القائمة الرئيسية

الاولــــــــى

الافتتـاحيـة

الثــــــانيـــة
السياسيـة
محليـــــات
تحقيقـــات
الثقـافيـــة
حـــــــوارات
طب و علوم
مــقـــالات
الـــريـــاضــية
الاخــيـــرة

القائمة الثانوية
الاتصال بنا
الارشـــيف
كاريكــاتيــر

 

    
البينة الجديدة جريدة يومية سياسية عامة                                                                                                                                               رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين العراقيين (134)                                                                                                                      رقم الايداع في دار الكتب والوثائق (970) لسنة 2007

السنة الثالثة العدد (520) الاربعاء 2008/2/6م ـ 28/محرم/ 1429 هــ

الرائد المسرحي جاسم العبودي: قابلية على الإبداع المتجدد

 سعد السعدون
ونحن نقلب صفحات من تاريخ مسرحنا العراقي الحافل بالعديد من الأسماء التي عبدت الطريق للأجيال المتواترة التي إشتغلت بفضاء الفن المسرحي الرحب لابد لنا وأن نقف عند تجربة أحد رواد الفن المسرحي في العراق ألا وهو الفنان والأكاديمي المسرحي المرحوم جاسم العبودي الذي إكتسب موقعا ً مهما ً في خريطة المسرح العراقي وذلك بسبب عشقه وإهتمامه فضلا ً عن دراسته للمسرح حيث تلقى علومه في مجال المسرح في الولايات المتحدة الأمريكية التي عاد إليها فيما بعد لتلقي العلاج بعدما تدهور وضعه الصحي في العراق وقد وافته المنية في أمريكا ليلحق بركب العديد من المبدعين العراقيين الذين دفنوا في المنفى
مما لاشك فيه أن فناننا العبودي إزداد علما ومعرفة أكاديمية بفنون المسرح بعد أن إطلع على التجارب المسرحية والورش والمختبرات إبان فترة دراسته في أمريكا ، وحينما عاد إلى العراق حاول أن يترجم الكثير مما شاهده من ملامح حداثوية فيما يتعلق بعمل الممثل وأدوات تجسيد الرؤية الفنية الإخراجية، وقد كان الفنان المرحوم العبودي من العناصر الرائدة التي إنضمت لفرقة المسرح الفني الحديث إلى جانب الكثير من رواد هذا الفن في العراق منهم زميله المرحوم إبراهيم جلال ، ويوسف العاني ، وخليل شوقي وآخرين، وقد لمس مجايلوه من الفنانين القيمة الفنية التي حملها العبودي من حيث أنه جاءهم بفحوى النظرية الفنية فضلا ًعن أسس تطبيقها، بمعنى أنه إمتلك ناصية العلم الذي بإمكانه تشذيب وتهذيب وإسباغ العناصر المنطقية على جوهر التجربة الفنية وبهذا يكون قد إمسك بعصا العلم والفن معا ً، في إيجاد إنتاج فني يساهم في إرساء تقاليد مسرح تجريبي خاضع لشروط فنية ومهنية وفكرية، وضمن سياق معرفي بعيدا ًعن النمط السائد الذي يرتكز على عنصر الهواية والمحاكاة السائد آنذاك، ولم يقتصر دور العبودي على مسار عمل الفرقة المسرحية المذكورة بل أن دوره تعدى ذلك من حيث كونه أستاذا ً متمكنا ً في قسم الفنون المسرحية بمعهد الفنون الجميلة إستطاع بخبرته العملية وثقافته العالية أن يرسخ تقاليد البحث والتجريب، ومن خلال حركته الدائبة بين المعهد والفرقة