|
صادق
جلال العظم
ابدأ موضوعي بسؤال بسيط في ظاهرة هل يمكن بناء
مفاهيم عامة شاملة حول مبادئ مثل حقوق الانسان
وحرية الضمير والتسامح الديني وغير ذلك،انطلاقاً
من تراث خاص؟ جوابي هو بالايجاب بشكل جازم
اعتماداً على التاريخ،اذ رغم ان مفهوم حقوق
الانسان مثل الحريات المدنية وحقوق
المواطن،والديمقراطية،وحرية التعبير والمجتمع
المدني وفصل الدين عن الدولة هي ذات منشأ اوروبي
حديث وان كانت تعزى وتنسب تقليدياً الى عصر
التنوير فإنها قد اكتسبت الان بما لا جدال فيه
مغزى كلياً عاماً Univercelوان هذا المغزى الكلي
العام قد حولتها الى خير بشري مشترك(الصالح البشري
المشترك) والى انموذج معياري ملزم ومنتشر في كل
الشؤون المتصلة بالحقوق والمواطنة والكرامة
الانسانية والديموقراطية والمجتمع المدني ومحاسبة
الحكومات وما شاكل.
هذا هو ما اسميه النموذج الانساني العلماني الذي
يشتمل على مجموعة القيم المذكورة انفا، كما يشتمل
على المؤسسات والممارسات والسلوكات التي تجسد هذه
القيم وتسندها، دعوني اشدد ايضا بادئ الامر على ان
المنابع الاوروبية المحلية والمتواضعة التي نشأ
منها هذا النموذج الحديث لاينتقص او يقلل، برأيي
من طابعه الكلي العام (الشامل) او من الشكل
النموذجي الذي ال اليه لاحقا تماما مثلما ان ظهور
الاسلام على نحو متواضع في مدينتين صحراويتين
صغيرتين تقعان على تخوم الامبراطورية الرومانية
لاينتقص او يقلل من الطابع العام الكاسح الذي آل
اليه الاسلام لاحقاً ويمكن قول الشيء ذاته عن
علاقة المنابع المتواضعة المحلية التي نشأت
المسيحية عنها في منطقة مهملة بل مزدراة في
الامبرواطورية الرومانية ذاتها وتحولها لاحقاً الى
نموذج عام في هيمنتها وشموليتها.
وينبغي ان نشير ثانيا الى الخير المشترك المتمثل
في النموذج الانساني العلماني لم يتحقق هكذا
بالمجان بل جاء تحققه بطيئاً مفعماً بالالم تحققاً
ناقصاً تطلب ظفر عدة قرون وبثمن باهظ في صورة حروب
وثورات وتضحيات وعذابات بشرية كثيرة وهذا سبب وجيه
تماماً يحملنا على الاعتقاد بأن هذا النموذج جدير
بالحماية والتطوير والتوسيع اسوة بأشكال الخير
البشري الاخرى المعروفة التي باتت مقبولة كتحصيل
حاصل.
ولهذا السبب فإن سلسلة الصراعات الدائرة حول مبادئ
حقوق الانسان-لمجرد ايراد مثال واحد- انما تخاض
داخل المجتمعات والثقافات والكيانات السياسية
شرقاً وغرباً ولا تخاض حصراً عبر الحضارات
والثقافات والدول نعني انها لا تخاض كثيراً بين
الاسلام والغرب او بين اوروبا والشرق الاوسط او
بين الشرق والغرب. قدر ما تخاض داخل فرنسا وداخل
المانيا وداخل الصين وداخل الولايات المتحدة وداخل
البلدان العربية وداخل ايران وداخل اندنوسيا وداخل
باكستان وهلم جرا ولهذا السبب ايضاً نجد قدراً من
الدفاع اللفظي المعلن عن حقوق الانسان وما يلازمها
من القيوم والمبادئ في تلك الانحاء من العالم التي
تتعرض فيها هذه القيم والمبادئ الى انتهاك سافر
سيان ان كانت هذه البلدان مسلمة ام لا. ويأتي هذا
الدفاع اللفظي على لسان الحكومة والانظمة والقوى
السياسية الخارقة للحقوق. في مجرى سعيها الى تبرير
نفسها وتسويغ شرعيتها الذاتية على الصعيد الوطني
والعالمي.
