القائمة الرئيسية

الاولــــــــى

الافتتـاحيـة

الثــــــانيـــة
السياسيـة
محليـــــات
تحقيقـــات
الثقـافيـــة
حـــــــوارات
طب و علوم
مــقـــالات
الـــريـــاضــية
الاخــيـــرة

القائمة الثانوية
الاتصال بنا
الارشـــيف
كاريكــاتيــر

 

    
البينة الجديدة جريدة يومية سياسية عامة                                                                                                                                               رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين العراقيين (134)                                                                                                                      رقم الايداع في دار الكتب والوثائق (970) لسنة 2007

  السنة الثالثة العدد (519) الثلاثاء 2008/2/5م ـ 27/محرم/ 1429 هـ

انـفـلات متـغــير

 انقلبت الحياة رأسا على عقب في ظل تغييرات ومتغيرات غير محسوبة ليس فقط من قبلنا فحسب وانما ممن قام بالتغيير نفسه.
فالمفاجآت وردود الافعال غير المتوقعة كشفت عن الجهل التام بما يلي التغيير وفعله وتلك مثلبة على ادعياء الاستراتيجية (الخمسينية) على حد قولهم حين يضعون خططهم الخاصة ببلدانهم.
هذا الازدواج واؤكد انه كذلك هو الذي دفع بنا الى هاويات القدر، فمن مضطرب محدود الى اضطرابات وصراعات وتشابكات وتداخلات وتدخلات ومن ثم الى ضعف وهوان.
هذه الصفة الواقعية التي تتصف بها حياتنا كانت محصلتها (الشبه نهائية) هذه الانزياحات وتدحرج المتسقات والثوابت سواء كان على مستوى الظلال المعنوية من سلوك واداب وتعاملات يومية طبيعية او على مستوى النتاج الفكري الانساني فهو الاخر شديد التأثر بالاتجاهات المتخلفة عن زمن التحضر التي تطالب بالعودة والرجوع الى منظومات سابقة يصعب اعادتها من جديد تحت اي مسمى.
ووفق هذا التدني والعزوف عن تبني فلسفة الارتقاء تسدى البناءات الفخمة وتؤول الى اسسها السطحية تاركة خلفها رمادا يصعب على المنتج الانساني المثقف اختراقه ببصره وبصيرته، مما اضطر الى ولوج سبل لانهايات لها وخالية من اية علامات او دلالات واضحة المعالم، وهنا يبرز دور المؤسسة الرسمية المسؤولة الاولى عن تحديد المسارات والاتجاهات الحقيقية بتبني مشروع عمل مدعوم من السلطة العليا ، على ان تدرج ضمن موازنتها العامة التخصيصات المالية اللازمة لغرض تقويمه والسيطرة عليه، ووفق ما تقدم لايمكن لاي منجز انساني ان يحقق اهدافه دون وجود راع يتبناه بقوة ليتحدد بذلك ما يصبو اليه من تحقيق اهدافه ذات المردود الانساني النبيل.