تمكن من تقديم بعض الأعمال المسرحية التي تمظهرت خلالها أولى بوادر التعامل الحديث مع النص كما أنها عكست نوعا ًمن التعاون الفني بينه وبين زملائه في الفرقة ، فقد قدم عمله الأول {تؤمر بيك} من تأليف الفنان القدير يوسف العاني الذي إشترك مع الفنان شهاب القصاب في تأليف النص المسرحي الثاني الذي قدمه الفنان المرحوم العبودي وكان بعنوان {ماكو شغل} وقد أحدثت هذه العروض حينذاك نقلة نوعية على صعيد التمثيل والإخراج والنص الذي لامس شيئا ً مما كان يسود الواقع المعاش في العراق، وقد كشفت هذه الأعمال النقاب عن القدرة الإخراجية لفناننا العبودي الذي أثبت أن لديه القابلية على الإبداع المتجدد والمتمثل في كم الطروحات والأشكال المقترحة للتعبير عن حالة معينة، وبعد أن تبلورت لديه التجربة المسرحية في بواكير مسيرته الفنية تحرك بإتجاه تأسيس فرقة مسرحية دعا إليها بعض عناصر فرقة المسرح الفني الحديث، فجاءت فرقته {بإسم فرقة المسرح الحر} ومع ولادة هذا الرديف الفني بدأت مرحلة فنية جديدة تعاطى من خلالها مع مختلف النصوص وأبدى إهتماما ًفي عناصر العرض المختلفة ولاسيما {النص} الذي كان يوليه أهمية قصوى وقداسة معينة فحاول من خلال أسلوبه الإخراجي أن يكون مفسرا ً لمفردات النص أكثر من كونه يجترح نصا ً جديدا ً للعرض وربما يكون ذلك مرتبطا ً بظروف موضوعية معينة كان يراها هو كمخرج دون غيره ، كما أنه ينتمي إلى مدرسة {ستانسلافسكي} للتمثيل المعروفة بولائها للواقعية التي تعتمد على دراسة النص وتحليله وإبراز وجهة النظر الواقعية في التجسيد وعلى الرغم من تقديمه العديد من الأعمال الواقعية إلا أنه لم يقدمها بطريقة تقليدية خالية من آليات التجريب الذي كان يتمظهر في طريقة بناء مكونات العرض وتصوراته الفنية التي تعد من العناصر التي يعمل من خلالها على تعميق القيم الجمالية للعرض، ويعد فناننا العبودي إلى جانب الفنان المرحوم إبراهيم جلال من أوائل المخرجين الذين حاولوا إيقاظ المعاني المستترة ضمن متون العديد من النصوص العالمية المهمة وقد إعتنى كلاهما بعمل الممثل من حيث دوره في تفعيل الخطاب المسرحي، وقد كان للعبودي أثر في تطوير وتحديث وتصحيح مسار عمل الممثل وإخراجه من صورته النمطية ليطلق العنان له في عملية التحليق نحو عوالم جديدة في التعبير، كما أنه حاول إيجاد آليات إشتغال جديدة لعناصر العرض الأخرى كالإضاءة الديكور والإكسسوار وغيره من مكونات العرض الأخرى، لقد ظل فناننا جاسم العبودي مخلصا ً للمسرح حتى إصابته بالمرض الذي أبعده عن خشبات المسارح العراقية وعلى الرغم من إبتعاده عن وسطه المسرحي العراقي بدافع العلاج الذي تلقاه في مستشفيات أمريكا إلا أن رفاق دربه من المسرحيين العرقيين ظلوا في تلازم روحي وفني معه حتى وافاه الأجل واليوم بعد هذه السنوات على وفاته ينبغي على أي من المهتمين والدارسين والمعنيين بشؤون الفن المسرحي عدم الإغفال عن دور الفنان الرائد جاسم العبودي في مسيرة المسرح العراقي بوصفه أحد أولئك الكبار الذين وضعوا أحدى لبنات هذا المسرح العريق والراقي بتجاربه الرائدة وخطابه الكوني.