يشهد هذا من جديد على الشرعية والقوة القدرة التي
اكتسبها النموذج الانساني العلماني على نحو عام
حتى في نظر اعدائه.. الواقع ان التجربة تفيدنا ان
هؤلاء الاعداء انفسهم ما ان يقعوا ضحية القمع من
جانب خصومهم حتى يلجأوا الى ما يلجأون دفاعاً عن
انفسهم الى فكرة استقلال القضاء والى مبادئ حقوق
الانسان التي تحظى بإعتراف عام مشددين بإسراف على
عمومية هذه المبادئ وشموليتها.
الواقع ان تدبيج مدونات مثل المواثيق الاسلامية او
الافريقية او الصينية او الهندوسية لحقوق الانسان
يشكل شهادة اضافية تؤكد حقيقة ان المنوذج الانساني
العلماني الاصلي قد اكتسب مكانة مزدوجة، مكانته
بوصفه الخير البشري المشترك ومكانته بوصفه النموذج
المعياري الملزم للحكم على هذه الامور والقضايا
جميعاً.
واود ان اشدد على هذه النقطة على الضد من الموقف
ما بعد الحداثي في الغرب وسواء وهو الان موضة
رائجة مريحة وموائمة هذا الموقف القائل بأن قيم
حرية التعبير والتسامح الديني واحترام حقوق
الانسان تشكل اعتق قيم الغرب وان العالم الاسلامي
المعاصر مقصي عن هذه القيم بفعل تعلقه العميق
بقيمه الخاصة التي هي النقيض المباشر لجوهر حرية
التعبير،والديموقراطية والتسامح وحقوق الانسان
والعلمانية وماشاكل.
ان هذا الموقف المتعالي السكوني اللاتأريخي
الاقصائي الذي يضع مجموعة من القيم الغربية
الجامدة (الصنمية) في مواجهة مجموعة صنمية(جامدة)
لقيم اسلامية متنافرة مع الاولى يعني اعادة توكيد
الانقسام بين الغرب وبقية العام.اولاً،واعادة
توكيد التبريرات والذرائع والمسوغات التي يتطلع
اليها قامعو الديموقراطية وخانقو حرية التعبير في
كل ارجاء العالم ويستخدمونها بارتياح كبير كتبرير
استمرارهم في ممارسة ما يجيدون ممارسته على اية
حال.
وكمثال على ذلك رأينا مشهداً غرائبياً تماماً في
المؤتمر العالمي لحقوق الانسان المنعقد في فيينا
عام 1993 يتمثل في اندفاع ممثلي اشد الحكومات
والانظمة السياسية الاستبدادية سوءاً في المعمورة
الى ان يتبنوا على نحو مباغت ونفعي حساسية ورؤية
اوروبية الى الحياة والسياسية والتاريخ والثقافة
وحرية التعبير وحقوق المرأة وحقوق الانسان وحرمة
الاختلافات الثقافية اعتماداً على مبدأ النسبية
وما بعد الحداثة والطليعية الاوروبية وقد فعلوا
ذلك اساساً بأسم الاصالة والخصوصية والمحلية
والتعدد الثقافي وموت السرديات الكبرى للتحرر
وقدسية التراث والعرف الموروث التي اكتشفوها
اكتشافاً يخدمهم بالذات وذلك لتبرير انتهاك
حكوماتهم لحقوق الانسان والحريات المدنية وحرية
الضمير وما الى ذلك.
عند هذا الحد حسبي هنا ان اذكر كلا المعنيين بأن
اعمق القيم الغرب لم تكن دوماً على غرار ما تمثله
اليوم.وان اعمق القيم الاصيلة المفترضة في العالم
الاسلامي ليست بحاجة الى ان تبقى بالصيغة التي
نراها بها الان او ان تستمر على هذا النحو وفي ضوء
النزوع الى فقدان الذاكرة التأريخي والخطاب
الاحتكاري السائد والمواقف الاصولية ازاء القيم في
ارجاء المعمورة قد يتوهم المرء ان الغرب لم يعرف
قط اية ممارسات دموية لانعدام التسامح والقمع
والتعصب الديني الاعمى والكبت العنيف لحرية القول
او ان اللاغرب المسلم مثال لم يعرف سوى التعصب،
والجمود العقائدي وكبت حرية التعبير التي تميز
سلوك الملالي والطغاة.