متحف مونبرناس الباريسي.. يحتفي بالفنانين العراقيين

 ربما يعتقد المشاهد الفرنسي أن جمع هذا العدد من النصوص التشكيلية العراقية المعاصرة، بأكثر من مائة تجربة في الرسم والنحت والخزف وبمشاركة [43] فنانا ولقرن من الشغل المتواصل مهمة لا تنفذها إلا مؤسسة حكومية أو رسمية، ولكنها لم تنجزإلا بجهود شخصية قام بها فنان كرس حياته لهذا المشروع (منذ أسس قاعة أثر) عام(1996) وهو الفنان محمد زناد، وإن هذه المهمة لم تأت إلا بجهد استثنائي بذله الفنان في تنظيم وإعداد أعمال هذا المعرض وباتفاق خاص مع إدارة متحف [مونبرناس].
في الوقت نفسه لابد أن نثبت، هنا، أمام أعمال هذا المعرض، إن ذاكرة التشكيل العراقي كانت قد تعرضت، بعد الحرب في عام 2003، إلى مأساة حقيقية. فقد تم تدمير ونهب وحرق وسرقة سبعة آلاف نص فني دفعة واحدة، وهو الذي جعل مهمة الفنان بالغة الصعوبة بانتقاء الأعمال لندرتها أو تعرضها للتلف أو استحالة معرفة وجودها، إضافة إلى طبيعة الحياة اليومية المعقدة والمتسمة بالاضطرابات والمعرقلة لكل جهد جاد في إنجاز المهمة. إن جمع هذا العدد من الأعمال المختارة كان بمثابة جهد كبير جدا كي يشكل شهادة لجهود طويلة وهي إشارة تنم عن فعل البناء وتحدي المستحيلات اليومية والواقعية أيضا.
إننا، هنا، أمام ذاكرة مزدوجة: ذاكرة ترتد إلى الوثيقةـ والتوثيق، وذاكرة مازالت ـ أمام تيارات ما بعد الحداثة وصولا ً إلى صدمات العولمة ـ تمتلك ديناميتها. انه ليس غريبا ً أن تكون القاعدة الراسخة لحداثة التشكيل العراقي قد تلقت دروسها البكر في فرنسا. فالأسماء الرائدة : عاصم حافظ / جواد سليم / فائق حسن / خالد الجاد ر / شاكر حسن / جميل حمودي / نزيهة سليم /إسماعيل الشيخلي/ صالح القره غولي.. وغيرهم من الأجيال التالية، حملت وفاء ً لنمط حواري معاد ٍ لسياسات الغالب والمغلوب فقد رسخت هذه التجارب نظام التوليف والتحاور بعيدا عن الاستنساخ. فقد كان اثر الحداثة دالا ً على خطاب ما بعد إمبريالي، مستندا ً إلى عناصره الجمالية والفنية بما امتلكه من خزين وخبرة وتطلع لم يتوقف عند الأثر.
مهما بدت الانشغالات بصياغة النصوص متباينة، فانها لا تؤكد مبدأ التنوع على حساب التجريب، بل حتمية التجاور والتجانس. فقبل قرن، لم تكن هناك حركة فنية.. ولم يكن حتى متحف الآثار قد تأسس. فلم تكن الحياة الثقافية تمتلك فائضا ً للانشغال بالفنون والخطابات الثقافية. لكن صدمات التحديث ستتسلل بخفة وبعيدا عن الذائقة العامة. إن هذا المعرض،برمته، وبمختلف مراحله الزمنية، يمثل استجابة لتحولات لا على صعيد الحوارات الحضارية فحسب، بل ولمعرفة ما الذي يمكن عمله تجاه مصائر مكثت تتحرك في الفضاء.
إن التباين الأسلوبي، بين التمهيدات وحتى انتصاف القرن العشرين، وبين جيل حقبة الستينيات، ستمهد لوثبات وانخلاعات ومغامرات اقل عناية بموضوعات الفن، وهي التي ظهرت خلال ربع القرن الماضي،بالبحث عن حلول داخل حدود المغامرة الفنية. لقد تجسدت نزعة النص والتجريب في سياق يوازي دراميا ً التحولات الاجتماعية والدولية. فالتماثل انحسر بعد أن كان جيل الخمسينيات قد عمل على بلورته. ثمة صراع حدد سمات الاختلاف لا على صعيد المراحل فقط، بل على صعيد الأفراد . هل قسمنا المعرض إلى ثلاثة تيارات لها حدودها الأسلوبية، مع إن إشكالية ( الجذور ـ المخيال ) أو ( الذاكرة ـ المستقبل ) مكثت تشتغل بإزاء ما يحدث عالميا ؟ كانت إشكالية الهوية قد تبلورت مع جماعة بغداد للفن الحديث، كرد فعل مغاير لنصف قرن من الهواية .. ولم تكن شرعية ( الهوية ) بلا أسباب .. فالتصادم ألمفاهيمي له أسبابه، وهو الذي أدى لتأمل مفهوم صيرورة الموروث، والإحياء، والتركيب.. وقد قاد جواد سليم وجماعته هذا التيار. وعلى الجانب الأخر منه، مكث فائق حسن اقل انشغالا ً بالأفكار. ولكن أثره في الرسم رسّخ عادات لا تنفصل عن حداثة التشكيل في العراق، وهي التي، مع جواد سليم، شكلت تمهيدا ً لمغامرات أسلوبية أطلق عليها بجيل الستينيات وثمة تجارب أكثر نزوعا إلى الشكلانية،لم تكن تمهيداتها غائبة في تجارب الرواد ـ أو في الفنون العراقية القديمة ـ وإنما ذهبت حد القطيعة معها لدرجة انها بدت منفصلة عنها. ولقد قال إسماعيل فتاح كلمة مؤثرة حول النحت العراقي الحديث : جميعا ً مررنا من تحت نصب الحرية. ولكن هذا المرور جاء كجواز سفر أو تأشيرة تزكية. فالفن بعد هذه الحقبة وحتى اليوم مازال اقل استقرارا ً وأكثر رغبة بدفع الخطاب خارج عاداته التقليدية.
