|
ريدار
فسر
شهدت تسعينيات القرن الماضي نقاشات متكررة حول
امكانية اعتماد الفيدرالية في العراق اذا ما تمت
ازاحة البعثيين من السلطة.عموماً،كانت هذه
النقاشات تخلص الى ان النظام الفيدرالي لم يكن
يثير سوى اهتمام الاكراد مع عزوف جميع السكان
العرب عن الاهتمام به.ومع ذلك فإن العراقيين
بادروا في تشرين الاول/أكتوبر 2005،بعد الغزو الذي
قادته الولايات المتحدة في 2003 الى تبنى دستور
يمكّن اي جزء من البلد-بما في ذلك المناطق ذات
الاكثرية الشيعية الى الجنوب من بغداد-من التطلع
الى وضع فيدرالي...من اين جاءت الافكار الشيعية عن
الفيدرالية بوصفها شيئاً ايجابياً؟ ما علاقة هذه
الافكار بالسجال العراقي الاوسع؟ وما مدى التأييد
الذي تحظى به لدى الجمهور العريض؟
جدلية هذ البحث بأن الافكار الشيعية عن النظام
الفيدرالي مستوردة بأكثريتها، من الخارج بعد 2003
والى حد ما فإن الدستور العراقي يقر بهذا الواقع
ويعيد القول الفصل الى الشعب العراقي:خارج كردستان
لا يمكن فرض الفيدرالية (من فوق) يتعين اختيارها
من قبل الشعب(من تحت) في نظام قاعدي فريد لرسم
حدود الكيانات الفيدرالية التي صيغت على غرار
النموذج الاسباني بعد 1978،غير ان مشكلات جدية
معينة مازالت باقية فيما يخص قابلية هذا النظام
الجديد للتعامل مع زحمة الاراء المتنافسة حول
الفيدرالية التي يمكن توقعها مع اطلاق عملية تشكيل
الكيانات الفيدرالية في نيسان/ابريل 2008 كأبكر
تأريخ.
الشيعة،سلطة الدولة،ومثال العراق
لا بد لاي تحليل للمواقف من الفيدرالية بين صفوف
الشيعة المنطلقين من منطلق اسلامي ان يأخذ في
الحسبان بعض الاسئلة الطاغية حول العلاقة بين
المؤمنين،رجال الدين وسلطة الدولة التي تنشأ من
المذهب الشيعي بوصفه عنواناً دينياً مميزاً،تمثلت
احدى نقاط الجدل الرئيسية بين مفكري الشيعة
الدينيين بكيفية تنظيم المجتمع سياسياً في عصر بات
فيه الحاكم الشرعي الامام الثاني عشر حسب العقيدة
الشيعية في حالة غيبة،وقد دام هذا الوضع منذ عام
874م تاركاً فراغ سلطة يكون فيه الحكم الزمني
المؤقت اشكالياً في العمق لانه يشكل على الصعيد
النظري اغتصاباً لسلطات الامام الغائب.
أما على الصعيد العملي فإن العقائد الشيعية قد
تطورت نحو القبول بدور جوهري لرجال الدين على
المستوى المجتمعي فرجال الدين الشيعة اختاروا
لأنفسهم مهمة النائب العام للامام الغائب،مع
مسؤولية إمامة صلوات الجمعة جمع الضرائب
الدينية(الزكاة) وممارسة السلطة القضائية.. ثمة
تراتب ملحوظ للمجتمع الشيعي مع تعزيز لموقع رجال
الدين، ترتب على الانتصار الاصولي على الاخباريين
(المؤيدين لنظرة اكثر تسووية الى جماعة
المؤمنين)في القرن الثامن عشر ادى هذا الانتصار
الى تعميق انقسام الشيعة الى اولئك المتوفرين على
المؤهلات الضرورية لتفسير الشريعة
الاسلامية(المقلدين)،مما يلزمهم بتقليد الفقهاء من
الجهة المقابلة وفي القرن التاسع عشر شهد الطابع
الترابي لهذا النظام مزيداً من الترسيخ مع تزايد
اكتساب مفهوم مرجع التقليد الاكبر الواحد قبولاً
وصولاً الى جعل هذا المرجع الديني الابرز على
الصعيد النظري والسلطة الشرعية العليا بالنسبة الى
الشيعة اما على المستوى العملي فقد كانت فترات
شهدت تنافس اعداد من المجتهدين على مكانة المرجع
الشيعي الاعلى.