والان هل يتوافق الاسلام مع النموذح العلماني
الحديث؟
من جديد اظن ان الاجابة لا بد ان تكون مركبة قائمة
على التاريخ ولكن ينبغي لي اولاً ان اوضح على
الفور ان هذا السؤال مطروح على جدول اعمال التاريخ
الفكر العربي والاسلامي منذ الربع الاخير من القرن
التاسع عشر اذ شهد بداية حركة عظيمة للاصلاح
الليبرالي(الحر) والتأويل الديني المتحرر للحياة
والفكر العربي وهي حركة نطلق عليها نحن كما يطلق
عليها الباحثون الغربيون اسم:اليقظة، النهضة
،انبعاث الاصلاح الديني، التجربة الليبرالية
الحداثة الاسلامية العصر الليبرالي للفكر العربي
الحديث، وما شاكل.
الواقع ان هذه الحركة كثفت في جوفها دفعة واحدة هو
الاصلاح الفقهي-القانوني،والانبعاث الادبي الفكري
والتنوير العقلاني العلمي والتجديد السياسي
والاتيديولوجي،في آن.
وان كل من يستمد تلقينه حالياً من حركة الاصلاح
العظيمة هذه ويعتبر نفسه سليلاً ووريثاً
لانجازاتها الفكرية والاجتماعية والدينية لن يجد
اية صعوبة ابداً في الاجابة عن اسئة من قبيل:هل
يتفق الاسلام مع النزعة الانسانية العلمانية او هل
ان الاسلام والحداثة في انسجام؟ فجوابه سيكون
بالايجاب دون تردد او اشكال.
من جهة اخرى استثارت حركة الاصلاح العظيمة هذه وهو
امر طبيعي ومتوقع في الشؤون البشرية والصيرورات
التاريخية رد فعل معاكس اتخذ شكل تيار مضاد
للاصلاح وحركة اصولية اسلامية ملازمة له.
وتبلور رد الفعل هذه لحظة تأسيس حركة الاخوان
المسلمين في مصر عام 1928 وهي ام كل الاصوليات في
العالم العربي. كما في بعض البلدان والمجتمعات
المسلمة الاخرى.وان مولد الهياكل التنظيمية
الرسمية لحركة مناوأة الاصلاح في العام 1928 لم
يأت مصادفة على الاطلاق فقبل اربع سنوات من ذلك
التأريخ كان كمال اتاتورك قد الغى منصب الخلافة في
تركيا في حين ان حركة الاصلاح الاصلية كانت قد
احرزت تقدماً هائلاً وبسرعة خارقة في مصر والعالم
العربي حياة ومجتمعاً واقتصاداً وسياسة وثقافة
وقانوناً على امتداد عشرينات القرن الماضي وبخاصة
بعد الثورة المصرية الشهيرة ثورة 1919 ضد الحاكم
البريطاني الاستعماري.
لهذا السبب فإن ثلاثية الروائي المصري نجيب محفوظ
عن حياة القاهرة في النصف الاول من القرن العشرين
تصور انهيار العائلة المسلمة التقليدية الخاضعة
للذكور خضوعاً استبدادياً من دون اي أمل بإنقاذها
من السقوط وذلك بالتحديد لحظة انفجار الثورة
المصرية الكبرى عام 1919.
قاد رد الفعل الديني المعاكس هذا على نحو طبيعي
بتحديد ذاته جوهرياً وليس شكلياً بأعتباره حركة
مضادة للاصلاح مضادة للانبعاث مضادة للتنوير مضادة
للتجديد في كل واحد معاً.
والان فإن كل من يستمد معاييره حالياً من حركة
مناهضة الاصلاح هذه ويعتبر نفسه سليلاً ووريثاً
فكرياً لن يجد صعوبة كبرى في الاجابة عن اسئلة من
قبيل:هل يتفق الاسلام والعلمانية؟الخ.. فجوابه
سيكون بالنفي البات القاطع بأنهما لا يتفقان.
