشيوعي العراقي المرحوم الجادرجي وهو شخصية وطنية
عراقية معروفة وليست غامضة وقد كتب عنها وتجري
الاشارة لها دائما عند الحديث عن الاستعدادات
لثورة 14 تموز ولم يتطرق أي كاتب عراقي أو غير
عراقي مهما كان اتجاهه الى ما يسئ لسمعة هذا الرجل
الوطني والشريف وما يزال الكثير من الذين عرفوه
على قيد الحياة ولم يشيروا لهذه الشخصية الا بما
هو خير وطيب، بل ان المرحوم عامر عبد اللة يشير
الى انه استغرب عندما اتصل به رشيد مطلق واخبره
بسعي قاسم للثورة ورغبته التنسيق والاتصال بالحزب
الشيوعي وكان المرحوم عامر قد التقى قاسم في بداية
1952والتقاه ايضا ثانية، حيث لم يبد على قاسم أي
اهتمام بالسياسة ولم يكن يلفت الانتباه. ولم يشغل
رشيد مطلق أي موقع سياسي او حكومي بعد ثورة تموز
ماعدا ما اشير حول مديرية السياحة.
4- الشيوعيون ليسوا هم المستهدفين أساسا من هذا
الانقلاب ولم تكن النية المسبقة لتصفيتهم، ولكن
واقع الاحداث يقول شىئا اخر فليس غريبا ان ثلاثة
من اربعة قتلوا في 9شباط 1963 هم شيوعيون ( طه
الشيخ احمد ، المهداوي، كنعان حداد)، أن
الانقلابين كانوا بالاساس يطالبون براس الحزب
الشيوعي وهذه لم تكن رغبتهم فقط وانما تجمعوا
ودعموا من قبل حلفائهم على هذا الاساس وفي هذا
المجال هناك الكثير من الامثلة والادلة وليس غريبا
انه بعد هذه السنوات العديدة يخرج السيد صلاح عمر
العلي في برنامج شاهد على العصر ويؤكد انه كان يجب
معاقبة الشيوعيين.
5- السعي لتحميل جريمة القتل اسماء محددة لم يعد
لها وجود، والكل يحاول رمي الذنب على الاخرين.
6- اثارة الشكوك حول صمود الضحايا وتناقض
الروايات.وهذا ما سأتناوله بتفصل اكثر في هذه
المقالة وبالذات موقف قاسم ورفاقه قبل الاعدام
وكذلك محاولة تشويه موقف سلام عادل.
7- الكذب حول عدد القتلى والضحايا الذين تم قتلهم
بشكل فردي او جماعي والصمت عن جرائم التعذيب
والقتل. ولا اعرف الى أي مصدر او دلائل يستند
اليها حازم جواد ليشير ان عدد القتلى من كل طرف في
الايام الاولى لم يتجاوز الخمسين قتيلا. ، ان كل
الدلائل تشير الى عكس ذلك بل وتقدر بالالاف ولاحظ
كيف يذكر اطلاق النار في راس الشخص المتظاهر الذي
صعد الي منصة الدبابة لمفاوضة قائد مجموعة
الدبابات الذاهبة لمهاجمة الدفاع، ثم يذكر كيف
اطلقت الدبابات النار فوق رؤوس الجماهير المتظاهرة
والواقع يعرفه من عاش تلك اللحظات فانه يتذكر ان
الدبابات اطلقت نيرانها على الجماهير ،وهل يتذكر
حازم جواد اعداد جثث المدافعين والمتظاهرين حول
وزارة الدفاع وكيف جمعت، وحبذا لو تذكر حازم جواد
ادوات وطرق التعذيب التي استخدمت خلال الايام
الاولى والايام اللاحقة، هل مازال يسمع صرخات
ضحاياهم من المعتقلين والمعدومين ولماذا يصمت بشكل
كامل عن الاساليب البشعة التي استخدمت في التعذيب
ولحد الان مازال على قيد الحياة الالاف ممن جربت
او استخدمت ضدهم هذه الاساليب. هل يستطيع حازم
جواد ان يذكر لنا عن قلع الاظافر والتعليق من
الايدي او الارجل او اجبار المعتقلين الجلوس على
القناني الفارغة واغتصاب العذارى والنساء واغتصاب
حتى قسم من الرجال والصعق بالكهرباء وخاصة في
المناطق الحساسة والسحل بالسيارات وقطع بعض
الاجزاء الحية من الجسم كتقطيع الاصابع او الاطراف
او نشر الضحايا وهم أحياء ودفن المعتقلين وهم
أحياء، أما الاساليب الاخرى كالفلقة والتعطيش
والتجويع وغيرها فقد اسقطناها من الحساب لانها
اساليب لا تصل الى الدور الثوري والقومي الذي قام
به مجرمو شباط الاسود وربما يستطيع بهاء شبيب الذي
شارك وبفاعلية في هذه الاساليب والمقيم في امريكا
وعضو قيادة المؤتمر الوطني أن يشاطره في احياء
الذاكره باعتبارهما شريكين في الجريمة. اما بخصوص
البراءات التي ينكر حازم جواد أن الانقلابيين
وحرسهم الاسود لم يسعوا لانتزاعها من المعتقلين
لان البعثيين هم كانوا في فترات سابقة ضحايا اسلوب
البراءات هذا , شخصيا اعتبر اعترافا بهذا الشكل
والى هذه الدرجة من الكذب الرخيص نكتة . هل لنا ان
نبحث من جديد عن نسخة من كتاب ( المنحرفون) الذي
اصدره حليفهم في الانقلاب عبدالسلام عارف بعد 18
تشرين الثاني للتذكير. |