القائمة الرئيسية

الاولــــــــى

الافتتـاحيـة

الثــــــانيـــة
السياسيـة
محليـــــات
تحقيقـــات
الثقـافيـــة
حـــــــوارات
طب و علوم
مــقـــالات
الـــريـــاضــية
الاخــيـــرة

القائمة الثانوية
الاتصال بنا
الارشـــيف
كاريكــاتيــر

 

    
البينة الجديدة جريدة يومية سياسية عامة                                                                                                                                               رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين العراقيين (134)                                                                                                                      رقم الايداع في دار الكتب والوثائق (970) لسنة 2007

السنة الثالثة العدد (520) الاربعاء 2008/2/6م ـ 28/محرم/ 1429 هـ

 قـصـة هـروب المـجـرم حسين كامـل مـن (العروش) الـى المـزابــل

 الحلقة الحادية عشرة
بغداد / البينة الجديدة
تنشر البينة الجديدة القصة الكاملة لهروب صهر صدام(حسين كامل حسن المجيد) ابتداءً من بوادر الخلاف مع الكسيح المقبور(عدي صدام) ومروراً بدعوى اتصاله مع (المعارضة العراقية) التي كانت يوم ذاك في الخارج وفشله في استمالتها وتحقيق مآرب شخصية وانتهاءً برجوعه الى العراق ذليلاً كسيراً ثم نهايته المأساوية على ايدي ابناء عمومته الذين قتلوه تحت ستار (الثأر العشائري).
عندما سمع عدي بالربح الذي يدعي حيدر تحقيقه قال له شاركني ، فرد حيدر فرحاً لي الشرف الكبير يا سيدي أن أعمل معك ،
وبما ان عدي فنان حاذق في الجشع والاستغلال واقتناص الفرص ، ويعرف العقد التي يعاني منها أمثال حيدر للتقرب الى جاه السلطة والنفوذ، قال له عدي أنا أعطيك المبلغ الذي تريد وأنا آخذ 10% شهرياً من رأس المال مقطوعة ، وذلك يعني فوائد على المبلغ وليس مشاركة تجارية، وأخذ حيدر مبلغاً كبيراً بقدر ب )100 مليون دينار عراقي( أنذاك في بداية التسعينات ، وكانت تقدر بأكثر من )10مليون دولار( وبدأ حيدر ينغمس في الجلسات الليلية والولائم التي يقيمها عدي ، ويدفع له ال 10 % من الأرباح شهريا، وحسب ما عرفت من الاخرين ، أنه كان يدفع الفوائد من المبلغ الأصلي ، وعندما نفد رأس المال توقف حيدر عن تسديد المبلغ ، وكان عدي يعرف أن حيدر يدفع من رأس المال لأن عدي كان واضعاً عينه على شركة النقل التي تملكها عائلة حيدر ويخطط للاستحواذ عليها وهو ما تم فعلاً حيث اعتقل الأب والإبن الى أن تنازلا عن الشركة .
كما قام عدي باعتقاله وأخذ كل ممتلكاته وكان لمها زوجة حيدر مجوهرات ابتاعها حيدر من عدي بعشرة أضعاف سعرها الحقيقي واستردها عدي أيضاً حيث اعتاد عدي أن يتقبل الهدايا النسائية والرجالية ساعات أم مجوهرات ثم يعود لبيعها ، وأذكر في أحد المرات كنت البس في معصمي ساعة بياجيه( موطرة بالماس وثمينة جداً وحين ، وقعت عين عدي عليها ، قلت في سري ، سوف أفقد الساعة( وخرجت من لقاء عدي مدعواً على العشاء مع بعض الأ صدقاء وعدت إلى البيت بعد منتصف الليل ، ووجدت أمام بيتي مدير مكتب عدي )عفيف الراوي( ومرافق عدي الشخصي ، وكانا مرتبكين ، غاضبين ، وبادراني بالسؤال ، أين كنت لقد بحثنا عنك في كل أنحاء بغداد ، فقلت خير إن شاء الله ، كنت عندكم في وقت الغروب ، فذهب مدير المكتب عفيف الراوي إلي