ريسان الخزعلي والتفكيك

 ابو الغوث
استفدت كثيراً من تخصصي المسرحي في التناولات القرائية وما يفرز عنها من استقراءات ورؤى ابداعية نصية اي ان النصوص الاخرى مهما انزاحت عن اعتياديتها المفهومية لا تشكل عندي دوائر مغلقة تحول دون فك شفراتها والولوج اليها ، ويأتي ذلك متسقا مع ما يسمى عندنا بالقراءات العشر التي كنا نتدرج بها لتطويق النص المسرحي ومن ثم تفجيره ليتشظى الى مجموعات كبيرة من العناصر المتفاعلة والمتنافرة في آن معا.
هذا المدخل المتواضع لم ارم من خلاله الى استعراضات شخصية تعريفية انما اتخذته نافذة لأطل من خلالها على التناولات النقدية عند الشاعر والناقد (ريسان الخزعلي) الذي تعرفت عليه في البدء كشاعر فحسب، الا ان تزامن نشره في عدة صحف مع ما ينشر لي من دراسات مسرحية نقدوية جعلتني اكتشف فيه ناقدا استعار من الطروحات النقدية ليكون شاعرا وهذا لم يكن انتقاصا من شاعريته التي قد يعتز بها اكثر بكثير من صفة الناقد.
وحسب انطباعاتي الفكرية التراكمية اجد ان النقد هو خلطة فكرية متعددة المعارف والمواهب تستجمع كتلها المستقلة وتنصهر في بودقة تدعى (النص النقدي)، بمعنى اخر ان الناقد يجب ان يتسم بذات السمات التي يتسم بها الشاعر والكاتب والقاص والروائي والممثل والمخرج في اكثر مراحل نضوجهم الابداعية وحين تتحد فيه المعالم متكاملة يمكن له ان يكون ذا نظرة ثاقبة ومتفحصة لاتغادره لاصغيرة ولا كبيرة.
لذلك ارنو الى الخزعلي ووفق ما تقدم وهو يحمل تلك الخصائص مجتمعة خاصة اذا ما علمنا ان الرافدين الحقيقيين لتشكيل شخصيته الابداعية هما الشعر والمسرح وبالدرجة الثانية تأتي الرواية والقصة منهلا اخر للمفردة والافكار.
آمل من الخزعلي ان لا يغادر تلك الفضاءات الرحبة، بحجة العزلة الشعرية لاننا بحاجة الى مفردة اثيرية ترتقي بذائقتنا في عالم بدأ ينطمر بغرين الافكار الساذجة التي بدأ مجتمعنا يتعامل معها متناسيا همومه وتطلعاته.
كما آمل من الصديق الخزعلي المبدع ان ينحصر (لعبه) في هذين (الميدانين) والنقد اولى عندي من الشعر.

شـعـرقـصــائـــد
فؤاد الزبيدي

 نُبَذ
أرأيتَ روحي تَتألقْ
تَتَناثَرْ كرمادِ الحَرقْ
فيها عُرُوقٌ لمُذنَبْ
وكنوزٌ لَمْ تُحْدِثُ حربْ
وتنبضُ في وجهِ مُحِبّْ
ركوع
مع أني محمل بهذيانِ ألخمره
فإنْ رَكَعَ القلبُ أركعُ كالمجره
إيمان
وانني لأرى خرائط ألأكوانِ
مابينَ ألآياتِ في سورةِ الرحمنِ
فإلى أيٌ أزمانْ
أُجٍلُ قَرَى القرآنْ
الشاعر
وبهلوانٍ
نصف شيطان
ويمسكُ تلابيبَ الريح
ويُخلي الشَبيه
وَيَدِقٌ
بمسمارٍ في عُنْقِ المسيح !!
عراك
تعاركتُ والموت
والروحُ حَدي
ومَنْ أضْحَكَ الموت ؟
النابغَة الجعدي !
في أثر رامبو
في بارات أبوالنويس !
في مقهى المعقدين
رغيفُ خبز وملح
كأسٌ ونصف هبهب
واصدقاٌ اشباح -
بجيوبٍ مثقبة
أمْسكتُ بكل قواي -
بمركبك السكران
أنا والعجوز التيس !
في أثْرِكَ على الطرقات -
وهو يُرَبرب !
نسألُ عنكَ في كل حان
نادلات مشغولات
كاشفاتٍ أثداءهنَ المرعبة
وكل مَنْ سألناه -
قال : هَهْ
لقد مر منذُ هنيههْ.

