|
البصرة
/ البينة الجديدة
على مقربة من جزيرة السندباد التي تقول قصص ألف
ليلة وليلة أن السندباد انطلق منها تاركا وراءه
البصرة ليخوض مغامراته الشهيرة أنشئ أول ميناء
حديث في البصرة، وكلما مر العراق بمتواليات
الازدهار والخراب، كان ميناء أو موانئ البصرة أول
المتأثرين بها
يقول معاون مدير الموانئ الأسبق والخبير البحري
كاظم فنجان االحمامي في عام 1919بدأت الشركة
العامة لموانئ العراق بالعمل وبشكل محدود إذ كان
الميناء حينذاك عسكريا وتابعا للقوات البريطانية
الموجودة في العراق، وكان موقعها في جزيرة
الصالحية مقابل الكورنيش ."
وأضاف "وظلت الموانئ العراقية تراوح في مكانها،
حتى ثورة تموز عام 1958إذ شهدت قفزة نوعية هائلة
بعد تسلم اللواء الركن مزهر الشاوي إدارتها في نفس
العام للحد الذي تبوأت فيه المرتبة الأولى في
العالم وتفوقت على كل الموانئ."
اللواء الركن مزهر الشاوي من الضباط الأحرار الذين
قاموا بثورة تموز1958 وكان من المقربين لقائد
الثورة عبد الكريم قاسم ولأهمية الموانئ بالنسبة
للدولة العراقية إذ كانت تعتبر نموذجا خاصا وتسند
مسؤوليتها إلى المقربين من الحكومة من الذين
يتمتعون بالقوة والكفاءة، استلم مزهر الشاوي إدارة
الموانئ لخمس سنوات من 1958 إلى 1963 .
وأوضح الحمامي أن "سبب ازدهار عمل الموانئ
العراقية زمن استلام مزهر الشاوي لمسؤوليتها، هو
استقلاليتها تماما عن إدارة وزارة المواصلات
والتقاطعات السياسية آنذاك، كما كان مجلس الإدارة
فيها يضم العناصر الكفوءة والفاعلة وتوظيف واردات
الموانئ المائية في تحديث الأسطول البحري وتوسيع
الورش الهندسية والفنية، وبناء الوحدات السكنية
الكبيرة لمنتسبي الموانئ ومدارس ومستشفيات ورياض
أطفال ومرافق ترفيهية كالحدائق والمتنزهات
والنوادي وتحسين ظروف العاملين فيها.
وتابع "كما تم التخطيط لبناء ميناء أم قصر وميناء
خور الخفقة، بعد بناء الميناء العميق ( 130 كم
جنوب البصرة)."
ويقع ميناء خور الخفقة النفطي في رأس الخليج
العربي، وهو مخصص لرسو وتحميل ناقلات النفط، وكذلك
ميناء خورالعمية المخصص لنفس الغرض.
وأشار إلى أن ميناء أم قصر هو أول إطلالة عراقية
على الخليج العربي من جهة خور عبد الله، وكانت
الموانئ الخليجية حينما تمر بمعضلة بحرية أو
مينائية، ترجع إلى الموانئ العراقية للاستشارة.
ولفت الحمامي إلى أن الموانئ العراقية كانت تقوم
بتنوير الفنارات والعوامات وعلامات الدلالة
والأبراج من مضيق هرمز حتى ميناء المعقل.
يقع ميناء أم قصر بالقرب من الخليج العربي على بعد
(75) كم من المدخل الغربي لمدينة البصرة . وبسبب
زيادة التبادل التجاري في تلك الفترة وحصول اكتظاظ
في ميناء المعقل، دعت الحاجة الى التفكير بإنشاء
ميناء جديد، وكان لقرب منطقة أم قصر من الخليج
العربي وعدم إمكانية مرور البواخر الكبيرة
بالقنوات الملاحية في الممر الملاحي السابق، ولعمق
المنطقة مما يساعد في استقبال بواخر ذات غواطس
اكبر من ميناء المعقل أدت تلك الأمور الى بناء
الميناء الذي تضمن في حينه ثلاثة أرصفة خراسانية
حديثة بواجهة كلية قدرها (640م). وأردف ألحمامي
"وفي هذه الفترة امتلكت الموانئ العراقية اكبر
أسطول للحفارات والساحبات والشعب الخدمية وانفتحت
على الكليات والمعاهد البحرية العالمية وخصوصا
الأوربية منها، وأرسلت أعدادا كبيرة جداً للدراسة
في أوربا لا في الاختصاصات البحرية فحسب بل في
الاختصاصات الطبية والهندسية بكل فروعها."