انها حصيلة تعيد السؤال ذاته : الوعي بماذا ؟ إن مئات النصوص أنتجت وبغزارة خلال العشر الأخير من القرن الماضي، حيث كانت أكثر من [ 40 ] قاعة عرض تعمل بصورة متواصلة، فضلا ً عن أعداد غير قليلة كانت تعمل خارج الوطن .. إن السؤال : هل كان سينتج هذا كله بعيدا ً عن محركات بلا مغزى؟
أعمال الخزف، ربما أكثر صلة بالمكان والشخصية، بينما النحت يأتي مكملا ً للمدينة،كمدينة مازالت محاصرة بين ذاكرة أسطورية ومغلقة في الغالب، وبين مراكز معاصرة مشغولة بما بعد الحداثة وصولا إلى عولمة مثيرة للأسئلة والإرباك، بينما توضح معظم أعمال الرسم عن مجال اقل تزمتا ً وأكثر تجانسا ً مع التيارات السائدة في عالمنا. إن هذه الأعمال تسرد صمتها بالعناصر ذاتها المشتركة بين الفنون، لكنها، وفي حدود بلدان انشغلت ( وشغلت ) طويلا ً بالفتن وهي خاضعة لتنميات التخلف، عملت بما يجعل الفن ـ كالحرية ـ هاجسا ً للتكامل والحوار والامتنان. فالبيئة حد تحولها إلى رموز، والتاريخ حد تحوله إلى أساطير، والمشاغل درجة تحررها من الانغلاق، تظهر بمعالجات تقنية لها حدتها ومرونتها وغموضها وبذخها الجمالي أيضا:فالذاكرة هنا تعمل إلى جانب لا حافات الأحلام والأمل.
* التلقي والنص والذات:
في أوج حداثات أوربا صخبا ً، كان رواد التشكيل العراقي ـ والعربي عامة ـ يتلقون أولى معارفهم الفنية .بيد ان وثبات شبه سحرية، ومنذ منتصف القرن الماضي، جعلت التلقي يغدو منتجاً له ملامحه وشخصيته حتى عبر المغامرة والتجريب. لقد شخص عدد من النقاد الأجانب ذلك. فقد كانت عواصم أوربا الكبرى ( باريس / روما / لندن مثلا ً ) وفيما بعد موسكو ووارِشو وبكين وعدد من المدن الأمريكيةـ تشهد مرحلة نضج وتنوع لم تبخل ببذر انباتاتها غير المباشرة في ذاكرة طلاب الفن وتوجهاتهم .. فلم يتم استعارة أساليب كاملة، وإنما كان للمناخ الحداثوي أثره المزدوج أيضا ً : من جهة تبلورت مفاهيم حديثة للفن، بكل نزعاتها، وتقنياتها، ومن جهة ثانية راح الفنان يتلمس شخصيته بتأمل متحفه القديم، والشعبي، إلى جانب الاحتكاك بالبصريات المباشرة وتفكيك البيئة مع تحرر من تقاليد التشخيص. فالحداثة لم تكن محض تأثيرات مباشرة في الأساليب والاتجاهات فحسب، بل وعي لمصائر أكثر صلة بتيارات شمولية. فبعد عودة عشرات المبعوثين للدراسة من أوربا، بعقد أو عقدين، لم تشكل الازدواجية إلا طريقا ً وحيدا ً لفنون ما بعد الحداثة. فإذا تم اخذ الأساليب الملائمة، فان تحوير الموروثات والمرجعيات القديمة والأشكال التقليدية ـ كالأساطير والرموز والحروف والعلامات ـ هو الآخر أدى بالخطاب إلى التحديث وصولا إلى أهداف متجانسة مع الاحتفاظ بعدد من الخصائص المحلية..وقد لا نجد هذا واضحا ً في تجارب ربع القرن الأخير، كما في التجارب السابقة، لا بأثر الأسواق الفنية العالمية وتأثيرات الخطابات الغربية فحسب، بل حتى على صعيد المواد الخام المستوردة أيضا ً . وهنا تتحقق معادلة من اعقد المعادلات. كان أندريه مالرو قد كتب مقدمة للفن السومري منبهرا ً حتى انه تساءل ماذا سيفعل رواد الحداثة بفنون ترجع إلى الألف الثالث قبل الميلاد بما تمتلكه من عالمية الخطاب وقوة التعبير، وهو ذاته الذي جعل من تجارب أوائل القرن الماضي للفنانين العراقيين أمام حداثات أوربا ومغزاها في الاستجابة ببناء التجربة بطرق لا تفقد جذورها من ناحية، كما لا تذهب ابعد من خبرته وتقاليده الوليدة من ناحية ثانية.

