|
الديمقراطية
نظام فريد للحكم وهي في شكلها المعاصر نتاج للعصر
الصناعي، او عصر الحداثة المتميز بالعلمانية
والتمدين والليبرالية ، لقد استغرق نشوء هذه
الحقبة قرونا. في هذا المبحث سوف نتفحص المظاهر
التاريخية لهذه العملية المديدة وغير المتكافئة بل
المتناقضة وحتى المروعة فحصا يندرج في شكل سرد
للوقائع وتدقيق للمفاهيم.
التقدم والتراجع في الديمقراطية:
كانت الرأسمالية الصناعية (العصر الصناعي) في
القرن التاسع عشر لاتزال جزيرة صغيرة في خضم
محيطات الانتاج الفلاحي الصغيرة والانتاج الحرفي
الصغير... وعلى الغرار نفسه كانت الديمقراطيات
استثناءات قليلة في وسط محيطات من النظم
الاتوقراطية او السلطانية او العسكرية
(البريتورية) علاوة على الكيانات القبلية ما قبل
السياسية.
في اوائل القرن العشرين اخذت الديمقراطيات في
التراجع والسبب ان العصر الصناعي كان في ازمة،
ضحية لنموه وتفتحه بالذات.
ولما كان هذا العالم يتشكل من وحدات اساسية هي
الامم، فأن امما منفردة سقطت ضحية لازمة مستعصية
اطلقت العنان لتمردات جماعية (اشتراكية) من قوى
اليسار او قومية دولتية، من قوى اليمين.
ودشنت هذه الامم قطعية مع التقاليد الليبرالية او
كانت غير قادرة على ابقاء المؤسسات الديمقراطية
الضعيفة اصلا..
ونتيجة لذلك ظهرت الانظمة الشمولية ومقلدوها في
دول الاطراف، في تلك الفترة اخذت الديمقراطية
بالتراجع في العالم اجمع ففي عام 1920 كان ثمة
اكثر من 35 حكومة دستورية منتخبة وفي عام 1938 لم
يكن هناك غير 17.
اما في عام 1944 فلم يبق غير 12 ديمقراطية من 64
دولة قومية في المعمورة.
لقد جاء التهديد الكبير للديمقراطية من الانظمة
الشمولية اليمينية.
وتبعا لقول هوبزباوم ففي 1918- 1920 ، قامت امتان
اوربيتان بحل الجمعية التشريعية، وفي العشرينيات
من القرن اللعشرين، قامت بذلك ست دول وفي 1930
تبعت ذلك المثال التدميري تسع دول.
لقد حطم الاحتلال الالماني الكثير من الديمقراطيات
وما بقي في اوربا كان: بريطانيا وفنلندة والسويد
وسويسرا وايرلندة.
بعد الحرب العالمية الثانية عاد بناء الديمقراطية
بقوة في اوروبا الغربية في بلدان مثل ايطاليا
والنمسا.
ولكن كان ثمة تطور معاكس في طور التشكل في الوقت
نفسه: سلسلة من التحولات اليسارية المدعومة من
الجيش الاحمر في وسط اوربا، راحت تقلد روسيا
الستالينية، ومن بينها دول كانت سائرة في فلك
المانيا النازية، وقد استنسخت قبل الحرب العالمية
الثانية وبعدها نموذجين اجتماعيين متعاكسين يميني
ويساري يقومان على نظام دولة الحزب الواحد
المركزية.
مع اشتداد الحرب الباردة اخذت الكثير من دول اوربا
في اسيا وافريقيا وبعض دول ما بعد الكولونيالية
تنقلب على انظمة الحكم الليبرالية من الفترة
الكولونيالية البريطانية والفرنسية، وتتخذ سبيل
تطوير انظمة سياسية قومية عسكرية تسلطية.
وكانت القوى العظمى منشغلة تماما في صراع الحياة
والموت انشغالا اكبر من ان يصرفها الى ترف التفكير
في الديمقراطية.
كانت القوى العظمى في غالب الاحيان مشغولة في
اعداد الانقلابات العسكرية والمؤامرات السياسية
واثارة الاضطرابات من اجل تطويق بعضها البعض.
في ظل مثل هذه الظروف الملائمة للتسلطية كنظام
للحكم عززت السلطات المحلية والنخب المدنية
والعسكرية في اكثر الدول النامية سيطرتها
الاستبدادية، لذلك انكبح نمو الديمقراطية في
الكثير من دول العالم (الثالث) بفعل كوابح قوى
وعوامل محلية وعالمية.
ومرة اخرى كانت اوروبا استثناء، فمنذ 1974 بدأت
النظم التسلطية في البرتغال واسبانيا واليونان
بالتفكك حتى تداعت في الاخير.