السيارة وأحضر علبة فيها ساعة مكتوب عليها اسم صدام حسين ، ،قال لي ) الأستاذ أرسل لك هذه الساعة بدل التي في يدك ، وقال لنا لا ترجعا بدون الساعة ، ودخلت إلى المنزل وأخرجت العلبة ووضعت معها قائمة الشراء وكان سعرها 40 ألف دولار ، وأعطيتها لهما ، وكلي ألم وحسرة واشمئزاز من هذا التصرف الأرعن الهجين ،وبعد عدة أشهر ، طلب مني عدي أن أحضر تاجر مجوهرات من الكويت لأن لديه مجوهرات قدمت له عند قرانه الأول من ابنه عزه ابراهيم الدوري حيث طلقها فيما بعد ويريد بيع المجوهرات التي اهديت له في تلك المناسبة، وعندما شاهدت المجوهرات كانت ساعتي بينها معروضة للبيع(.
لقد حول عدي حياة حيدر ومها إلى جحيم ، وعلمت من أطراف محايدة أن عدي وضع حيدر في قفص وتركه مع كلاب جائعة ، وكان لعدي نمر يطلقه على حيدر امعاناً في تعذيبه وكان يضعه في بركة المياه الآسنة ويرغمه على تناول طعامه وهو واقف في هذا المكان القذر ، حتى تقرح جسده ، كما أن زوجته مها قد تم الاعتداء عليها أمام ناظريه، قال حسين كامل لي أن مها أرادت أن تتخلص من هذا العذاب فأقامت علاقة خاصة معه ، ،فكلفوها بأن تخرج من العراق وتذهب إلى الأردن ، وأفهموها أن مشعان الجبوري سيحتضنك نكاية بعدي ، وهو ماحدث فعلاً فقدمت لها الدعم المعنوي والنفسي والمادي ، ولاني أعرف جرائم عدي فأعتقد أنها تستحق مني هذه الرعاية ، وابلغني حسين كامل أن مها بعد أن عملت معي وعرفت شخصيتي وتعاملي مع الآخرين ، أرادت أن تتمرد عليهم لكنهم هددوها بإيذاء أهلها في العراق وتم تكليفها بوضع لاقطات لاسلكية فوق السطح الثانوي في مكتبي وفي كل الزوايا التي أجلس بها ، وكانت هذه اللاقطات اللاسلكية تبث ما يجري في مكتبي إلى البناية المقابلة التي استأجرتها المخابرات العراقية وجعلتها وكراً للتجسس على نشاطي ومعرفة زواري وأحاديثي ، ،الغريب في الأمر ، أني في ذلك الوقت دفعت الآف الدولارات لشراء أجهزة تكشف أي أدوات تنصت ، لكن الاجهزة التي اشتراها لي سعد المسعودي الذي كان يعمل مذيعاً في مونت كارلو ، يبدو أنه اشترى أجهزة لا تكشف هذه اللاقطات وهذا هو افتراضي ، لكن لا يوجد لدي دليل قاطع ، لكن من المؤكد أن سعد المسعودي قد عمل بعد ذلك مع عدي ، وقد تسببت هذه اللاقطات في اعدام كثير من الأشخاص الذين كنت ألتقيهم أو ممن كانوا بمعيتي ويعملون معي .
وكنت أتساءل كيف تكشف المخابرات العراقية مقابلتي لأشخاص أحضرهم في سيارات مظللة الى تحت البناية ويصعدون إلى البناية من داخلها وحين يرجعون إلى بغداد يعتقلون و بعد حين عرفت أن مها النقشبندي كانت وراء كل ذلك ، وهي الآن لاجئة سياسية في ألمانيا ، نعم ، لاجئة سياسية .
أما القصة التي قالها لي صدام كامل فهي لا تقل اثارة ،وغرابة عن قصة مها فقد قال لي بأنه استدعي مرة من صدام حسين وأبلغه أن ينسق مع الشاعرة أمل الجبوري لتنفيذ واجب وأن يكلفوا أمل باغتيال مشعان الجبوري بالسم ، وسيلاحظ القارئ أنني وأمل ننتميان إلى ذات العشيرة لكن ما أريد توضيحه هو أن عشيرة الجبوري يزيد عددهم على المليون في العراق .