ومضى في القول "وبعد مرحلة مزهر الشاوي التي انتهت
في عام 1963 مشت الموانئ بذات النفس ولكن بخطوات
متعثرة بسبب التدخلات السياسية في عملها، وراحت
تتنفس برئة واحدة حتى 1980.
وكشف أن "في عام 1980 شهدت الموانئ العراقية
انحدارا نحو الهاوية لم تشهده أي موانئ في العالم
وتردى مستواها إلى ما دون الصفر، وذلك بسبب غلق
الممرات الملاحية المؤدية إليها بفعل الحرب
الإيرانية العراقية والغارات الجوية العنيفة التي
دمرت كل بنيتها التحتية والفوقية." مشيراً إلى أن
خبراء الموانئ العراقية بين عامي 1980 إلى عام
1988 تعرضوا إلى ظروف مختلفة إذ أحيل بعضهم إلى
التقاعد وفضل البعض الأخر العمل في الموانئ
الخليجية والعالمية، فيما قتل العديد منهم في
القصف الجوي والحروب.
واستطرد "ومن سنة 1990 حتى 2003 وهي فترة الحصار،
كانت الموانئ العراقية تتعامل مع السفن المشبوهة
والخارجة عن القانون التي تفتقر إلى ابسط الشروط
الملاحية، وكان ذلك بعلم الدولة العراقية التي
تتعامل مع مهربي النفط بذريعة كسر الحصار،
وبالتالي اكتسبت الموانئ العراقية سلوكيات شاذة
غير موجودة في أي ميناء في العالم، متمثلة بالفساد
الإداري والفني والتعامل مع (مافيات) التهريب
المدعومة من الدولة، وبالتحديد من سنة 1994 إلى
عام 2003، وبعد انهيار النظام السابق تنفست
الموانئ العراقية الصعداء ولكن بنفس الكوادر التي
تربت على العوامل المذكورة سابقا، ووجدت نفسها تقف
على أنقاض تركة ثقيلة خلفتها حروب الخليج الثلاثة
في وضع لاتحسد عليه وخارج كل السياقات التنموية."
وقال الكابتن صلاح خضير عبود، مدير عام الشركة
العامة للموانئ العراقية، "عانت هذه الدائرة
المهمة في مردوداتها الاقتصادية للبلد، الكثير من
الإهمال منذ تأسيسها علاوة على انتقال تبعيتها من
وزارة الى أخرى في أوقات مختلفة، إذ كانت تابعة
لوزارة المالية ثم التجارة وبعد ذلك تحولت الى
مصلحة الموانئ ومن ثم الى شركة مرتبطة بوزارة
النقل، وتعرضت البنى التحتية لشركة الموانئ
العراقية الى أضرار شملت جميع منشآتها ومرافقها
التشغيلية العاملة في العقود الأخيرة بسبب الحروب
والحصار والإهمال."
وأوضح عبود أن الجهود تنصب حالياً لتأهيل الكثير
من مرافق هذه الشركة، بل أكاد أقول أننا نحاول
إعادة تأسيس مرافق الشركة مجدداً وأن نسبة (70%)
من واردات الشركة تتجه نحو إعادة أعمار هذه
المرافق وتغطية رواتب العاملين فيها، أما النسبة
المتبقية والبالغة (30%)، من الواردات فتذهب الى
وزارة المالية.
