|
جميل
مطر
عبارة لم يخطر على بالي أنها ستكون محل تداول
باعتبارها تصف أمرا واقعاً . أذكر البداية، على
الأقل بالنسبة لي، عندما كنت أتابع عن قرب عمليات
اصطياد الأطفال، كالكلاب المسعورة، في مدينة ريو
دي جانيرو. حدث هذا قبل عقدين أو أكثر، عندما
تقاعد عدد من رجال الشرطة وشكلوا فرقاً مسلحة
تمولها بعض جمعيات رجال الأعمال برضاء الحكومة
الفيدرالية. وتكفلت هذه الفرق بالخروج ليلاً إلى
مدن الصفيح المحيطة بالمدينة الجميلة أو المندسة
فيها تخطف الأطفال الهائمين على وجوههم أو
النائمين على الأرصفة وتحت الجسور وفي كهوف
التلال. وقتها هاجت الصحف في أميركا الشمالية
وأوروبا وضغطت حكومات أجنبية على حكومة البرازيل
لوقف هذه الحملة الهمجية التي راح ضحيتها ألوف
الأطفال، وهدأت الحملة فجأة كما بدأت. وتسرب في
داخلي شعور بأن ما حدث في مدينة ريو لم يكن عملاً
منفرداً أو منعزلاً، بل مؤشر على موجة متصاعدة من
أطفال يسببون الذعر في المدن تحت ضغط عولمة لم
تستعد الدول ولا الشعوب لمواجهة سلبياتها. وبالفعل
انتشرت الظاهرة كالوباء في معظم مـدن العالم
وأكثرها أغدقت على العولمة نعماً كثيرة وكادت
تسحقه بكوارث رهيبة. ولم يكن التوزيع عادلا.
فالنعم الأكثر ذهبت إلى مدن العالم المتقدم
والكوارث الأعظم كانت من نصيب العالم الفقير. كذلك
لم يكن التوزيع المحلي عادلاً، فقد كانت العولمة
فرصة لعدد قليل جدا من أطفال مدن العالم النامي
لتنمية مواهبهم وقدراتهم والاندماج بسرعة في ركب
ثقافة العصر وحضارته بينما ازداد زيادة رهيبة عدد
الأطفال الذين ألقى بهم الفقر المتفاقم بسبب
العولمة إلى أسفلت الشوارع وأكوام القمامة.
عصابات الأطفال
وفي مصر هاجت الصحافة عندما أعلنت الشرطة عن وجود
عصابات أطفال تجوب شوارع القاهرة أو تعيش فيها
يقودها مجرمون عتاة. وكشفت تحقيقات الصحف عن أمور
حاولت السلطات والجمعيات الأهلية إخفاءها عن الرأي
العام لسنوات طوال. لم يكن الناس فـي مصر يعرفون
أن ما لا يقل عن 100.000 طفل، وفي تقديرات أخرى
300.000 طفل. يعيشون بصفة دائمة أو شبة دائمة في
الشوارع وأغلبهم يمارس أبشع ما يمكن أن يتصوره
عقل، وبعضهم يتمتع بوحشية مذهلة في التعامل مع
أقرانه ومع قسوة الطبيعة.
كنت أسمع عن جهود بذلتها جمعيات أهلية من بينها
المجلس العربي للطفولة لاستدراج أطفال من الشارع
إلى فراش نظيف وطعام ساخن، وفشلت أغلب الجهود لأن
الأطفال، حسب رأي سيدة كريمة كانت تشرف على جانب
من هذه الجهود، فضلوا حرية ومتعة النوم مع الأقران
على الرصيف أو تحت الطرق العلوية وفي محطات
القطارات ومخازنها على النوم داخل حجرة أو عنبر
تحت رقابة أو سلطة أشخاص لا يفهمونهم. بعض هؤلاء
يلعب دور المخلص لأطفال غير ساعين إلى الخلاص أو
راغبين فيه، ودور المنقذ لمن لا يشعرون أنهم في
خطر أو في حاجة إلى إنقاذ.
الأطفال المقاتلون
وبالتوازي مع التفاقم المخيف في كارثة أطفال
الشوارع تتفاقم مشكلة الأطفال المتعسكرين، أي
الأطفال الذين تقوم على أكتافهم معظم الحروب
الأهلية الدائرة حالياً في أفريقيا وفي بعض أنحاء
أميركا اللاتينية وبخاصة كولومبيا، وفي سريلانكا.
وفي كتاب صدر مؤخراً بعنوان "أطفال في الحرب" ينشر
كاتبه "سينجر" Singer إحصاءات حديثة تكشف عن أن
الأطفال يلعبون دورا ًبارزاً في ثلاثة أرباع
الصراعات العسكرية الدائرة حالياً، وأن حوالي
300.000 طفل على الأقل هم في هذه اللحظة يحاربون
في دول وأقاليم شتى من العالم.