ونلتقي أنا وأمل في الجد الثلاثين لعشيرتنا وأوضح صدام كامل أنه عندما قابلت أمل صدام حسين وخرجت ، قال صدام حسين لصدام كامل اترك هذا الموضوع وسنكلف غيرك بمتابعته ، وقال صدام كامل أن كل ما يعرفه عن أمل أنها مكلفة باغتيالي بواسطة سم الثاليوم وكانت أمل الجبوري وصلت إلى عمان مع زوجها طالب عبد الجبار عميد الأمن السابق ، والذي كان قد خرج من السجن وتعاطفت معه وساعدتهما بالقدر الذي أستطيع ، وصورت لي أمل وضعها الخطر وأنها بحاجة إلى مبلغ عشرة الاف دولار لتسديد ديون وأن لم تدفعها ستسجن ، ودفعت لها المبلغ وغادرت أنا عمان في اليوم التالي إلى تركيا وبعد شهر عادت وذهبت إلى عائلتي في عمان وحصلت على رقم هاتفي واتصلت بي في تركيا ، والحت عليّ للمجيئ الى تركيا مدعية وجود أسباب مهمة لكني رفضت بشدة أن تأتي إلى تركيا على الرغم من أنها حاولت بكل السبل والوسائل اقناعي باستقبالها ، لقد كانت الشاعرة أمل الجبوري مكلفة باغتيالي ، كما قال لي صدام كامل مما دفعني لمحاولة البحث عنها ولقاءها ومعرفة أسباب موافقتها على اغتيالي وفي يوم وفاة الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي فوجئت بأن أمل الجبوري موجودة مع الحاضرين في منزل الشاعر الراحل وما أن شاهدتني ونحن منشغلون في ترتيب عملية الدفن واقامة مراسم الدفن حتى غادرت دمشق في اليوم التالي إلى ألمانيا حيث علمت أنها لاجئة هناك وتعمل في السفارة اليمنية ببرلين.
إشارات :
اتصل بي صديقي العزيز اللواء وفيق السامرائي وابلغني بموافقة السلطات السورية على استقبالي موفداً عن حسين كامل كما قلت في الحلقة السابقة ، وغادرنا عمان أنا و الأستاذ صلاح عمر العلي ، وصلنا إلى دمشق ومكثنا في فندق شيراتون، وأول شخص قابلني هو اللواء وفيق السامرائي مدير الاستخبارات العراقية الأسبق، وجرى الاتفاق أن يذهب الأستاذ صلاح عمر العلي لمقابلة السيد عبد الحليم خدام نائب رئيس الجمهورية، وذهبت أنا لمقابلة رئيس المخابرات، كان ينتابني شعور متناقض، فحسين كامل حينما كنا نجلس سوية ونتحاور كان سلبياً إزاء الحكم في سورية، وأذكر مرة قال لي وبحضور الأستاذ صلاح عمر العلي، إنه كان على صدام أن يتجه إلى سورية وليس إلى الكويت، وهو كلام لم يكن يعني لي شيئاً قبل أن أصل إلى سورية.
وفي ذات الوقت أوفدني ليطلب معاونة السوريين وإقناعهم باستقباله، وعندما انتهيت من شرح الأوضاع لرئيس شعبة المخابرات السورية بادرني بالسؤال عن رأيي أنا شخصياً في حسين كامل، وبالموقف الأردني. وما أنتظره من سورية.
وأوجزت له قناعتي ووجهات نظري وأعتقد أنه تفاجأ بتحليلي، فأنا في هذه الحالة، لم أكن مجرد مبعوث ينقل وجهة نظر حسين كامل، بل أعطيت صورة كاملة عن الوضع ضمن الرؤية السياسية لتقييم الوضع، لأنني شعرت بالأمان وصدق الموقف من رئيس شعبة المخابرات وأيضاً أنا كنت صادقا وأميناً في آرائي واضعاً نصب عيني المصلحة الوطنية فوق كل الاعتبارات والخلافات الشخصية أو موقفي من نظام الحكم في العراق وهو ما دفعه لتحميلي رسالة إلى الأردن حيث قال، أرجو أن تبلغ الأخوة الأردنيين، بأننا لا نريد إلا الخير لهم. ونتمنى التعاون معهم، لكننا علي استعداد أن نقدم أرواحنا ودماءنا وكل إمكانيات سورية لنحول دون تمرير مشروع الفيدرالية في العراق ونعتبر موقف الأشقاء الأردنيين في الترويج لهذا المشروع ينسجم مع الموقف الإسرائيلي وموقف أعداء الأمة العربية، وإذا ما قسم العراق فإن الوطن العربي كله قابل للتجزئة على أسس طائفية ودينية، وهو ما قاتلنا من أجل أن لا نسمح به في لبنان وسنعمل ذات الشيء في موضوع العراق.