وأضاف "بدأت الشركة مرحلة الأعمار الشاملة للموانئ
العراقية مطلع 2005، إذ حصلت نسب انجاز متقدمة في
أعمال بناء رصيفين في ميناء أم قصر بكلفة (30
مليار دينار )، إضافة الى قيام الشركة بإعلان
مناقصة انتشال الغوارق من القنوات الملاحية والتي
تشكل عامل خطورة ومعرقلا لسير السفن القادمة الى
الموانئ العراقية، بسبب تردي أعماقها مما يؤدي الى
زيادة عمليات التأمين على السفن الوافدة."
وأردف عبود "إننا نملك مخططاً وجرداً كاملاً
بالغوارق وأمكنتها وهي تربو على(80) قطعة بحرية
غارقة، وقمنا بتقسيم مراحل انتشالها الى ثلاثة
قواطع، الأول من منطقة المعقل(شمالي مدينة البصرة)
الى ميناء أبو فلوس(30 كم جنوب البصرة)، فيما يبدأ
القاطع الثاني من ميناء أبو فلوس الى ميناء
الفاو(100 كم جنوب البصرة)، والثالث من رأس البيشة
لينتهي في منطقة خور الزبير."
وغارت في أعماق شط العرب والموانئ العراقية، خلال
العقود الأخيرة، عشرات القطع البحرية العراقية
والأجنبية، بسبب القصف الجوي، فضلا عن تآكل بعضها
بسبب توقفها لأكثر من 15 عاما بسبب الحصار
والعقوبات الاقتصادية التي حددت حركة النقل البحري
وأنهت الأسطول البحري العراقي وكل القدرات
والإمكانات الفنية والملاحية.
وعن مشروع الميناء الكبير ومصير القرض الياباني
الممنوح لهذا الغرض قال إن "مشروع الميناء الكبير
ما يزال في طور الدراسات والاستشارات، أما بخصوص
القرض الياباني البالغ 250 مليون دولار، فهو
لتطوير مرافق الشركة بوجه عام، وليس لإنشاء
الميناء الكبير تحديداً، إذ أن المرحلة الأولى
للميناء الكبير تتضمن تشييد 100 رصيف، مع البدء
بأعمال نقل صخور حجز الأمواج وتصل كلفتها الى 13
مليار دولار."مشيرا إلى أن الشركة تعمل على دراسة
ثلاثة مقترحات تخطيطية لفكرة إقامة الميناء الكبير
مقدمة من قبل الشركة العامة للموانئ العراقية
وشركة حنا الشيخ العالمية إضافة الى شركة ايطالية
متخصصة بأعمال بناء وتشييد الموانئ العالمية، وان
الاختيار لم يقع لحد الآن على واحدة منها. وكشف
الكابتن عبود أن "الميناء الكبير في حالة تشييده
سيغير الخارطة البحرية العالمية، إذ سيقلص مسافات
حركة السفن الى النصف، ويجعل من البصرة منطقة
تجارية بالغة الحيوية وذات مردودات اقتصادية كبيرة
جداً."
وللميناء في ذاكرة العراقيين والبصريين على وجه
الخصوص مساحات واسعة فهي النافذة التي يهب عبرها
كل جديد، وهي محطة التلاقي مع الشعوب والثقافات
الأخرى، فضلا عن كونها أهم البوابات الاقتصادية.
قال الشاعر طالب عبد العزيز " المدينة التي
تتنازعها الخلافات السياسية وينخر جسدها الخراب
الأمني تتطلع الى أشرعة تأتي إليها عبر أبحر
مجهولة، لتعيد لها ما تمزق من أيامها وما تآكل من
حروفها وما هاجر من نوارسها بفعل هدير المدافع
وزمجرة الطلقات."
وأضاف أن موانئ المدينة بانتظار يد أسطورية لتنتشل
الزوارق من عمق نهرها، كي يعود سندبادها المهاجر
ثانية، يخفق بأشرعته الخضراء سالما معافى من رحلة
الألم والعذاب الطويلة."
وأشار الى أن للموانئ مساحة لاتنحسر في ذاكرة
الشعر والشعراء، فالشاعر سعدي يوسف يقول أرصفة
الميناء يا أرصفة الميناء يا أول الأرض التي عانقت
لقياها يا آخر الأرض التي ضيعت رؤياها. |