ولا يمكن القول إن ظاهرة "الأطفال المقاتلون"
جديدة أو طارئة في التاريخ العسكري الذي سبق أن
سجل ظاهرة الجيوش المرتزقة، ويسجل الآن فصلاً
جديداً فيها بعد أن زاد زيـادة كبيرة عدد القوات
"المتعاقدة" التي تنشر الرعب والإرهاب في العراق
وفي أماكن أخرى. الآن يسجل هذا التاريخ تفاصيل
مثيرة عن حروب الأطفال ويبدأ بحرب ليبريا التي
دارت في الفترة من 1989 إلى 2003 وحرب سيراليون ما
بين 1991 إلى 2001، وهي الحرب التي سجلت فيها
مشاركة الأطفال رقماً قياسياً إذ بلغت نسبتهم 80
في المئة من المقاتلين كافة، وسجلت أعمارهم أيضاً
أرقاماً قياسية فقد حارب أطفال ما بين سن السابعة
والرابعة عشرة. وفي الكونغو مازالت الحرب مستمرة
وهي التي بدأت بتمرد لوران كابيلا على نظام حكم
موبوتو سيسي كوكو . وقد شارك في هذه الحرب أكثر من
50.000 طفل. ومع ذلك يبقى "جيش الرب" في أوغندا
الجيش الأكثر اعتماداً على الأطفال. ويجري التجنيد
له عن طـريق شن حملات عسكرية على قرى في الغابات
لاختطاف الأطفال وتدريبهم على أعمال القتل
والتدمير بعد القيام بعمليات "غسل دماغ" ليقتنع
الأطفال أنهم يقتلون دفاعاً عن الوصايا العشر.
وليس خافيا أن جيش الرب مثل غيره من جيوش التمرد
في أفريقيا يتلقى الدعم المالي والسياسي من مصادر
أجنبية، أكثرها في أفريقيا وبعضها في غرب أوروبا
وكنائس في الولايات المتحدة.
ومازالت قوى التمرد في سريلانكا تستخدم من الأطفال
ما لا يقل نسبته عن 40 في المئة. بل إن قادة
التاميل يفاخرون بأنهم الجيش الوحيد الذي يضم في
صفوفه "كتيبة أطفال" يجندون لها الأطفال في سن
الحادية عشرة.
قتلة.. لكن أبرياء!
لماذا الأطفال؟ عصابات الجريمة في المدن تستخدم
الأطفال وتفضلهم على الشباب، وقوات التمرد وبعض
الحكومات تستخدم الأطفال كجنود مقاتلين وتفضلهم
على الشباب في سن التجنيد. قيل في تفسير هذا
السلوك وأتمنى أن يكون تفسيراً غير صحيح، قيل إن
الأطفال وهم في الأصل أبرياء يمكن أن يكونوا في
الحرب أشد وحشية من القتلة الراشدين. وتقول شهادات
الصحافيين الذين تابعوا حروب الأطفال إن "الطفل
المتعسكر" قادر على تنفيذ عمليات إبادة وتشويه
وتقطيع أوصال بسرعة وكفاءة لأنه فيما يبدو أكثر
استعداداً ممن هم أكبر سناً لتنفيذ أوامر من رئيس
يمده بحاجته من الطعام والجنس والمخدرات وأنواع
الانحراف المختلفة. ويقول بعض القادة إنهم يفضلون
الأطفال لأنهم أرخص وأسلس في القيادة، وبما أن
أهداف القتل صارت أكثر اتصالا بمشروع تجاري مدر
للربح كتهريب الماس والموارد الطبيعية الأخرى
واحتلال مناجم أو حمايتها، أي وفي كلمات قليلة،
العمل في خدمة جانب جوهري من جوانب العولمة، يصبح
عنصر التكلفة، أي أجرة المقاتل وإيوائه، عنصراً
مهماً في إدارة الحرب وتجنيد الأفراد.
في المقابل، صارت الحرب وأعمال القتل، مصدراً
أساسياً للدخل، ويقول دافيلد Duffield الأستاذ
بجامعة لانكاستر إن الحرب أصبحت غاية في حد ذاتها
باعتبارها مهنة مربحة ومصدر رزق لمئات الألوف من
العائلات في أفريقيا وغيرها. إن الطفل الذي لا يجد
ما يأكله وهو يعيش مع أسرته وفي قريته لن يتردد
طويلا قبل أن ينضم إلى جيش يضمن له وجبة واحدة على
الأقل.