شعر  أحاول دحرجة الايام

فرح الدوسكي
أنظر اليك بأرتباك
يابغداد
من ثقب عباءة الغرباء
أرى ممالك الفقراء
مفتونة برواية .. لاتستيقظوا
قبل أن تأذن لكم الجماجم..
أبحث عن نفسي
عن رآيتي وحكايات الجسور
تدخلني متاهة
الرفض لكل حلول المرور
أرجع خائبة
أنوح على كل أماكن الآلآم
فتحملني مواجعي
كي تستعيد أحتراقي..
أستلهم من الوقت ماتبقى
ليغزل من روحك صباحاَ
يطفىء ضباب الغمام عنك
أفتح مجرى الحنين
واسرار التحدي
لكل التفاصيل
وحكاياتي..
أعرف حزنك
وانت تعبرين
على عواصفك
ترتجف ستائري
يرتجف ورقي
أشعر بجفاف قلمي
أتشبث بنبضي ودمي
أوغل بخوف زبيدة منتحبة
يتركني منهوباَ
أرتطم بسور بعيد..
ملامح وجهك
رمال عطشى
وغيمتك حبلى
بوحشة الموت
تزحف صوب عصافيري
هواؤك الصباحي
يقفز على الصغار
في أماكن أراجيحهم
ليلتحفوا بأوراق الاشجار
وبالموج المتكسر
على نهر دجلة .. 