قصة قصيرة
أطـيـــاف العـتمـــة

 خالد شاتي
عندما أدركت أن المسير عبر العتمة يكلفها شيئا من الخوف المصحوب بخيالات واسعة لمخلوقات ليلية تتسع باتساع مساحات خيالها الجامح؟
توقفت... توجست او هكذا خيل لها وهي ترى أمامها عوالم من ظلال واشباح لتلك الموجودات أمامها من اشجار ونباتات واعمدة كهر بائية كانها رجال منتصبو القامة يريدون الاستحواذ عليها وتغييبها من الوجود ذلك الذي هجع هو الاخر خلف سكون ليلي من نوع اخر.
تلفتت وراءها وهي تسمع وقع خطاها اللتين اتخذتا شكل ايقاع موسيقي لحفلة السكون تلك.
صكت على أسنانها،تصنعت ابتسامة هي تعلم انها في غير وقتها.
تباطأت قليلا،همهمت بمقطع اغنية احبتها لعل ذلك ينسيها او يحاول ان يقلل من خوفها الا ان كل تلك المحاولات باءت بالفشل وهي ترى عيون ذلك الطائر الذي مر من امام عينيها كالبرق؟
تلعثمت فركت اصابعها ببعضها، حاولت الصراخ او الاستنجاد لكن بمن والكل يغطون في سبات عميق.
الا ذلك الجسد الصغير الذي يعتمر قبعة من القش الاصفر،وكانها مدعوة لحفلة اقامتها بعض مخلوقات الليل غير المرئية احتفاءا بحوريات قادمات من السماء السادسة بعد ان سئمن الرفعة والسمو وجئن الى الارض التي هي مرتع لمخلوقات غريبة سئمت هي الاخرى حياتها وصارت تتطلع الى السماء طمعا في الهرب والابتعاد؟
نظرت الى السماء نظرة ملؤها الاستسلام والدهشة وهي ترى تلك البوابات الكثيرة والمتناهية الصغر من النجوم وغيوم وهالات ذلك الغبار الكوني وتلك الاضواء التي تغري الناظر بالقدوم والتعلق .
فماكان من ذلك القلب الصغير الذي يسكن بين جنبيها الا ان ازداد خفقانا ورعشة والذي ما انفك يرسل الى عقلها اشارات غامضة تغازل كيانها الفتي وتبعث في اوصالها شيئا من الراحة والاطمئنان،ذلك الشعور الغريب الذي تملكها واستحوذ على عقلها وروحها معا من غير ان تعرف تفسيرا يمكن معه ان تترجم ما مر بها من مشاعر متناقضة ومختلفة جمعتها تلك العتمةوالتي جعلت منها هي الاخرى مصدر خوف وقلق لمن يمر بها في تلك الساعة المتاخرة وهي واقفة كتمثال رخامي يخيف القادم من غير ان يكون لها خيار في الذهاب او الرجوع من حيث اتت وكانها تقترب قسريا من بوابات الزمن التي يمر من خلالها الناس الى ازمان اخرى وربما إلى مستقبل لم يخطر ببالها قط؟
اغرتها تلك الفكرة المجنونة وسيطرت على كيانها خصوصا بعد ذلك الشهاب اللامع والمشاكس الذي خطف بصرها واحتواها وصارت جزءا منه؟
وفي صبيحة اليوم التالي تناقل الناس خبر اختفاء بنت كانت ترتدي فستانا ابيض كالثلج بعد ان شاهدوا كرنفالا من الشهب الكثيرة تضيء ذلك المكان في الليلة الماضية؟

شـعـر
تسألينَ عن المصائر
عقيل منقوش

 تسألين َعن المصائر
عن الفكرة العاقلة
وحده الجنون
يُدركُ صخبَ النفس
وحده التلاشي
لا يبتلع ُ منّا الأزهار
الأمل ُ أيضا ً
محاولة ُ للطيران
كذلك الطبيعة ُ
المتصالحةِ بلا أصدقاء
بلا دليل ٍ نُقيم الحياة
بمشقةٍ تتّضح ًالأبديّة
أين تخوم العقل؟
مداراتها الواسعة
تلك المعابر ُخلفت
بوصلة ًللإحتمالات
أين المراثي غيّبتنا على مهلٍ
تسألين َ
لا كما يليق بضفائرك ِ
لاكما يليق بالقتلى الأوفياء
قتلى لا يُكلفنا نسيانهم
لقد تعب العالم
يئس العالم
مسكين هذا العالم
لم نستطع حمله نحن البشر.