شيعة العراق ...… جـذور الـحـركة الـفيـدراليـة

 ريدار فسر
شهدت تسعينيات القرن الماضي نقاشات متكررة حول امكانية اعتماد الفيدرالية في العراق اذا ما تمت ازاحة البعثيين من السلطة.عموماً،كانت هذه النقاشات تخلص الى ان النظام الفيدرالي لم يكن يثير سوى اهتمام الاكراد مع عزوف جميع السكان العرب عن الاهتمام به.ومع ذلك فإن العراقيين بادروا في تشرين الاول/أكتوبر 2005،بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في 2003 الى تبنى دستور يمكّن اي جزء من البلد-بما في ذلك المناطق ذات الاكثرية الشيعية الى الجنوب من بغداد-من التطلع الى وضع فيدرالي...من اين جاءت الافكار الشيعية عن الفيدرالية بوصفها شيئاً ايجابياً؟ ما علاقة هذه الافكار بالسجال العراقي الاوسع؟ وما مدى التأييد الذي تحظى به لدى الجمهور العريض؟
جدلية هذ البحث بأن الافكار الشيعية عن النظام الفيدرالي مستوردة بأكثريتها، من الخارج بعد 2003 والى حد ما فإن الدستور العراقي يقر بهذا الواقع ويعيد القول الفصل الى الشعب العراقي:خارج كردستان لا يمكن فرض الفيدرالية (من فوق) يتعين اختيارها من قبل الشعب(من تحت) في نظام قاعدي فريد لرسم حدود الكيانات الفيدرالية التي صيغت على غرار النموذج الاسباني بعد 1978،غير ان مشكلات جدية معينة مازالت باقية فيما يخص قابلية هذا النظام الجديد للتعامل مع زحمة الاراء المتنافسة حول الفيدرالية التي يمكن توقعها مع اطلاق عملية تشكيل الكيانات الفيدرالية في نيسان/ابريل 2008 كأبكر تأريخ.
الشيعة،سلطة الدولة،ومثال العراق
لا بد لاي تحليل للمواقف من الفيدرالية بين صفوف الشيعة المنطلقين من منطلق اسلامي ان يأخذ في الحسبان بعض الاسئلة الطاغية حول العلاقة بين المؤمنين،رجال الدين وسلطة الدولة التي تنشأ من المذهب الشيعي بوصفه عنواناً دينياً مميزاً،تمثلت احدى نقاط الجدل الرئيسية بين مفكري الشيعة الدينيين بكيفية تنظيم المجتمع سياسياً في عصر بات فيه الحاكم الشرعي الامام الثاني عشر حسب العقيدة الشيعية في حالة غيبة،وقد دام هذا الوضع منذ عام 874م تاركاً فراغ سلطة يكون فيه الحكم الزمني المؤقت اشكالياً في العمق لانه يشكل على الصعيد النظري اغتصاباً لسلطات الامام الغائب.
أما على الصعيد العملي فإن العقائد الشيعية قد تطورت نحو القبول بدور جوهري لرجال الدين على المستوى المجتمعي فرجال الدين الشيعة اختاروا لأنفسهم مهمة النائب العام للامام الغائب،مع مسؤولية إمامة صلوات الجمعة جمع الضرائب الدينية(الزكاة) وممارسة السلطة القضائية.. ثمة تراتب ملحوظ للمجتمع الشيعي مع تعزيز لموقع رجال الدين، ترتب على الانتصار الاصولي على الاخباريين (المؤيدين لنظرة اكثر تسووية الى جماعة المؤمنين)في القرن الثامن عشر ادى هذا الانتصار الى تعميق انقسام الشيعة الى اولئك المتوفرين على المؤهلات الضرورية لتفسير الشريعة الاسلامية(المقلدين)،مما يلزمهم بتقليد الفقهاء من الجهة المقابلة وفي القرن التاسع عشر شهد الطابع الترابي لهذا النظام مزيداً من الترسيخ مع تزايد اكتساب مفهوم مرجع التقليد الاكبر الواحد قبولاً وصولاً الى جعل هذا المرجع الديني الابرز على الصعيد النظري والسلطة الشرعية العليا بالنسبة الى الشيعة اما على المستوى العملي فقد كانت فترات شهدت تنافس اعداد من المجتهدين على مكانة المرجع الشيعي الاعلى.