اذا كانت موجة الديمقراطية قد بقيت محدودة المدى
بل تكسرت بفعل ازدياد عدد الدول الديمقراطية في
اعقاب الحرب العالمية الثانية 1945 فقد كانت موجة
بناء الدميقراطية بعد الحرب الباردة 1991 هائلة،
وعلى العكس من سابقتها كانت الموجة جديدة بكلمات
هتنغتون ليست اوربية بل عالمية حيث غطت حوالي 50
امة، بما في ذلك الاتحاد السوفييتي السابق وحلفاءه
الاوربيين الشرقيين واسيا وامريكا اللاتينية
وافريقيا.
وقد احتفى فوكوياما على نحو مثير بهذه الانعطافة
التاريخية وفق التراث الهيجيلي الذي يفهم التحول
على انه تقدم العقل في التاريخ وبالتالي مسيرة هذا
التاريخ نحو نهايته، وكان هذا احتفاء ايضا بروح
ادم سمث في تقدم الاسواق بأعتبارها قوة تحرر
مجانسة.
على النقيض من ذلك اعاد هنتنغتون صياغة مفهوم
العالم الجديد على وفق كلاوزفيتز بأنه حرب حضارات.
اننا الان في عالم جديد قرن جديد لقد بدأ القرن
العشرون متأخرا في عام 1917، مع ثورة اكتوبر لكنه
انتهى مبكرا في عام 1991 مع انهيار الاتحاد
السوفييتي.
انتهى القرن العشرون قرن المستعمرات والشمولية
والدولتية- الفاشية التي تمردت على اختلالات
وانتشار العالم الصناعي..
واذ تبدو هذه التمردات غير مجدية بل دامية ورهيبة
فقد كانت في الحقيقة اشارات تحذير ضرورية على ان
النظام الصناعي يفتقر للتوزان، وانه كان بحاجة الى
اعادة تنظيم، دعونا ننظر عن كثب.
المصادر الكبرى للتمرد على الديمقراطية:-
تكشفت المجتمعات الصناعية الحديثة الولادة عن ثلاث
مشاكل رئيسية : اولا التوزيع غير العادل للثروة في
المجتمع مشفوعا بتصدعات وانقسامات اجتماعية حادة
وثانيا علائق مختلة او غير متوازنة بين الدول
القومية يفرزها الى رابحين وخاسرين وثالثا التوسع
الامبراطوري اي نشوء المستعمرات (الكولونيالية)
التي اذكت النزعات القومية الكارهة للاجانب
وسنناقش ادناه هذه المظاهر بالتتابع.
اكدت الليبرالية الكلاسيكية على الحريات
الاقتصادية والسياسية الفردية بوجه الدول
الاوتوقراطية التدخلية (زمن الاقطاع).
خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كان المفكرون
الاقتصاديون الليبراليون مثل ادم سمث، او
الفيزيوقراطيين الفرنسيين، يدعون الى حرية التجارة
والاقتصاد، لكنهم لم يدافعوا عن حرية التجارة
فحسب، بل دعوا ايضا الى حكومة الحد الادنى.
وقد وضع سمث حجم الحكومة تحت رحمة قوانين العرض
والطلب.
ومنذ مطلعي القرنين السابع عشر والثامن عشر، راح
المفكرون السياسيون الليبراليون يشددون على حقوق
الانسان الجوهرية، (مثال ذلك فلاسفة العقد
الاجتماعي) ويشددون على كوابح وتوازنات لمنع الحكم
الاوتوقراطي (حكم الفرد الواحد).
ان اطروحات جون لوك في الحكم لا تزال تمثل المبادئ
الاساسية للحكم الديمقراطي: الحكم بالرضى وحكم
الاكثرية، اما تقسيم السلطات والمؤسسات الوسيطة
التي بحثها مونتسيكو فأنها تؤلف المكونات البنوية
للحكم الديمقراطي.
ادت تقدم الليبرالية الى منح حق الانتخاب للطبقات
المالكة اول الامر، بينما افتقر التقدم الصناعي
طبقات الفلاحين والحرفيين.
وبالتوافق مع الفكر الليبرالي ولكن ايضا على الضد
منه، وسعت المدارس الجماعية (الاشتراكية)
الكلاسيكية في القرن التاسع عشر على نحو راديكالي
(وربما قبل الاوان) المبدأ الليبرالي في الحرية
السياسية والمساراة ونقلته الى المجال الاقتصادي،
مؤكدة تعايش وتصارع الاضداد بين الفرد والجماعة او
بين المصلحة الخاصة والعامة.
كما هاجمت الجماعية القاعدة الاجتماعية الضيقة
لديمقراطية القرن التاسع عشر، التي استبعدت الطبقة
الرائعة، من الفئات الحضرية وغير المالكة كما
استبعدت النساء عن المشاركة السياسية.
كانت المدارس الديمقراطية مهتمة بتوزيع وتنظيم
السلطة السياسية. اما المدارس فكان اهتمامها ينصب
على توزيع السلطة الاقتصادية (الثروة). |