القائمة الرئيسية

الاولــــــــى

الافتتـاحيـة

الثــــــانيـــة
السياسيـة
محليـــــات
تحقيقـــات
الثقـافيـــة
حـــــــوارات
طب و علوم
مــقـــالات
الـــريـــاضــية
الاخــيـــرة

القائمة الثانوية
الاتصال بنا
الارشـــيف
كاريكــاتيــر

 

    
البينة الجديدة جريدة يومية سياسية عامة                                                                                                                                               رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين العراقيين (134)                                                                                                                      رقم الايداع في دار الكتب والوثائق (970) لسنة 2007

السنة الثالثة العدد (517) الاحد 2008/2/3م ـ 25/محرم/ 1429 هــ

 قـصـة هـروب المـجـرم حسين كامـل مـن (العروش) الـى المـزابــل

 الحلقة الثامنة
بغداد / البينة الجديدة
تنشر البينة الجديدة القصة الكاملة لهروب صهر صدام(حسين كامل حسن المجيد) ابتداءً من بوادر الخلاف مع الكسيح المقبور(عدي صدام) ومروراً بدعوى اتصاله مع (المعارضة العراقية) التي كانت يوم ذاك في الخارج وفشله في استمالتها وتحقيق مآرب شخصية وانتهاءً برجوعه الى العراق ذليلاً كسيراً ثم نهايته المأساوية على ايدي ابناء عمومته الذين قتلوه تحت ستار (الثأر العشائري).
لقد بدأت أتواجد مع حسين كامل كل يوم في قصر الحمر، ادخل القصر في الصباح واخرج ليلا على باب القصر، كان هناك حاجز امني يفتح الباب ما ان اتوقف واقدم له نفسي، حين جئت في الصباح وجدت حسين كامل كما تركته في الليل، لم يغير ملابسه واستنتجت انه كان نائما على الكنبة الموجودة في غرفة صغيرة.
بدأنا نتحدث فيما يجب ان نفعله وكانت رغبته الشديدة ان اقوم بزيارة سورية، وكان يتمنى لو استطيع اقناع السوريين باستقباله فكان لديه شعور عميق بان الصدام مع الاردنيين قادم لا محالة.
وقال لي: لقد غادرت العراق موحدا، ويراد مني ان اقبل بأن اعود اليه وهو دولة (فيدرالية) بين السنة والشيعة والاكراد، وهذا موضوع لن اقبله لو ملكوني العراق.
فيمكنني ان اتفهم ان للاكراد وضعا خاصا قابل للمناقشة لكني لا استطيع ان اتقبل ابدا اتحادا فيدراليا بين عرب العراق على اسس طائفية.
لقد قال لي انهم يريدون تقسيم عشيرتك يا مشعان (عشيرة الجبور ثلثها شيعة وثلثاها سنة) هل تقبل بهذا انا اعتقد ان افضل من يساعدنا في مجابهة هذا الموقف هم السوريون، فمخاطر التقسيم الطائفي اذا ما بدأت في العراق سوف لن تنتهي به وانما ستشمل الجميع: سورية والسعودية ومصر وعلينا ان نتحرك باتجاه السوريين.
ثم ذكر لي ان الاردنيين يحاولون فرض بعض الشخصيات المقيمة في عمان او خارجها عليه، وانهم يسعون لاقناعي بقبول الشكل الفيدرالي للحكم القادم في العراق.
ثم قال تصور انهم كلفوا الامير رعد كنائب للملك، وهي المرة الاولى التي يكلف بها بهذا المنصب، وانهم بذلك يريدون تسويقه ملكا علينا، وكان حسين كامل متحسسا جدا من هذا الموضوع وسألته ماذا علينا ان نفعل من الان الى ان تحدث زيارتي الى سورية، وقلت له بأني تكلمت مع اللواء وفيق السامرائي ووعدني بأنه يجري ترتيب موعد زيارتي الى سورية.