بقيت مسألة الدور السياسي لرجال الدين زمن الغيبة مثار جدل أكثر حدة بما لا يقاس تأريخياً.. ثمة انظمة كان اسيادها انفسهم من الشيعة ظهرت في العديد من البلدان، غير ان قليل من العزوف عن التفاعل مع هذه الكيانات السياسية اضفى الشرعية عليها.ومع ان حكاماً في ايران والهند كانوا قد راعوا رجال الدين الشيعة وحرصوا على التماس تعاونهم قروناً من الزمن،فإن العديد من كبار رجال الدين في هذه المناطق بقوا بعيدين عن الدولة مفضلين اعتماد موافق مسالمة قائمة على الحياد.. وحتى حلول اوائل القرن العشرين لم تنتشر اي نظرية شيعية داعية الى انخراط المجتهدين سياسياً في الشؤون الدنيوية حين اقدمت شريحة من رجال الدين على اقتحام الحوار الدائر حول دستور ايراني جديد ورسم معالم نموذج دولة يضطلعون فيها بدور رقابي فعال لضمان بقاء التشريعات التي تعتمدها الجمعية الوطنية متناغمة مع الشريعة الاسلامية.أما الخطوة الاخيرة نحو السلطة السياسية لرجال الدين فقد حمل رايتها اية الله الخميني عبر تبني مفهوم ولاية الفقيه،حيث يستطيع حاكم عادل ضليع في الشريعة الاسلامية وشؤونها ومتوفر على الرؤيا المطلوبة في الشؤون الدنيوية ان يمارس شرعاً السلطة السياسية في غياب الامام المغيب.وقد جرى تطبيق هذه العقيدة في ايران غداة الثورة الاسلامية في 1979.
ومع انها بدت في البداية كما لو انها النتيجة المنطقية لسيرورة خطية بأتجاه ترابط متزايد المتانة بين رجال الدين الشيعة وسلطة الدولة فإن نظرية الحكم عند الخميني اثارت كثيراً من السجال الداخلي فيما بين الشيعة والنقاشات حول مدى صحتها ما لبثت بالتالي ان احتلت مواقع الصدارة في جملة الحوارات الشيعية حول سلطة الدولة.. ثمة رجال دين كثيرون من ذوي التوجهات الاكثر تقليدية حافظوا على ارتيابهم من اي علاقات وثيقة بين رجال الدين واجهزة الدولة كما تجلت في جمهورية ايران الاسلامية معلنين تأييدهم لدور اكثر انكماشاً لرجال الدين من خلال مهمات المجتهدين التقليدية وهذا السجال ما لبث ان ازداد حدة بعد وفاة الخميني لان المؤهلات التقليدية الدينية لخلفه-علي خامنئي-كانت موضع اعتراض من قبل رجال دين ميالين الى تفضيل مؤسسة دينية اقل تسييساً وبالتالي فإن عالم الشيعة عند مطلع القرن الحادي والعشرين مطبوع بنظامين غالباً ما يكونان في حالة تنافس مباشر مع النظام التقليدي لمتدينين يسعون للتفوق كفقهاء في منظومة اممية اساساً واقل تركيزاً على دول دينية حدودها او تقسيماتها الفرعية الادارية من جهة، والنظام المعتمد لدى الحركات الشيعية الاسلامية التي تفضل تعبيراً عن المذهب الشيعي في المجال السياسي على اساس فكر الخميني حيناً،وبالعودة الى افكار اقرب من النظريات التي تطورت في اثناء الثورة الدستورية الايرانية من جهة ثانية.
في هذا السياق سياق بقاء اطار الدولة الاسلامية بالذات موضوع خلاف كان ثمة تركيز اقل على مسائل نقل السلطة والثورة الاسلامية في ايران ترافقت بداية مع نوع من الحماسة للتبشير بالافكار الجديدة في الخارج من اجل التسامي على النظام القائم للدولة غير ان التطورات السياسية اللاحقة والاخفاق في عملية تصدير الثورة تمخضاً عن اعادة صب جزء كبير من الطاقة الفكرية للمفكرين الاسلاميين الشيعة على مسائل اكثر اساسية حول مدى اهمية الحركة السياسية بالنسبة الى رجال الدين او مدى صواب مبدأ ولاية الفقيه.أما المشكلات ذات العلاقة بمسألة النظام الفيدرالي-مثل اللامركزية الجذرية في البنى السياسية القائمة داخل اطار اسلامي تحديداً فلم تحظ الا بقدر اقل من الاهتمام ومناقشات اللامركزية الادارية التي تكرر بروزها على السطح تحولت الى نسخ محلية عن الحوارات الوطنية الاكثر عمقاً ومع حلول عام 2003 كانت فكرة النقل الشامل للسطلة الى الاطراف بوصفها احدى طرق حل المشكلات السياسية الداخلية قد اخفقت في الاهتداء الى كتل كبيرة من المؤيدين المتحمسين بين الاسلاميين الشيعة في بلدان اساسية مثل لبنان وايران من شأن الفرغ النسبي في ميدان النظرية السياسية ان يكون قد مارس تأثيراً معيناً في الحوار الناشئ حول النظام الفيدرالي بين شيعة العراق.