بقيت مسألة الدور السياسي لرجال الدين زمن الغيبة
مثار جدل أكثر حدة بما لا يقاس تأريخياً.. ثمة
انظمة كان اسيادها انفسهم من الشيعة ظهرت في
العديد من البلدان، غير ان قليل من العزوف عن
التفاعل مع هذه الكيانات السياسية اضفى الشرعية
عليها.ومع ان حكاماً في ايران والهند كانوا قد
راعوا رجال الدين الشيعة وحرصوا على التماس
تعاونهم قروناً من الزمن،فإن العديد من كبار رجال
الدين في هذه المناطق بقوا بعيدين عن الدولة
مفضلين اعتماد موافق مسالمة قائمة على الحياد..
وحتى حلول اوائل القرن العشرين لم تنتشر اي نظرية
شيعية داعية الى انخراط المجتهدين سياسياً في
الشؤون الدنيوية حين اقدمت شريحة من رجال الدين
على اقتحام الحوار الدائر حول دستور ايراني جديد
ورسم معالم نموذج دولة يضطلعون فيها بدور رقابي
فعال لضمان بقاء التشريعات التي تعتمدها الجمعية
الوطنية متناغمة مع الشريعة الاسلامية.أما الخطوة
الاخيرة نحو السلطة السياسية لرجال الدين فقد حمل
رايتها اية الله الخميني عبر تبني مفهوم ولاية
الفقيه،حيث يستطيع حاكم عادل ضليع في الشريعة
الاسلامية وشؤونها ومتوفر على الرؤيا المطلوبة في
الشؤون الدنيوية ان يمارس شرعاً السلطة السياسية
في غياب الامام المغيب.وقد جرى تطبيق هذه العقيدة
في ايران غداة الثورة الاسلامية في 1979.
ومع انها بدت في البداية كما لو انها النتيجة
المنطقية لسيرورة خطية بأتجاه ترابط متزايد
المتانة بين رجال الدين الشيعة وسلطة الدولة فإن
نظرية الحكم عند الخميني اثارت كثيراً من السجال
الداخلي فيما بين الشيعة والنقاشات حول مدى صحتها
ما لبثت بالتالي ان احتلت مواقع الصدارة في جملة
الحوارات الشيعية حول سلطة الدولة.. ثمة رجال دين
كثيرون من ذوي التوجهات الاكثر تقليدية حافظوا على
ارتيابهم من اي علاقات وثيقة بين رجال الدين
واجهزة الدولة كما تجلت في جمهورية ايران
الاسلامية معلنين تأييدهم لدور اكثر انكماشاً
لرجال الدين من خلال مهمات المجتهدين التقليدية
وهذا السجال ما لبث ان ازداد حدة بعد وفاة الخميني
لان المؤهلات التقليدية الدينية لخلفه-علي
خامنئي-كانت موضع اعتراض من قبل رجال دين ميالين
الى تفضيل مؤسسة دينية اقل تسييساً وبالتالي فإن
عالم الشيعة عند مطلع القرن الحادي والعشرين مطبوع
بنظامين غالباً ما يكونان في حالة تنافس مباشر مع
النظام التقليدي لمتدينين يسعون للتفوق كفقهاء في
منظومة اممية اساساً واقل تركيزاً على دول دينية
حدودها او تقسيماتها الفرعية الادارية من جهة،
والنظام المعتمد لدى الحركات الشيعية الاسلامية
التي تفضل تعبيراً عن المذهب الشيعي في المجال
السياسي على اساس فكر الخميني حيناً،وبالعودة الى
افكار اقرب من النظريات التي تطورت في اثناء
الثورة الدستورية الايرانية من جهة ثانية.
في هذا السياق سياق بقاء اطار الدولة الاسلامية
بالذات موضوع خلاف كان ثمة تركيز اقل على مسائل
نقل السلطة والثورة الاسلامية في ايران ترافقت
بداية مع نوع من الحماسة للتبشير بالافكار الجديدة
في الخارج من اجل التسامي على النظام القائم
للدولة غير ان التطورات السياسية اللاحقة والاخفاق
في عملية تصدير الثورة تمخضاً عن اعادة صب جزء
كبير من الطاقة الفكرية للمفكرين الاسلاميين
الشيعة على مسائل اكثر اساسية حول مدى اهمية
الحركة السياسية بالنسبة الى رجال الدين او مدى
صواب مبدأ ولاية الفقيه.أما المشكلات ذات العلاقة
بمسألة النظام الفيدرالي-مثل اللامركزية الجذرية
في البنى السياسية القائمة داخل اطار اسلامي
تحديداً فلم تحظ الا بقدر اقل من الاهتمام
ومناقشات اللامركزية الادارية التي تكرر بروزها
على السطح تحولت الى نسخ محلية عن الحوارات
الوطنية الاكثر عمقاً ومع حلول عام 2003 كانت فكرة
النقل الشامل للسطلة الى الاطراف بوصفها احدى طرق
حل المشكلات السياسية الداخلية قد اخفقت في
الاهتداء الى كتل كبيرة من المؤيدين المتحمسين بين
الاسلاميين الشيعة في بلدان اساسية مثل لبنان
وايران من شأن الفرغ النسبي في ميدان النظرية
السياسية ان يكون قد مارس تأثيراً معيناً في
الحوار الناشئ حول النظام الفيدرالي بين شيعة
العراق.