كان حسين كامل لا يحب اللواء وفيق السامرائي، وكان منزعجا منه عندما كلمه بالهاتف قال له (يا ابو علي) ولم يخاطبه بكلمة سيدي، وان وفيق السامرائي كان لواء في الجيش وحسين كامل كان فريقا اول، وكانت هذه الاشياء البسيطة تثير اهتمام حسين كامل جدا بل تحدد موقفه من الاخرين احيانا.
لكنه في ذات الوقت كان حسين كامل يعترف ان اللواء وفيق السامرائي، ضابط كفوء وشجاع وانه من المهم ان نستقطبه في مشروعنا حول مستقبل العراق، لكن عندما يعبر له وفيق السامرائي عن عدم استعداده للعمل تحت امرته كان يتراجع عن مدحه.
ثم طلب مني ان اطلب من الاستاذ صلاح عمر العلي ان يأتي الى عمان، وفعلا اتصلت بأخي ابو عمر وألححت عليه المجيء كما اتصلنا بالدكتور هشام الشاوي المقيم في السعودية وهو وزير سابق في العراق وسفير العراق في كندا وقد ترك السفارة وطلب اللجوء في لندن ثم في السعودية 1994 وقد حضر الى عمان.
وكان حسين كامل يريد ان يحيط نفسه بمجموعة من السياسيين يتشاور معهم فيما يجب ان يفعله لانه لم يكن لديه اي مخطط او اي برنامج سياسي كما قلنا ذلك في حلقات سابقة.
وبتنا نقضي كل الوقت سوية، كنا نتحدث مع وسائل الاعلام التي كانت مهتمة به ولكن حسين كامل لم يكن يقرأ ابدا فقد كانت السلطات الاردنية تقدم له ملفا كاملا يوميا عما يكتب عنه في الصحافة العربية والاجنبية، وكان يتركه على الطاولة كما هو وحين احثه على قراءته يطلب مني ان أقرأه انا واحدثه شفهيا عن اية ملاحظات.
كان متقلب المزاج يتحول من شخص لطيف ووديع الى شخص عنيف ونزق في لحظات، وكان مهووسا بالمؤمراة ويعتقد ان كل من حوله يتآمر عليه.
كنا نتناول الغداء والعشاء داخل القصر، حيث كانت توجد قاعة طعام ندخلها سوية نحن الاربعة، حسين كامل وعز الدين محمد وصدام كامل وانا.وكان الاشقاء الاردنيون هم الذين يعدون الطعام، احيانا يسألون حسين كامل اذا كان يرغب بأكلة ما ولكن غالبا كانوا يعرفون مزاجه جيدا.
كان يحب (لحمة الموزات ، الزند) وكانت تقدم له قطعتان كبيرتان بناء على طلبه وكان يقدم لنا قطعة واحدة لكل شخص كان يجب ان يميز نفسه حتى في هذه التوافه.
كان يشرب كثيرا الماء الساخن مع السكر، ونسميه في العراق القونداغ واعتقد انها كلمة تركية، كان لا يشرب الخمر ولا يشرب الشاي ولا يشرب القهوة وكان لا يتناول كل المنبهات، كان يرتدي البسطار العسكري طوال النهار تحت البدلة المدنية على الرغم من الحرارة وسخونة الجو.
وقد تبين لي ايضا ان صلته مع زوجته مقطوعة تماما، كان صدام يتركنا بوقت مبكر في الليل بعد العشاء وكذلك عز الدين، وكنت انا من لا يؤذن له بالخروج وكنا نتحدث في كل شيء.
كنت احدثه عن اهمية الديمقراطية في العراق، وكان يسخر مني ويقول لي ان هذا الشعب لا يدار الا بالعنف، وبالتأكيد لا يوجد اساس منطقي لهذا الكلام لانه يعرف انه بالديمقراطية لن يحصل على شيء.
كان هاتفه لا يهدأ، مكالمات من اغلب انحاء العالم كنا نتناوب الرد عليها كان يحب الاستطراد في الحديث.