ونظراً لان النقاشات الدائرة حول النظام الفيدرالي في العراق كثيراً ما تنطوي على سيناريوهات المزيد من التمزيق والتقسيم اللذين يخشى البعض من ان يترتبا على اللامركزية،ثمة بضع ملاحظات سيتم ايرادها بادئ ذي بدء حول طبيعة علاقة القوى السياسية بين الشيعة مع التركيبة الجغرافية لدولة العراق الحديثة تاريخياً.ثمة مراقبون خارجيون كرروا اتهام الشيعة بمراودة تطلعات للانفصال او مخططات للاندماح بإيران ولكن تحليلات سلوك الشيعة خلال المراحل الاكثر حساسية لتأريخ العراق السياسي تدعو الى مساءلة مدى صحة هذه الادعاءات فالعصيان في 1920 كان ضد بريطانيا في المقام الاول ولم يقترح اي بديل جغرافي للدولة العراقية التي كانت قيد التأسيس وكان المشروع الانفصالي الرئيسي الوحيد في الجنوب خلال فترة الانتداب بقيادة تجار سنة،مسيحيين ويهود في البصرة لا الشيعة،وقد خاض الجيش العراقي بأكثرية جنوده الشيعة حرباً ضد ايران من دون ان ينهار من الداخل وانتفاضة عام 1991 في اعقاب حرب الخليج كانت تستهدف السيطرة السياسية على الدولة العراقية كلها،ولم تطرح اي إعادة رسم لحدودها.
جدير بالملاحظة ايضاً انه حتى في الحالات القليلة التي حظي فيها خيار انفصالي بشيء من الاهتمام في الدوائر الشيعية لم تلق دعوات الانفصال اي تأييد شعبي ذي شأن بين ابناء الطائفة. وقد كان المثال الابرز في عام 1927 خلال نزاع طائفي بين الشيعة والسنة نظراً لان الشيعة كانوا يشكون من التمييز ضدهم في النظام التعليمي المعتمد في البلاد ويتوجسون من احتمالات فرض نظام التجنيد العام بادر عدد قليل من ساسته الى اقتراح نقل جذري للسلطة او انفصال اسلوبين محتملين للخروج من الازمة ثمة زعماء عشائر طالبوا بنوع من تقليص نفوذ الدولة عبر اللامركزية.. رجال دين من المراتب الدنيا طوروا مواعظهم الدينية باعتماد توجه طائفي صارخ.. ومثقفون شباب من طلاب مدارس دينية حاولوا احياء التراث التاريخي للمناطق ذات الاكثرية الشيعية.غير ان الحركة الانفصالية لم تتمكن البتة من الانطلاق لسنوات ظلت الجوانب الدينية والشمولية التقليدية لطقوس شيعية معينة مثل احتفالات محرم(عاشوراء) واحياء ذكرى معركة كربلاء قادرة على اسر خيال الجمهور اما ظاهرة الدعاية الطائفية الجديدة المتركزة على منطقة في وسط العراق وجنوبه فلم تحقق اي نجاح ذي شأن ومن المهم بالمثل ان الشرائح العليا من منتسبي المؤسسة الدينية الشيعية بقيت بعيدة عن المشروع لرغبة بعضهم الواضحة في العزوف الكامل عن السياسية ولاعتراض آخرين على الطابع الطائفي للمجريات الانفصالية وبالتالي فإن اي تسويغ اسلامي محدد للمشروع الانفصالي لم يبرز على السطح، بعد عام واحد من ظهوره كان الشروع قد تلاشى افتقاراً للتأييد الشعبي في المقام الاول,وعلى امتداد الجزء الاكبير من عقود القرن العشرين الباقية لم يكن مفهوم الانفصال لدى الشيعة الا شيئاً كان من شأن جهات خارجية او انظمة سنية تلمح اليه بين الحين والاخر من دون ان يترافق ذلك بأي نشاط ذي طبيعة انفصالية يبن صفوف الشيعة انفسهم اما الصيغ البدلية للدولة التي كان الشيعة يناقشونها فلم تكن سوى تصورات ايدلوجية جديدة(شيوعية،اسلامية لاحقاً)للاطار الجغرافي القائم للعراق.
بعد حرب الخليج في 1991 سارعت منظمات سياسية كردية الى تأسيس التحالف الابرز الداعي الى اقامة نظام فيدرالي في عراق المستقبل.