ونظراً لان النقاشات الدائرة حول النظام الفيدرالي
في العراق كثيراً ما تنطوي على سيناريوهات المزيد
من التمزيق والتقسيم اللذين يخشى البعض من ان
يترتبا على اللامركزية،ثمة بضع ملاحظات سيتم
ايرادها بادئ ذي بدء حول طبيعة علاقة القوى
السياسية بين الشيعة مع التركيبة الجغرافية لدولة
العراق الحديثة تاريخياً.ثمة مراقبون خارجيون
كرروا اتهام الشيعة بمراودة تطلعات للانفصال او
مخططات للاندماح بإيران ولكن تحليلات سلوك الشيعة
خلال المراحل الاكثر حساسية لتأريخ العراق السياسي
تدعو الى مساءلة مدى صحة هذه الادعاءات فالعصيان
في 1920 كان ضد بريطانيا في المقام الاول ولم
يقترح اي بديل جغرافي للدولة العراقية التي كانت
قيد التأسيس وكان المشروع الانفصالي الرئيسي
الوحيد في الجنوب خلال فترة الانتداب بقيادة تجار
سنة،مسيحيين ويهود في البصرة لا الشيعة،وقد خاض
الجيش العراقي بأكثرية جنوده الشيعة حرباً ضد
ايران من دون ان ينهار من الداخل وانتفاضة عام
1991 في اعقاب حرب الخليج كانت تستهدف السيطرة
السياسية على الدولة العراقية كلها،ولم تطرح اي
إعادة رسم لحدودها.
جدير بالملاحظة ايضاً انه حتى في الحالات القليلة
التي حظي فيها خيار انفصالي بشيء من الاهتمام في
الدوائر الشيعية لم تلق دعوات الانفصال اي تأييد
شعبي ذي شأن بين ابناء الطائفة. وقد كان المثال
الابرز في عام 1927 خلال نزاع طائفي بين الشيعة
والسنة نظراً لان الشيعة كانوا يشكون من التمييز
ضدهم في النظام التعليمي المعتمد في البلاد
ويتوجسون من احتمالات فرض نظام التجنيد العام بادر
عدد قليل من ساسته الى اقتراح نقل جذري للسلطة او
انفصال اسلوبين محتملين للخروج من الازمة ثمة
زعماء عشائر طالبوا بنوع من تقليص نفوذ الدولة عبر
اللامركزية.. رجال دين من المراتب الدنيا طوروا
مواعظهم الدينية باعتماد توجه طائفي صارخ..
ومثقفون شباب من طلاب مدارس دينية حاولوا احياء
التراث التاريخي للمناطق ذات الاكثرية الشيعية.غير
ان الحركة الانفصالية لم تتمكن البتة من الانطلاق
لسنوات ظلت الجوانب الدينية والشمولية التقليدية
لطقوس شيعية معينة مثل احتفالات محرم(عاشوراء)
واحياء ذكرى معركة كربلاء قادرة على اسر خيال
الجمهور اما ظاهرة الدعاية الطائفية الجديدة
المتركزة على منطقة في وسط العراق وجنوبه فلم تحقق
اي نجاح ذي شأن ومن المهم بالمثل ان الشرائح
العليا من منتسبي المؤسسة الدينية الشيعية بقيت
بعيدة عن المشروع لرغبة بعضهم الواضحة في العزوف
الكامل عن السياسية ولاعتراض آخرين على الطابع
الطائفي للمجريات الانفصالية وبالتالي فإن اي
تسويغ اسلامي محدد للمشروع الانفصالي لم يبرز على
السطح، بعد عام واحد من ظهوره كان الشروع قد تلاشى
افتقاراً للتأييد الشعبي في المقام الاول,وعلى
امتداد الجزء الاكبير من عقود القرن العشرين
الباقية لم يكن مفهوم الانفصال لدى الشيعة الا
شيئاً كان من شأن جهات خارجية او انظمة سنية تلمح
اليه بين الحين والاخر من دون ان يترافق ذلك بأي
نشاط ذي طبيعة انفصالية يبن صفوف الشيعة انفسهم
اما الصيغ البدلية للدولة التي كان الشيعة
يناقشونها فلم تكن سوى تصورات ايدلوجية
جديدة(شيوعية،اسلامية لاحقاً)للاطار الجغرافي
القائم للعراق.
بعد حرب الخليج في 1991 سارعت منظمات سياسية كردية
الى تأسيس التحالف الابرز الداعي الى اقامة نظام
فيدرالي في عراق المستقبل. |