وكان لديه شعور كبير بأنه الرئيس القادم للعراق، وكان يوزع المناصب ايضا.
فأحيانا يقرر بأني رئيس البرلمان القادم وكأنه صاحب القرار في تعيين رئيس البرلمان واحيانا يقرر اني وزير الاعلام.
واحيانا يختار اللواء وفيق السامرائي وزيرا للدفاع واحيانا اخرى يختار اللواء الركن حسن النقيب، وكثيرا ما كان يحدثني عن تقسيم المكاسب وكأن العراق في جيبه.
في الوقت لم يعد المسؤولون الاردنيون يزورون حسين كامل ولم اشاهد جلالة الملك حسين يشاركه مائدة الطعام كما كان يفعل سابقا.
انا كشفت الاوراق للملك حسين:
كانت ملاحظاتي على طريقة حياة حسين كامل الشخصية (من انه ينام على الاريكة وان زوجته وزوجة اخيه لا تغادران القصر، ولا تتصلان بأحد الخ) تثير لدي اشارات استفهام اضافة الى سؤال كبير كان يلح علي وهو كيف قبلت كريمتا صدام معارضة والدهما؟
وحدث ان فتحت الموضوع مع صديقي صدام كامل فأخبرني انهما غادرتا العراق وهما لا تعرفان ما يخطط له حسين كامل، كما حدثني عن الطريقة التي جابه بها حسين كامل اعتراض زوجته، وكانت تبدو على وجه صدام كامل وهو يتحدث عن هذا الموضوع علامات عدم الرضا. والحقيقة لقد صدمني الموضوع فقد كنت اتمنى ان تكون شكوكي واهمة.
وما كنت اتمنى لحسين كامل ان يضع نفسه في هذا المأزق الحرج، فهو اولا خدع زوجته وزوجة اخيه بخروجهما من العراق ثم هويحتجزهما الان كالرهائن. اضافة الى انه خدع مضيفه جلالة الملك حسين الذي فتح ذراعيه وقصوره امام حسين كامل .
كنت اختلف مع الملك حسين في بعض وجهات النظر السياسية. ولكني كنت احبه واحب بساطته بالتعامل مع شعبه وبغض النظر عن اختلافي معه، او حبي له، لم اكن استطيع ان اقف مكتوف اليدين وانا اراه يتعرض لخديعة حسين كامل.
ثم كيف لنا ان نلوم النظام حين ينتقم من عائلاتنا ويعذب ويقتل اقاربنا كمعارضين ونحن نحتجز كريمتيه كورقة ضغط عليه؟ ونقحم العلاقات الانسانية في العمل السياسي؟
صراحة لم استطع ان اقبل بهكذا تصرف ولم استطع ان اراه اكثر من عمل عصاباتي ولم اقف مكتوف اليدين.
اتصلت بالصحفية الامريكية الصديقة (ماري كلفن) التي تعمل رئيسة قسم الشرق الاوسط في صحيفة الصندي تايم البريطانية، ورويت لها القصة الحقيقية عن احتجاز كريمتي صدام كرهائن، وعن الخديعة التي تعرض لها جلالة الملك حسين.
ولم تتردد (ماري) بنشر القصة والتفاصيل في صحيفة الصندي تايم.
ولم اشعر بالارتياح الا عندما تأكد لي ان الحقيقة اصبحت ملك الجميع، جلالة الملك حسين، وكافة المعنيين بهذا الشأن واخيرا، صدام حسين كخصم سياسي، فقد كان اهم ما اهدف اليه هو ان يعرف القائمون على النظام انهم عندما حشروا اقاربي واصدقائي بموقفي السياسي وحاسبوهم عليه كانوا بذلك يتصرفون كعصابات ولن اكون مثلهم ولن اقبل لاحد ان يكون كذلك.
واكثر ما يضحكني ان البعض يعتمد على موقفي هذا كحجة يبرهن من خلالها استمرار ولائي للنظام وينسى وببساطة كل الذين قتلوا من اهلي واقاربي دون ان يكون لهم اي ذنب واحيانا دون ان يكون لهم اي موقف سياسي وقتلوا لمجرد انهم اقاربي.