أوروبا المسيحية وصراع الحضارات

  بشير البكر
مع اقتراب إقرار اتفاقية الدستور الأوروبي المبسطة عادت من جديد نغمة الحديث عن جذور أوروبا المسيحية، التي استبعدت من نص الدستور السابق بعد معركة شد وجذب، شارك فيها من طرف الفاتيكان وبعض الدول مثل بولونيا، ومن الطرف الآخر بعض الدول التي ترفع لواء العلمانية وتدافع عنها بضراوة مثل فرنسا.
كانت وجهة نظر الفاتيكان تقول بضرورة النص على حدود جغرافية لأوروبا، والتركيز على مسألة أن تشترك الدول في ما وصفه بأنه تراث القيم الأوروبية، ودعا إلى النص صراحة على الجذور المسيحية لأوروبا، وإلى رفض عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي لأنها دولة إسلامية. وقد أيد هذا الرأي الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان، الذي تولى رئاسة لجنة صياغة الدستور الأوروبي، واعتبر أن انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، يعني نهاية أوروبا لأن "تركيا لديها ثقافة مختلفة، وتوجه مختلف، وطريقة حياة مختلفة". قاد الهجوم ضد هذه الدعوة والقناعات التبسيطية في نهاية سنة 2004 الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، الذي كان من مبررات معارضته أن النص على مسيحية أوروبا يثير حساسية الديانات الأخرى، وخصوصا الإسلامية، وذلك لسببين: الأول هو أن النص في متن الدستور الأوروبي على جذور مسيحية لأوروبا يعني ضمنا، بل سيقود في صورة آلية للاعتراف بالجذور اليهودية. الثاني هو أن النص على هذا المفهوم قد يفسر بأنه موجه لاستثناء الإسلام من هذه المكانة، وبالتالي فإن ذلك من شأنه أن يقود إلى خلق حساسيات تصب في طاحونة معتنقي نظرية صراع الحضارات. وقد جاء كلام شيراك بعد المحاضرة التي ألقاها بابا الفاتيكان أمام البرلمان الايطالي، ورأى فيها أن أوروبا "تواجه أزمة هوية جعلتها عاجزة، وغير راغبة في الدفاع عن ثقافتها المسيحية ضد الإسلام العنيد". وكان البابا أرجع ما تعاني منه أوروبا من فقدان لهويتها إلى "انفتاحها على كل الأديان". تجدد الحديث عن جذور أوروبا المسيحية في الآونة الأخيرة من طرف كل من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، والمستشارة الألمانية انجيلا ميركل، واعتبر ساركوزي في خطاب له أمام مؤتمر الحزب الحاكم (الاتحاد من أجل الحركة الشعبية) يوم الثلاثين من يناير/كانون الثاني الماضي بحضور المستشارة الالمانية، أنه من الخطأ سحب صفة "الجذور المسيحية لأوروبا" من مشروع المعاهدة الدستورية. وكانت ميركل أكثر صراحة من ساركوزي حين دعت في مناسبة سابقة الأوروبيين إلى "الدفاع عن قيمهم المسيحية في مواجهة المتطرفين الإسلاميين"، واعتبرت أن الاتحاد الأوروبي يتجاوز التكتل الاقتصادي إلى "القيمي". بل ذهبت إلى التمييز في النظر إلى الانسان من منظور الديانات، وقالت "إن صورة الانسان وفق المفهوم المسيحي الغربي أمر لا يجوز لأحد المساس به، وهي أساس كوني لا ينتهي عند حدود القارة الأوروبية". إن التذكير بهذا الاعتبار الخاص في الديانة المسيحية من وجهة نظر المستشارة الالمانية، لا يعني فقط محاولة لحصر هذا المفهوم الكوني بأوروبا وحدها، بل هو عبارة عن طريقة في القول إن الدين الإسلامي لا يحل الانسان في المكانة نفسها.
لأوروبا كامل الحق في اختيار الهوية التي تناسبها سواء كانت علمانية أو مسيحية، أو مسيحية يهودية، فذلك شأن خاص لا يحق لأحد تقريره أو التدخل فيه غير الأوروبيين انفسهم، ولكن الأمر يختلف حين يجري الحديث عن الجذور التاريخية لأوروبا وحصرها فقط بالمسيحية واليهودية، ولا بد أن اي قارئ عادي للتاريخ يعرف أن دور العرب وإسهامهم في تكوين تاريخ أوروبا كبير جدا، وليس عليه اي غبار، ولا يمكن أن يتنكر له إلا من أراد أن يرى الصورة بشكل مقلوب. وسأكتفي هنا بإشارة واحدة معبرة، وهي تأثير الفلسفة الإسلامية على الفلسفة اللاتينية المسيحية في القرون الوسطى، ولكي اكون موضوعيا سأورد رأي كاتب فرنسي هو جان جو ليفيه، احد كبار المتخصصين بالفلسفة العربية الإسلامية والمسيحية اللاتينية، والذي يشغل منصب مدير دراسات في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا، قسم العلوم الدينية في السوربون. يقول ليفيه في كتابه الذي نشره سنة 1995 عن الفلسفة القروسطية العربية- واللاتينية: "بدءا من منتصف القرن الثالث عشر احتل الفلاسفة العرب مكانة خاصة في التفكير المسيحي اللاتيني سواء كان فلسفيا أو دينيا. في الواقع أن فلاسفة أوروبا آنذاك ما كانوا يعرفون عددا كبيرا من فلاسفة العرب، ولكن كان هناك اثنان لا يمكن لأي فيلسوف أوروبي يحترم نفسه أن يتجاهلهما وهما: ابن رشد وابن سينا. وكان ينبغي على كل فلاسفة أوروبا آنذاك أن يختاروا بينهما، فإما أن يتبعوا هذا أو يتبعوا ذاك". ورغم اهمية ابن سينا صاحب "موسوعة الشفاء" التي تشمل المنطق والفيزياء والميتافيزيقا، فإن الفكر الغربي يدين بصورة خاصة لرائد التفكير العقلاني قاضي قضاة قرطبة ابن رشد الذي ترجم كتابه "الكليات" إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر، واعترافا بفضله أسماه دانتي "الشارح"، أي شارح ارسطو وفلسفته الحقيقة. إن حديث اليوم عن اغفال مكانة الإسلام الأوروبية ينطوي على الكثير من المغالطات، ورغم اللغط حول صراع الحضارات فإنه لحسن الحظ لم نصل للأجواء التي سادت في القرن الثاني عشر الذي شهد الحروب الصليبية، وظهور الأصوليين المسيحيين المتشددين الذين أفتوا بعدم الأخذ من المسلمين، ولكن المفكرين المعتدلين رفضوا هذه الفتوى وبالتالي انتصر التيار الذي اضطلع بنهضة أوروبا، التي قامت على أساس الترجمات العربية.