أصــالـــة العـبــوديـــة
سعدون محسن ضمد

 للمثقف وظائف كثيرة يؤديها، أكثرها خطورة على الناس هي تلك التي يفكر فيها بالنيابة عنهم. وذلك عندما يكتسب شرعية مركبة (سوبر شرعية) كأن يكون على قمة المؤسسة الدينية أو على قمة المؤسسة السياسية.
المهم في هذا الموضوع أن الرأي الخاص والفردي الذي يخرج به هذا الصنف من المثقفين يتحول ـ بفعل التقديس ـ إلى رأي ناجز يقبله ويعمل وفقه جمع هائل من الناس. وهنا تكمن المفارقة، فعندما يخطئ هذا المثقف تنقلب معادلة النيابة بينه وبين الناس، فالناس هم الذين ينوبون عنه هذه المرة لكن يدفع ضريبة خطئه هو.
هناك قاعدتان فقهيتان تحكمان عمليات استنباط الأحكام الشرعية، قاعدة قديمة يُعبر عنها بعبارة: (أصالة البراءة) وقاعدة حديثة يُعبر عنها بعبارة (أصالة الاحتياط). القاعدة الأولى تقول بأن الأصل في السلوك البشري والحياة أنهما مباحتان، ولا يجب على الإنسان أن يشكَّ بحلية سلوكه. إلا عندما يقع تحت ملاحظته دليل متين يشير إلى الحرمة. على أساس هذه القاعدة لا نكون مطالبين بأن نبحث عن حرمة الأشياء، لأن الله أباح لنا كل ما لم يحرمه بنص ثابت منه. والجزء الأهم بموضوع هذه القاعدة أنها تجعل العلاقة بين الإنسان وربه علاقة حرة ومفتوحة وخالية من المحاسبات التي تبدأ بلحظة البلوغ ولا تنتهي بلحظة الموت، الله ومن خلال الثقافة التي تبثها هذه القاعدة متسامح لهذه الدرجة، بمعنى أنه لم يخلق الإنسان من أجل أن يتشفى بشيه على نار لا يخمد لهيبها أبداً، بل خلقه ليمنحه الفضاء الكافي لبناء حياته والتحكم بخياراته.
أما القاعدة الثانية فتقول بأن الأصل في السلوك البشري والحياة أنهما حرام. ويجب على الإنسان والحال هذه أنه لا ينقل قدما عن موطئ قبل أن يتحرى عن حرمة الموطئ الجديد. الثقافة التي تبنيها هذه القاعدة ثقافة مرتابة شكاكة سلبية وغير قادرة على البناء الحضاري. لأنها تنظر للغاية من خلق الإنسان من منطق الخطيئة والعقاب. والرب الذي ترسمه، رب لا يعنيه شيء أكثر من عدِّ هفوات الإنسان ومتابعة أخطائه. اللافت في موضوع هذه القاعدة أن المثقف الذي أسس لها انطلق من دليل يقول بأن العلاقة بين الله والإنسان تشبه العلاقة بين العبد وسيده، وكما أن على العبد أن لا يتصرف أي تصرف قبل أن يتأكد من موافقته لرضا سيده، فعلى الإنسان أن لا يفعل أي شيء قبل أن يتأكد من موافقته لرضا الله. والخطأ الذي وقع فيه هذا المثقف يقلب معادلة العلاقة بين الله والإنسان من كونها علاقة بين خالق ومخلوق إلى كونها علاقة بين مالك ومملوك. والفرق كبير، ذلك أن الله لم يشتر الإنسان، بل خلقه، السيد لا يشتري العبد إلا عندما يكون محتاجاً إليه، بمعنى أن الأصل في علاقة المالك بالمملوك هو حاجة المالك، ما يدفعه لأن يفرض على العبد منظومة سلوك مليئة بالممنوعات ومنسجمة مع رفاهيته على حساب نكد العبد. أما الأصل في علاقة الخالق بالمخلوق فهي الغنى المطلق ما يجعل الخالق يشرع لحياة مباحة، مؤسسة على منطق أن الله خلق الأشياء ليتمتع بها الإنسان، لا ليتحسر عليها. الغريب في الموضوع أن المشكلة لم تتوقف عند حدّ .أن القاعدة الثانية مهدت الطريق أمام عملية تحريم جميع الأشياء، بل هي أيضاً كرَّست لثقافة العبودية التي تعاني منها ثقافتنا أصلاً. وليس غريبا بعد ذلك على ثقافة تتأسس على مثل هذه القاعدة الفكرية أنها تجعل العبودية نموذجاً يحكم كل نسق العلاقات الاجتماعية. فالأبن عبد لأبيه والجماهير عبيدة لقائدها والمكلفون عبيد لمراجعهم والشعب كل الشعب عبيد بحضرة الرئيس.
الذي أخطأ بإنتاج هذه القاعدة مثقف واحد، لكنها تُتَرجم الآن لسيل دافق من الأخطاء. وهذا لا يعني بأن علينا مطالبة المثقف بالكف عن التفكير، بل مطالبة الجماهير بأن تكف عن التعامل بمنطق أنها عبيد.

 

 

القرأن الكريم


الوقت والتأريخ


القـامــوس

 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة البينة الجديدة© 2007          تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com