 قصة قصيرة سـرقتـهــا الـريـــح

 بسام الطعان
حدائق نارنج, تسقسق فيها سـواقي الحب كانت لنا الدنيا يا زينب, ولكن دون سابق إنذار, وفي يوم من أجمل أيام العمر, تغيّرت الدنيا, أخذت منا ولم تعطنا, هزتنا ولم تهدهدنا, ثم حكـت لنا حكاية حزينة, وحولتنا أنت وأنا إلى مظلومين فيها, فأي منطق ؟ وها أنذا الآن يا زينب, أدور مثل يعسوب في الأزقة والحواري, في الليل والنهار, وقد مزقت بذلتي السـوداء , وربطة عنقي التي كانت بالأمس زاهية الألوان, وها أنا حافي القدمين, أدور ولا أذكر ولا أتذكـر غيرك, أمشي بخطوات مجنونة, وأحيانا أركض, أتحدث إليك والى نفســـي وخيالاتي, ولا أرد على الأفواه التي تتأسف عليك وعليَّ يا زينب.
اتركوه وشأنه, مصيبته كبيرة كان مهووساً بها.
يا له من مسكين, إلى متى سيظل على هذه الحال؟
بل يا له من أبله, من أجل امرأة لا راحت ولا جاءت فعل بنفسـه ما فعل" آاااااه, آه يا زينب.. حلمت بك منذ سنوات طويلة , وببيت صغير يجمعنا ولا يتسع إلا للضحك وباقات العشق وتبادل الشفتين, كبرت وكبر حلمي في قلبي, وكنت كلما ألتقي بك, أنظر إلى جسدك المليء بالثمار الحلوة, وأرسم تفاصيله بجملة لم أعــرف غيرها:" أحبك يا زينب". من بعد طول انتظار وتعب وصبر مجلجل, ركبنا السيارة المزينة بالورود والشــــرائط الملونة, لتأخذنا إلى ليلة العمر, وكان العطر يفوح منا ويختلط بالشهوة والشوق نحو غرفة نومنا التي انتقيناها معاً في صباح ربيعي بديع. كل الأحــبة كانوا من حولنا , وكانت الزغاريد ترتفع في الفضاء كعصافير ملونة , وآن احتوانا المقعد الخلفي , صـنعنا كتائب من بهجة, وتبادلنا الهمسات وباقات القرنفل الأحمر والأبيض, ورغما عنك وعني, تعانقت أصابعنا, لكنها لم تستطع أن تخمد حممنا, وبقيت نظراتنا لا تفارق اللوحات الزاهية المرسومة على وجـهينا, وتنتظــر انتهاء الســـاعات القليلة لتهرول نحو أعطاف بيتنا, ليتم التلاقي بين قلبينا وجسدينا يا زينب. كم كانــت الدنيا جمـيلة ونحن في طــريقنا إلى النادي المليء بكل أصناف الفرح, كنا نمارس عشقنا, همساتنا, ابتسـاماتنا, وضحكاتنا الخافتة, ولا ندري أننا في طريقنا نحو الهاوية يا زينب. على الطريق الســريعة, وقبل أن نصل إلى البلدة بعشرة كيلو مترات أو أكثر بقليل, جفت جداول العسل على خديك.
قلت وراحة كفك ترتاح فوق صدرك:
ـ أشعر بوخزات حادة في صدري.
لا أدري ماذا أصابني, غير أنني قلت:
ـ يبدو أنها تشنجات فلا تخافي.
ظل الألم يعشقك كما عشقتك يا زينب, فاصـفـّر وجهي, خاف كل عضو في جسدي, طلبت من السائق أن يسرع, وأسندت رأسك إلى كتفي الأيمن:
ـ لا تخافي يا حبيبتي, ستكونين على ما يرام.