ترى كيف نعالج هذا المأزق، اي الانقسام بين كتلة
الرفض وكتلة القبول في دار الاسلام بل غالباً خارج
دائرة الاسلام ايضاً؟
سأحاول ادناه ان اضع امامكم ما اراه اطاراً فكرياً
واقعياً لفهم معنى هذا الانقسام وللاجابة المتعلقة
عن الاسئلة الدائرة حول توافق الاسلام مع النزعة
الانسانية العلمانية.
وفي اطار مساع لتفسير موقفي هذا سأثير هنا سؤالاً
آخر،وهو:هل كان إسلام البساطة والمساواة المجرد من
المحسنات المضافة والذي انبعث في مكة والمدينة قبل
اربعة عشر قرناً خلت والذي قاده وسير اموره النبي
نفسه وخلفاؤه الاربعة الاول،الذين يعرفون بالخلفاء
الراشدين هل كان اسلام القرآن والرسول اسلام
البساطة ذلك متوافقاً مع النظام الملكي السلالي
الوراثي الذي نشأ في تلك الامبراطوريات الكبرى
والمجتمعات الطبقية والكيانات السياسية المراتبية
في الامبراطورية البيزنطية والامبراطورية
الساسانية الفارسية عهد ذاك،حين غزا المسلمون تلك
الممالك الجبارة وهيمنوا عليها.ان الجواب الدقيق
والواقعي هو الاتي:كان الاثنان متناشزين تناشزاً
مطلقاً من الناحية العقائدية اما من الناحية
التاريخية فقد اصبح الاثنان متناغمين وقد تحقق
التوافق في فترة قصيرة من الزمن على نحو مذهل.
وفي هذه الحالة فإن التوافق التاريخي اي الاجابة
بنعم صدرت آنذاك في صيغة قيام خلافة مسلمة وراثية
امبراطورية استمرت على امتداد التاريخ بتقلباته
الصاعدة النازلة وبقيت هذه الخلافة الوراثية حتى
الغائها رسمياً بعيد الحرب العالمية الاولى.
بتعبير اخر ان المسلمين المتمسكين بالعقائد
الثابتة والحرفيين والطهريين والنصوصيين كانوا
محقين بأطلاق في زمن اولى الفتوحات العربية
إصرارهم على ان عقيدة المسلمين القوية وقتذاك كانت
تخلو من اي مسوغ يبيح توافق اسلام المدينة القائم
على القرآن وسنة الرسول والخلفاء الراشدين مع
النظام المالكي الوراثي من الطراز الامبراطوري لكن
المسلمين الذين يعترفون بالتاريخ وموجباته، هم
الذين فازوا وسادوا كما نعلم كلنا الان.
وعلى الغرار نفسه اجادل اليوم قائلاً ان الاجابة
الدقيقة الواقعية عن سؤال (هل يتوافق الاسلام مع
النزعة الانسانية العلمانية ومكوناتها؟)هو القول
ان الاثنين متناشزان اذا نظرنا اليهما من وجهة
المعتقد الجامد وانهما متسقان اذا نظرنا اليهما من
الوجهة التاريخية.
واود ان اضيف ايضاً انه حيثما جاء الرفض العقائدي
الجامدالـ(كلا العقائدية) في التاريخ الاسلامي
مهما كان صوابه في زمانه نصياً وحرفياً ليصطدم
اصطداماً مباشراً مع القبول التاريخي (النعم
التاريخية) مهما بدت هذه خاطئة وغير قومية لحظة أذ
الـ(نعم) التاريخية هي التي كانت تسود على
الـ(كلا-العقائدية) وان هذا الانتصار كان يبلغ في
غالب الاحيان نقطة الالغاء التام والحلول محل
اللحظة الطهرية.
دعوني اعيد اجابتي بصيغة مغايرة لعلها اكثر
وضوحاً:
اذا اخذنا الاسلام بأعتباره مثلاً اعلى متماسكاً
ثابتاً من المبادئ السارية سرياناً دائماً فإنه لن
يكون متوافقاً مع اي شيء آخر سوى نفسه،وبهذه الصفة
فإن شغل الاسلام سيكون ان يرفض ويقاوم ويحارب
العلمانية والانسانية حتى النهاية.مثله مثل اي دين
آخر منظور اليه من جهة الابدية.
