|
مارتن
فان بروينسن
في هذا المبحث، استخدم مصطلح (المجتمع الكردي)
ومصطلح (الثقافة الكردية) بمعنى فضفاض نوعا ما،
مقحما فيهما جماعات وافرادا قد لايعتبرون انفسهم
كردا في كل الاحوال.
فالمجتمع الكردي مجتمع مؤلف من عناصر متغايرة،
ولايقتصر الامر على وجود فوارق ثقافية عميقة بين
منطقة واخرى بل يتعداه الى وجود فوارق كبرى داخل
المنطقة الواحدة نفسها فهناك مجاميع سكان تختلف عن
الاغلبية في اللغة والدين او طراز المعيشة ، وقد
تعتبر هذه المجاميع نفسها، او قد تعتبرها الاغلبية
اقلية كردية او حتى غير كردية
فالاقليات المسيحية واليهودية لاتعد كردية على وجه
العموم رغم ان لدى هذه الاقليات من الوجهة
الثقافية الكثير من السمات المشتركة مع جيرانها
المسلمين، بل ان الكردية قد تكون لغتهم الام.
وهناك طوائف هرطوقية تعيش بين ظهراني الكرد، مثل
العلوية واهل الحق والكاكائية، والايزدية، وهي
تنزع الى نوع من علاقة متأرجحة او متضاربة مع
الهوية الكردية، خصوصا حين تختلف هذه الطائفة او
تلك عن جيرانها المسلمين المتزمتين في لغتها
المحلية.
ان الاثنية ليست تعبيرا موضوعيا عن سمات ثقافية،
بل هي نتاج تفاعل اجتماعي وهي عرضة للتغير بفعل
النشاط السياسي.
فالدول التي تتوزع عليها كردستان خلال الارباع
الثلاثة الاخيرة من القرن العشرين تنتهج جميعا
سياسات ترمي الى تغيير الخارطة الاثنية، وبخاصة في
تركيا التي حاولت انكار وجود الكرد مثلما سعت الى
تدمير الاثنية الكردية، اما العراق وايران، فقد
انخرطا وان يكن بدرجة اقل جموحا في مساعي الابادة
الاثنية بدرجات متفاوتة، من النجاح.
من جهة اخرى فأن بروز حركة قومية كردية ذات قاعدة
جماهيرية منذ ستينات القرن العشرين، ترك اثره
عميقا على تحديد الهوية الذاتية عند الاكراد.
وقد عملت الحركة القومية على ترسيخ الاحساس
بالمصير المشترك عند سائر اؤلئك الذين يمكن لنا ان
نفهم بشكل فضفاض، انهم اكراد، بما في ذلك الاقليات
اللغوية والدينية اضافة الى الجماعات التي صهرتها
المجموعة الاثنية المهيمنة على الدولة.
لقد شهد عقد الثمانينات والتسعينات احتدام
الاعتراض على الهوية الاثنية للطوائف الصغيرة، من
جانب القوميين الاكراد ومن جانب المفكرين المعبرين
عن مصالح الدول القومية التركية او الايرانية
او...
وبرزت نزعات قومية انفصالية وسط الناطقين بلغة
الزازا (لغة قريبة الصلة بالكردية الاصلية) ووسط
الايزيدين والعلويين الكرد، وبدأ ان العصبيات
الجهوية الضيقة اخذت تشتد وتقوى على حساب الانتماء
الى هوية اثنية اوسع مشاركة.
وقد برزت هذه الظاهرة بجلاء ساطع في كردستان
العراق، حيث ادت المنافسة المريرة بين الحزبين
السياسيين الرئيسين الى ترسيخ انقسام المنطقة الى
رقعتين متباينتين ايكولوجيا واجتماعيا وثقافيا
رقعتين تشعران بتميزهما الجلي عن بعضهما.
من هو الكردي؟
- لاتتوفر تقديرات موثوقة عن عدد الاكراد في اي من
البلدان التي يقطنونها، وذلك لاسباب عدة منها ما
هو ناشيء عن السياسات الحكومية.
فالحكومات المعنية تحرص على التكامل القومي، فلا
تحصي قط الجماعات اللغوية والدينية داخل حدودها،
او انها لاتنشر نتائج احصائيات كهذه ان قامت بها.
وهناك سبب اخر: فأن مجاهرة المرء بأنه كردي قد
يتوقف على الوضع السياسي والاجتماعي السائد.
فمثلا ان الاحصاءات السكانية لعام 1965 في تركيا
كانت اخر مناسبة يسال فيها المواطنون عن لغاتهم
الاصلية او اللغات المحلية الاخرى، مع ذلك فان
اربعة ملايين شخص، اي ما نسبته 12.7% من السكان
عرفوا انفسهم ينطقون بالكردية بأعتبارها اللغة
الاولى.