أسلحة خفيفة للأطفال
ومن الواضح أيضا أن التقدم التكنولوجي لعب دوراً
هاماً في تشجيع الاعتماد على الأطفال كقتلة في
حروب لا تعنيهم. فقد أنتجت مصانع أوروبا وأميركا
والصين وروسيا ودول في شرق أوروبا أنواعا متقدمة
من الأسلحة الخفيفة "جدا" والقنابل اليدوية
والمتفجرات يمكن للأطفال حملها بسهولة واستخدامها
بدون تدريب مكلف. لذلك يتضاعف غضبي عندما أقرأ
تصريحاً لمسؤول غربي أو آخر عن الحرب التي تشنها
بلاده ضد الشر أو عن صدام الحضارات أو حوارها وعن
الاستبداد في دول ومجتمعات الجنوب وعن نوايا صادقة
أو كاذبة لتخليص أفريقيا من الفقر. هؤلاء -
يتسترون، أو يزعمون أنهم لا يعلمون - بشركات مقيمة
على أراضيهم ومسجلة قانونا في بلادهم تتاجر بالقتل
وتبعث بالقتلة إلى العراق وأفغانستان وشرق أفريقيا
وساحلها الغربي وغابات وسط وجنوب القارة، أو تتاجر
في الأسلحة الخفيفة وتمول عمليات تجنيد الأطفال
وتدريبهم. هؤلاء السياسيون مسؤولون مسؤولية
تضامنية عن تدهور حال الفقر بين ثلاثة مليارات
إنسان في العالم، هم نصف البشر، ومسؤولون مسؤولية
تضامنية مع حكومات الجنوب عن تأجيج الحروب الأهلية
منذ انتهاء الحرب الباردة. لقد ذهبت قولا مأثوراً
عبارة أن "الحرب الباردة جلبت السلام لأوروبا
وجلبت الحرب لبقية العالم". كذلك صار مأثوراً
القول بأن "العولمة جلبت الرخاء لأقلية متضائلة من
الناس في بعض الدول وجلبت الفقر والتعاسة لأغلبية
متزايدة في معظم دول العالم". المثير للقلق وللرعب
أيضاً، هو أن هذا التدهور الأخلاقي يحدث في وقت
تزداد فيه وتتعمق، في الشرق كما في الغرب، كافة
مظاهر التدين.
أطفال الشوارع
هناك نحو 50 مليون طفل معرض للانحراف في العالم
فمثلا في المكسيك نحو 300 الف طفل يتسكعون في
شوارع العاصمة وحدها، وفي "نيويورك" نحو 25 الف
طفل ينامون على ارصفة محطات القطارات ومترو
الانفاق، وفي البرازيل يعيش اكثر من 30 مليون طفل
في شوارعها بزيادة قدرها 90 في المئة خلال السنوات
الخمس الاخيرة.. وقد رصدت بعض الاحصائيات الصادرة
عن هيئات الامم المتحدة بعض الحقائق المفجعة حول
تعرض هولاء الاطفال لشتى أنواع الإستغلال،
والغالبية العظمى من هؤلاء ينتمون إلى اطفال
الشوارع،.كما تشير الارقام الى العدد المخيف لموتى
الاطفال في العالم الذى يتجاوز عشرة ملايين طفل كل
عام، وقد كشف ايضاً عن وجود اكثر من 100 مليون طفل
غير ملتحقين بالمدارس و 60 في المئة منهم من
البنات بالاضافة الى ان هناك 150 مليون طفل يعانون
من سوء التغذية، وهؤلاء كلهم عرضة للتشرد والعيش
في الشوارع.
كما أن هناك مواقع أميركية "تقدم" عرضاً لبيع
أطفال الشوارع بمبلغ 27440 يورو للطفل الواحد، وفي
بعض الأحيان يأخذ أسلوب البيع شكل المزاد التجاري
المهين،
أطفال العالم العربي
اذا ما اقتربنا من الصورة في العالم العربى نجد
انها لاتقل كآبة وسواداً عن الصورة العالمية،
فالعالم العربى لديه اكثر من 12 مليون طفل يتخذون
من الأرصفة مأوى لهم ومن فتات الخبز طعاماً.
ولاتخلو دولة عربية من هؤلاء إذ يعيش في المغرب
234 الف طفل في الشارع، وفي السودان 370 الف طفل
وفي اليمن 70 الفا وفي لبنان 3500 طفل، ومع قصور
الاحصائيات وعدم دقتها تشير الدراسات الى تفاقم
مشكلة اطفال الشوارع في الوطن العربى نظرا لفقدان
الحماية والإرشاد وغياب الرقابة الايجابية، |