بعد لحظات, صار وجهك ممغنطاً بالشحوب, سقط رأسك على ركبتيَّ , تبعثر جمالك, وتبعثرت معه رقتك الماسية , شعرت بأحلامي كلها تتهاوى, خفق قلبي على نحو لم يسبق حدوثه من قبل, في لحظة مبهمة, لكنها مكثفة, رفعت رأســك, هززته برفق وحنان, ناديتك بحبي الكبير فلم أسمع غير شهقة خافتة كنداء غريق في بحر متلاطم الأمواج. كان السائق يطير على الطريق ولا يسـتجيب لاشارات الآخرين, وكانت نداءاتي تتوزع في حقول الحنطة, وأنت يا زينب, سافرت كغيمة مليئة بالمـطر وتركت حقول قلبي كلها عطشى , كيف استطعت أن تفعلي ذلك يا زينب؟ كيف..؟ كيف..؟ قطعنا كل المسافات برقم قياسي, ومن خلفنا الموكب بكل سياراته وشخوصه, وأمام المشـفى , ركض الكل باتجاهنا, وبدأت الأفواه تتساءل بدهشة لا توصف: ـ ماذا حصل؟
لأكثر من ساعة وجسدي يمتهن الهذيان, بينما الآخرون يرسمون صور الفوضى ويتلون الأسـئلة, وحين خرج إلينا الطبيب, نبتت في الصدور أشواك من نار أحرقت القلوب, وحولت المشــفى إلى ناد للنحيب.
كيف تجـرأت الريح أن تسـرقك وأنت ترتدين ثوب الزفاف يا زينب؟ قولي لي أرجوك, هل أحلم وأنا نائم إلى جانبك في سريرنا المذهب؟ أم أسير في صباح ميت مثلي مع كل أبناء البلدة في موكب عرس أردت أن يكون لك وحدك؟ أبدا لم أرفع نظراتي عنك وأنا أذرف الدموع , أكتم صـرخاتي والألم يفتت شــراييني , وفجأة رفعت رأسك من فوق الأكتاف, أرسلت نظراتك إلى الوجــوه الكثيرة, اصطدمت نظراتك بوجه أمك وهي ترفع غطاء رأسـها الأبيض, تلوح به, تولول حيناً , وحيناً ترشك بمواويل حزينة, فقلت وأنت تبتسمين:
هل رأيت مثل هذا العرس من قبل يا أماه؟"
ثم أرسلت نظراتك اليَّ, ابتسمت مرة أخرى, وأشرت لي أن آتي إليك, فما كان مني إلا أن هتفت بطيبة اسمك وهرولت نحوك , اقتربت منك والكل شاهد على فرحتي, لمست الصندوق الأخضر, وقلت بصوت مبحوح:
ـ توقفوا.. أنزلوها فهي تريدني.
أمسك بيدي أحدهم ولم يعطني مفتاحا أفتح به باب الهدوء, أراد آخر سحقي فوق صخور لا مبالاته, رجوت الجميع أن يستجيبوا لي لكنهم لم يفعلوا, فأعلنت احتجاجي, أطلـــقت دوي انفجاراتي, وحين أبعدوني عنهم وتابعوا سيرهم, جحافل الغضب سيطرت عليَّ, فلكمت كل البرابرة الظالمين الذين نصبوا بيني وبينك جدارا من صدور ورؤوس .
وانفتحت الأفواه من جديد:
لقد جن المسكين
لو كنت مكانه لأصابني ما أصابه وربما أكثر
مصيبته كبيرة
فعلا المصيبة كبيرة
دعوه يفعل ما يريد, تابعوا سيركم
مع الأيام سينساها ويتزوج غيرها
أنساها؟! كيف سأنساك يا زينب؟ تابع الموكب طريقه بهدوء, وتركني الجميع على قارعة الطريق , فلم أر أمامي غير الجن والعفاريت وهي تضحك وتسخر مني , ظل جسدي يرتجف, وكلماتي الغريبة تطير في كل الاتجاهات , ولا أعرف متى وكيف عدت إلى الأزقة والحواري, وكنت كلما أرى شخصاَ أركض إليه واسأله:
ـ هل تعرف إلى أين ذهبت زينب؟
ـ زينب سرقتها الريح . كنت أجيب قبل أن يرد , ثم أركض وأركض وأركض حتى التعب.