أما الاسلام بوصفه ايماناً حياً ديناميكياً
مرتقياً ومتجاوباً مع بيئات شديدة الاختلاف ومع
اوضاع تاريخية سريعة التقلب فقد اثبت دوماً نفسه
قادراً على التوافق،بدرجة كبيرة مع كل الانماط
الكبرى من الكيانات السياسية والاشكال المتباينة
من التنظيم الاجتماعي والاقتصادي مما انتجه
التاريخ البشري ورماه في حيوات الشعوب والمجتمعات
من الملكيات الى الجمهوريات ومن العبودية الى
الحرية ومن القبلية الى الامبراطورية ومن دولة
المدينة القديمة الى الدولة القومية الحديثة
وبالمثال فإن الاسلام بوصفه ديناً
عالمياً-تاريخياً يغطي 14 قرناً قد نجح في ان
يتأصل ويمد جذوره في طيف كامل من المجتمعات
المتنوعة وطيف كامل من الثقافات المتعددة وطيف
كامل من اشكال الحياة المختفة التي تتراوح من حياة
قبائل البدو الرحل الى حياة البيروقراطيات
المركزية الى الحياة الزراعية الاقطاعية الى
الحياة المالية التجارية(المركنتلية) الى حياة
المجتمع الصناعي الرأسمالي.
في ضوء هذه الحقائق وهذه السوابق و هذه التكيفات
التاريخية الملموسة ينبغي ان يغدو جليا ان الاسلام
كان مرناً متكيفاً ومطواعاً وقابلاً للتأويل
واعادة التأويل والمراجعة على نحو لا نهائي لكيما
يستطيع ان يستمر في البقاء وان يزدهر في ظل هكذا
ظروف بالغة التناقض وواسعة الاختلاف مما اشرنا
اليه اعلاه لهذا السبب يتعين علي ان استنتج ان ليس
ثمة ما يمنع الاسلام التاريخي مبدئياً من التصالح
والتوافق مع امور من قبيل النزعة الانسانية
العلمانية والديموقراطية وبالطبع فإن سير او
ارتقاء الاسلام في هذا الاتجاه ام لا انما هو ظرف
تاريخي واحتمال اجتماعي-ثقافي يتوقف على ما يفعله
المسلمون الاحياء.المتحركون بوصفهم ذواتاً
تاريخية.
دعوني اقدم مثالاً معاصراً اخر عما يبدو لي بمثابة
ابتدائي ضمني لـ(النعم-التاريخية) على الـ(كلا)
الاعتقادية فإن ايات الله الايرانيين لحظة
انتصارهم لم يتوجهوا الى استعادة الخلافة
الاسلامية وقد كان هناك خليفة شيعي في التاريخ
الاسلامي كما هو معروف كما انهم لم يعيدوا انشاء
الامامة او نيابة الامام بل راحوا ينشئون جمهورية
لاول مرة في تاريخ ايران المديد وهي جمهورية تقوم
على انتخابات شعبية ودستور،(وهذا الاخير نسخة
منقولة عن الدستور الفرنسي لعام1958) ومجلس تأسيسي
او برلمان تجري فيه سجالات حقيقية ورئيس جمهورية
ومجلس وزراء وكتل سياسية ومحكمة عليا وهذه كلها
مؤسسات لا صلة لها بالاسلام بوصفه تاريخياً
وايماناً قومياً ومعتقداً لكن لهذا المؤسسات صلة
كبرى بأوروبا الحديثة تاريخياً ومؤسسات سياسية.
كما ان من الواضح امام انظار الجميع الان كيف ان
المبدأ الجمهوري العلماني القائم على السيادة
الشعبية والحكم الديمقراطي يتحدى تحدياً فعالاً
ويصارع صراعاً جدياً نقيضه الثيوقراطي القائم على
المبدأ الشيعي لحكم ولاية الفقيه ونقف هذه اللحظة
على مرأى من مأزق تعانيه ايران المعاصرة وهي واقعة
بين مبدأ ولاية الفقيه من جهة ومبدأ ولاية الشعب
من جهة اخرى. |