هذا الرقم لايعطينا سوى مؤشر ملتبس عن عدد الاشخاص
الذين يعتبرون انفسهم كردا.
اما الذين ذكروا الكردية كلغة ثانية فلربما ضموا
بينهم تركا وعربا وارمن وفئات مسيحية تعيش في
مناطق اثنية مختلطة، حيث الكردية هي اللغة
السائدة، ولعل هناك من يتحدر من اسر مختلطة او من
اسر كردية تتقن التركية اتقانها للكردية.
وان نسبة الـ12.7 هي تقدير متدن تماما عمن يعتبرون
انفسهم كردا، ولعل كثرة من الناس كانت عازفة عن
تحمل مشاق الاعلان عن انتمائها الكردي، ولعل بعض
الموظفين (صححوا) معطياتهم ابتغاء التوصل الى نسب
وارقام مقبولة عند الحكومة.
ورغم اننا لانستطيع ان نحدد بدقة عدد الذين
يعتبرون انفسهم كردا في تركيا العام 1965، فأن من
الممكن القول ان نسبة هؤلاء قد زادت زيادة محسومة
بعد ثلاثين عاما من هذا الاحصاء، وان كسرا صغيرا
من هذه الزيادة يمكن ان تعزى الى ارتفاع الولادة
في الدويلات الشرقية، قياسا الى الولايات الغربية
في البلاد.
ويرجع جل الزيادة اساسا الى ان كثرة من اؤلئك
الذين اعتبروا انفسهم اتراكا في العام 1965 صاروا
يعرفون انفسهم بأعتبارهم ذوي انتماء كردي، ويشمل
ذلك العديد من الشباب الذين انصهر اباؤهم او
اجدادهم في الثقافة التركية، طوعا او كرها.
وتتداخل مع هذه الفئة فئة اخرى هم ابناء وبنات
الزيجات المختلطة، ممن تواجه هويتهم الاثنية محنة
الالتباس الموروث، ويكاد كل تركي ان يجد له جدا او
جدة كردية في النسب البعيد، ان عن له الايغال
بعيدا.
وان الترك الذين ينحدرون من ارومة كردية عن طريق
احد الجدين (وبين هؤلاء شخصيات مثل الرئيسين
الراحلين عصمت اينونو وتوغروت اوزال) يؤلفون معينا
هائلا من الكرد المحتملين ويصح هذا بدرجة او بأخرى
اقل على كرد ايران والعراق.
وان توخينا الوضوح والبساطة فثمة وسط الكرد (كما
في وسط اية مجموعة اثنية اخرى) كتلة اساسية تنتمي
انتماء اثنيا جازما لامراء فيه الى الكردية وان
هذه الكتلة الاساسية محاطة بفئات طرفية تتميز
انتماؤها الى الكردية بالتأرجح والغموض، حيث لاتعد
الهوية الكردية سوى واحدة من خيارات عدة للانتماء.
غير ان هذا التعريف بالغ التبسيط ذلك ان النظرة
المدققة تبين ان تعيين الكتلة الاساسية ليس خاليا
من اللبس تماما.
فكل فرد من افراد الكتلة الاساسية يمتلك شأن
المنتمي الى الفئات الطرفية من (الكرد المحتملين)
عددا من الهويات المتضاربة ، التي يمتلك بعضها قوة
جذب اكبر من الولاء للهوية الكردية.
فهذا الكردي (او الكردية) قد ينتمي (او تنتمي) الى
قرية، او لهجة معينة او طائفة دينية.
ونجد وسط الكتلة الاساسية ايضا وفرة من التنوعات
الثقافية التي تجعل تحديد تخوم هذه الكتلة عينها،
على اساس بعض السمات الثقافية المشتركة ضربا من
المحال.
مع ذلك ثمة اتفاق واسع بين المؤلفين الشرقيين على
الاقل منذ مطلع القرن السادس عشر، حول ما ينبغي
تسميته كرديا.
مثل حديث المؤرخين العثمانيين عن دمج كردستان
بالامبراطورية العثمانية في مطلع القرن السادس
عشر، او حديث حاكم بيتليس في القرن السادس عشر شرف
خان الذي كتب مفصلا في تاريخ كل الاسر الحاكمة في
كردستان اواخر ذلك القرن، او حديث افليا جلبي
الرحال التركي الذي امضى اعواما في ربوع كردستان
منتصف القرن السابع عشر.
لقد استخدم هؤلاء جميعا اسم (الكرد) بالطريقة
نفسها، وطبقوها على المجموعة السكانية ذاتها.
كذلك فعل الاداريون العثمانيون والفرس، حتى مطلع
ثلاثينات القرن العشرين، حين بات ذكر اسم الاكراد
محرما في تركيا.
وكان الاكراد في عرفهم يتألفون من قبائل شرق اسيا
الوسطى وزاغروس سواء كانوا مستقرين او رحلا. |