المثـــقَــف والمثـــقِـــف

 صلاح بصيص
مصطلح المثقف يرتبط بمن يباشر فنا من الفنون الفكرية، او بمن يحمل نصيبا منها، لذا فهي تُطلق على الكاتب والشاعر والفنان والعالم والمعلم، وغيرهم..
الثقافة مفهوم عام يتجسد بشخوصه ولا يوجد، كالفاكهة فهي موجودة فقط من حيث مصاديقها(جميع الفواكه) ولكنها غير موجودة، فاستحالة اطلاقها على الذات بتجرد الا من خلال مصاديقها، لذا فهي لا تصلح ان تكون مهنة يمتهنها الناس لذاتها ليتقاضوا عليها اجرا...فالشاعر ان امتهن الشعر وتقاضى عليه الاجر فلأنه شاعر، وكذا غيره... فهي-اي الثقافة- منظومة فكرية تشبه في تعريفها الفلسفة رغم انها اعم واشمل؛ لإن الفلسفة تختص بنوع واحد من العلوم بخلاف الثقافة التي تشمل حتى الفلسفة، وانما شبهناها من باب سلاسة التعريف وتشابه الاثنين(المثقف والفيلسوف) في حب العلم والمعرفة والحكمة، وهو غاية ما يطمح اليه المثقف، او على الأقل ما يستحق ان نطلق عليه بـ(المثقف) مع مراعاة القدم والحداثة في المنتوج الثقافي، وتقبل المطروح كمادة تثقيفية.
فالمثقِف (بكسر القاف) هو من يملك المساحة والرأي والتأثير، بعكس المثقَف (بفتح القاف) الذي يحتاج دائما الى من يغذيه حتى لو كان قارئا جيدا، ليستطيع الحصول على المساحة وليكون له رأي ويكون مؤثرا.
فالتثقيف يعني التأثير، تأثير اللاقي على المتلقي، فالأول لأنه يملك ما تقدم من شروط المثقِف والثاني هو المساحة الخصبة التي يؤثر بها اللاقي وقد تحمل نفس مصاديق الأول فيدخل بضمنها الشاعر والكاتب والقارئ الجيد والفنان والأديب، طالما لم تتوفر لديهم شرائط التثقيف.
وينفرد كل مثقِف(بكسر القاف) بخصوصية ثقافية يطلع عليها المتلقي حتى وان عاكست ميوله واتجاهاته لزيادة رصيده الثقافي وحتى يكون قادرا على تكوين قوة رفض او قبول المادة الثقافية المطروحة، فاذا ما قرأت مبدعا بوصف الجمال يتفاوت هذا الوصف بين القبول والرفض اذا ما كانت مطروحة بوعي المتلقي المطلع على ثقافات متعددة. فقد تطلق صفة المثقف الوقتي على النوع الأول من المثقفين(بفتح القاف) لان انقطاعه او تلكؤه او تباين ما يطرحه يجعل الحكم عليه مطابقا، ولكن استحالة اطلاق صفة الوقتي على المثقِف(بكسر القاف) لانه شغل المساحة المتوفرة وامتلك الرأي وكان مؤثرا، حتى وان لم يكن متوافقا مع ثقافة البلد الذي ينتمي اليه كـ(الشيوعي في بلد مسلم او العكس)...
واقصد بالمساحة ليس فقط كثرة القراء والمتأثرين، بل حتى من وجد لنفسه المساحة المضمونة لطرح نتاجه الثقافي كالصحف والمواقع والمنتديات، وهذا بالتأكيد خلاف من تصنعه المساحة المضمونة فهناك فارق كبير في انك توجد المساحة الخصبة المضمونة نتيجة ما تطرحه من مادة ثقافية(مثقِفة) وبين ان توجدك المساحة المضمونة.
فلا وجود لمثقِف وقتي لانه توقف عن الكتابة، او الشعر، لأن الشعر والكتابة لا تتقوم بهما الثقافة بل هما من اجزائها وانتفاؤهما لا ينفي كامل الصفة اذا ما سلمنا ان الشعر والكتابة هما ممن يستحق ان نطلق عليه صفة المثقِف(بكسر القاف).
أقول ان الثقافة تقسم رجالاتها الى قسمين مثقَف(بفتح القاف) ومثقِف(بكسر القاف) والثاني ادق بانطباق الصفة عليه، بخلاف الثاني الذي يكون دائما وقتيا لحين استكمال شروط المثقِف.
والثقافة بعمومها تشبه الفلسفة كتعريف، ولكنها اعم واشمل من حيث شمولها حتى للفلاسفة وغيرهم، وهي ليست حكرا على نوع معين دون الاخر، فليس بالضرورة ان يكون الكاتب مثقِفا، الا بعد ان يستجمع شروط التثقيف...والفيصل بين الاثنين (المثقَف والمثقِف) هو المساحة والرأي والتأثير.

شـعـر في الحانة السوداء

 هاشم تايه
الوحيدة
في سوق الديوك
أجلسُ بلا نديم
على حجر
يقرعُ النادل
مذياعَهُ بنعل
من أجل أغنية
ويقبل عليّ
بكأس فارغة
حين تمضي الأغنية
إلى الرّمق الأخير
ابتلع الكأس
وأنسلّ
إلى
حلبة الديوك...
حين صرعتْهم الأحلام
تماماً
في تلك الليلة التائهة
وضعتُهم واحداً بعد آخر
في صندوق
يشبه صندوق الله
وبلونه الحزين...

 

 

القرأن الكريم


الوقت والتأريخ


القـامــوس

 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة البينة الجديدة© 2007          تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com