المسار الخطأ في مواجهة الإرهاب

  محمد خليل
تحتاج أميركا إلى تطوير سياسة رشيدة لمكافحة الإرهاب لسبب رئيسي، وهو أن كل ما نفعله تقريباً يؤدي إلى نتائج عكس ما كنا نأمله. فأفعالنا ومواقفنا تؤدي إلى خلق مزيد من الإرهابيين المسلمين، وتشجع المعتدلين من هؤلاء المسلمين على اتخاذ موقف سلبي تجاه هؤلاء الإرهابيين وعملياتهم.
وعندما تقول إدارة بوش إن استخدام التقنيات والأدوات التي تقلص من حرياتنا المدنية في الداخل، وتؤثر على سمعتنا في الخارج كان أمراً له ما يبرره من أجل إيقاف الهجمات الإرهابية... فإن ذلك زعم غير مقنع لسبب وهو أن استخدام تلك التقنيات والأدوات لم يكن سوى رد تكتيكي على تهديد استراتيجي، فهي -التقنيات والأدوات- وإن كانت قادرة على إيقاف الهجمات العَرَضية فإنها لا تعالج الموضوع الجوهري.
حديث بوش عن جلب الديمقراطية إلى الشرق الأوسط، لن يفيدنا كثيراً... فسينظر إليه كدليل على مطامع الاستعمار الغربي في المنطقة العربية!
ما لم نتمكن من إيجاد الطرق التي يمكن لنا بها مواجهة، ليس فقط الهجمات وإنما الحركات التي تقوم بها والأسباب التي تؤدي إلى توالدها، فإننا لن نستطيع وضع نهاية لهذه المشكلة.
لا تفهموا من ذلك أنني أدعو إلى التوقف عن محاولاتنا اللازمة لاكتشاف وتعطيل المؤامرات الإرهابية، لأن ما أود قوله في الحقيقة هو أن مفتاح النجاح الطويل الأمد ضد المسلمين المتطرفين، يكمن في إضعاف أعدائنا، وتمكين أصدقائنا المعتدلين في العالم الإسلامي في الوقت ذاته، وذلك عبر تعزيز صلاتنا الاستخبارية مع هؤلاء الأصدقاء كخيار أولي في هذا المجال. لكن يجب أن نعرف أنه من الصعب علينا الاحتفاظ بعلاقات استخبارية متينة ومثمرة، مع أي دولة إذا ما كانت العلاقة بيننا وبين تلك الدولة غير قوية أو لا تقوم على أساس من الاحترام المتبادل. وأشير في هذا السياق إلى أن نمط استجابتنا بعد أحداث 11 سبتمبر، كان سبباً في انقلاب الكثير من أصدقائنا ضدنا.
وعندما نعيد بناء تلك العلاقات والتحالفات التقليدية ونعززها، فإن روابطنا وصلاتنا الاستخبارية ستتحسن بدورها وستتحسن معها قدرتنا على محاربة الإرهاب. ففي بيئة إرهابية تتجه بشكل متزايد إلى عدم المركزية، فإن زملاءنا في أجهزة الاستخبارات التي نقيم معها روابط واتصالات، سيكونون أكثر قدرة على اختراق المنظمات الإرهابية التي توجد في بلدانهم. قد يحتاج الأمر لسنوات طويلة حتى يمكننا تقليص ما يحظى به الأصوليون المسلمون من جاذبية، وتخليص المعتدلين من السلبية في بلدانهم. وعندما يدرك هؤلاء المعتدلون أن الراديكاليين يشكلون تهديداً لهم فإن ذلك سيكون بداية خسارة الراديكاليين. ومثل هذه الخسارة يمكن أن تحدث بسرعة تشبه تلك التي انقلب بها المسلمون السنة ضد تنظيم "القاعدة" في العراق.
بيد أنه يجب التنبه في هذا السياق إلى أن العراق سيظل مشكلة تواجه مساعينا من أجل تحقيق هدف زيادة الروابط الاستخبارية مع أصدقائنا؛ فطالما ظل جيشنا هناك فسنكون سبباً في استثارة غضب الراديكاليين الإسلاميين وشكوكهم تجاه أي تحركات نقوم بها.
أما حديث بوش عن جلب الديمقراطية إلى الشرق الأوسط، فلن يفيد كثيراً في هذا المجال، لأنه سيتم النظر إليه على أنه يمثل في حد ذاته دليلاً على مطامع الاستعمار الغربي في المنطقة العربية، كما لن يحول دون توجيه اتهامات لنا في أي مكان نذهب إليه، ومنها تهمة ممارسة التسليم غير القانوني للأشخاص إلى دول أخرى، ووجود سجون تابعة للـ"سي.آي. إيه" في الخارج، واستخدام طرق غير قانونية ووسائل تعذيب ضد السجناء، علاوة على المحاكم العسكرية ومعتقل جوانتانامو.
يعني ذلك أننا لن نستطيع التعامل مع المسلمين من خلال أسلوب الإملاء، أي تحديد الطريقة التي يجب أن يتصرفوا بها، بل الأفضل لنا من ذلك هو أن نعمل على ترتيب بيتنا من الداخل عبر إعادة الحقوق المدنية الكاملة للأفراد، والتوقف عن ممارسة "تقنيات الاستنطاق المشددة"... فعندئذ فقط سنستطيع تقديم أنفسنا للعالم الخارجي كنموذج يحتذى.
بسبب التاريخ الطويل لعلاقاتنا الدبلوماسية والتجارية والتعليمية مع العالم الإسلامي، كان من الطبيعي أن يكون لدينا العديد من الأميركيين الذين يعرفون الكثير عن الإرهاب وعن الإسلام. ويمكن لهؤلاء أن يكونوا ذوي فائدة ونفع كبير في مواجهة الإرهاب، وكل ما نحتاجه هو أن نستمع إليهم ونتعلم منهم في ظل مناخ ملائم وبطرق لا تؤدي إلى تخويفهم وتنفيرهم من تقديم المساعدة. وأخيراً هناك نقطة أخرى مهمة، وهي أن برامجنا المحلية لمقاومة الإرهاب تركز على ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر فقط، مما يطرح السؤال: ما الذي سنفعله من أجل حماية بنيتنا التحتية التي تزداد انكشافاً على الدوام؟ رغم أننا نخوض حربنا الأخيرة ضد الإرهاب في عالم يتغير بسرعة، فإننا أنشأنا جهازاً غير فعال ومترهلا للأمن الداخلي، وعهدنا إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي بالمهمة الرئيسية عن حماية أمننا من الإرهاب، رغم أنه ليس سوى منظمة لفرض القانون لا تتمتع بالثقافة ولا بالهيكلية التي تمكنها من أداء مهام مكافحة الإرهاب. إننا لا نزال بحاجة، رغم كل ما فعلناه في هذا الصدد، إلى جهاز يضطلع بمهمة الأمن الداخلي على غرار جهاز الاستخبارات البريطانية الداخلي المعروف (إم آي).

 

 

القرأن الكريم


الوقت والتأريخ


القـامــوس

 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة البينة الجديدة© 2007          تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com