 الانتخابات والتحولات

 د. سعد بن طفلة العجمي
هل تعني الانتخابات تحولاتٍ ديمقراطيةً بالضرورة؟ إحدى عشرة عملية انتخابات جرت في عام 2006 في المنطقة العربية، فهل عنى إجراء تلك الانتخابات تقدماً في بناء المجتمعات المدنية في عالمنا العربي؟ هذه هي التساؤلات التي تمحور حولها مؤتمر مركز القدس للدراسات الذي عقد بالعاصمة الأردنية عمان الأسبوع الماضي.
قال من قال إن الانتخابات شكلية مورست كديكور في عالمنا خضوعاً لعاصفة التغيير الديمقراطية "المدمرة" التي قادتها الولايات المتحدة الأميركية في العراق، وبأن هذه العملية الآلية للتصويت والتصوير كانت لتجميل وجه الديكتاتوريات العربية القبيح -لا أكثر ولا أقل.
فجادل من جادل بأنه حتى لو كانت شكلية، ولكنها أحسن من عدم وجودها، وبأن الانتخابات الشكلية قللت من أرقام النتائج الخرافية التي كان يحصل عليها رؤساؤنا في الاستفتاءات المضحكة. فبدلاً من الـ99%، تواضعت النسب قليلاً إلى الثمانينات، وبدلاً من أن تكون نسبة المشاركة المؤيدة للرئيس في الاستفتاء 100% -كما في آخر استفتاء أجراه صدام المقبور- تنازلت النسب خجلاً إلى التسعينات. وأضاف صاحب الرأي هذا أن من الضروري الضغط المستمر على الحكومات العربية للموافقة على حضور المراقبين الدوليين لهذه الانتخابات، مشيراً إلى أنه ما من دولة ديمقراطية غربية ترفض وجود مراقبين دوليين أو مراقبين من منظمات المجتمع المدني الدولية. كان هناك رأي بأن الانتخابات العربية التي تسمح بمشاركة الأحزاب الدينية لا يمكن أن تقود إلى تحول ديمقراطي، لأن الأحزاب الدينية دون استثناء تنادي بقيام الدولة الدينية، وأن الدولة الدينية لم ولن تسمح بالتعددية الحزبية ولا بالحرية الفردية ولا بتداول السلطة، وما الديمقراطية بالنسبة لها سوى وسيلة للوصول إلى السلطة ومن ثم تصفية كل من يختلف معها.
واختلف آخر مع هذا الرأي الذي رأى فيه محاكمة للنوايا، معدداً كيف أن القوى الدينية في عالمنا هي ضحية الاستبداد أكثر من غيرها، وأنها عملت ما في وسعها لإثبات حسن نواياها وقبولها بالآخر، مذكراً بأن الأحزاب الدينية موجودة في أوروبا كأحزاب ديمقراطية مسيحية.
فرد عليه من اختلف معه بأن هذه الأحزاب المسيحية الغربية استطاعت أن تثبت حسن نواياها بالقول والفعل واستقطبت من ليسوا مسيحيين معها ورفعت شعار التمسك بالدولة الديمقراطية وبفصل الدين عن الدولة، بينما فشلت أحزابنا الإسلامية في استقطاب أحد من خارج طوائفها -ناهيك عمن هم خارج دينها مما يجعلها طائفية وانعزالية "بالسليقة"، صحيح أن الائتلاف الشيعي العراقي وضع اسم سني واحد على قائمته، وصحيح أن "الإخوان" في مصر أدخلوا مسيحياً من أصل عشرة ملايين مسيحي مصري، ولكن هذا من أجل ديكور "علمنة" الحزب، ولم يكن إيماناً حقيقياً بالشمولية التي تقول بالمواطنة التي يتساوى أمامها الجميع بغض النظر عن أصلهم أو جنسهم أو دينهم أو طوائفهم.
وكان رد أحد المشاركين "الإسلاميين" إننا في نظر العلمانيين "عنزة وإن طارت"، فتلقفها أحد معارضيه صائحاً: هذا ما نقصده، فالأحزاب السياسية لا تكون إلا في الدولة المدنية التي تحتكم أحزابها لدساتير بشرية ومن ثم فهي علمانية، وها أنت ترفض العلمانية التي تتناقض حتماً مع الدولة الدينية. استمر الجدل، وكان هناك شبه إجماع بين المؤتمرين على أن الانتخابات العربية -بغض النظر عن أشكالها والمشاركين فيها ونتائجها- هي أفضل من غيابها. ويبدو أن انطباعاً تولد لدى معظم المتابعين بأن مشاركة الأحزاب الدينية ستخلق تحولات بداخلها باستمرار الممارسة، ولكن السؤال باقٍ: هل ننتظر حتى تتم هذه التحولات داخل الأحزاب الدينية قبل تسليمها السلطة؟

إنــــه مـــــوت الـــتـــأريــــــخ

 روبرت فسك
صحيفة الاندبندنت
أظهرت الأدلة التي جمعها علماء الآثار، بأنه حتى أولئك العراقيين الذين كانوا قد تدربوا كعمال آثار في حقبة نظام صدام حسين يستخدمون معرفتهم الآن كوسيلة للانضمام إلى النهابين في البحث والحفر في أنحاء المدن القديمة، متسببين بالدمار لآلاف الجرار التي لا تقدر بثمن، والأواني الزجاجية والتحف الأخرى في بحثهم عن الذهب والكنوز الأخرى.
وفي أعقاب حرب الخليج الأولى عام 1991، تحركت جيوش من النهابين مقتحمة المدن الصحراوية في جنوب العراق، وتم نهب وسلب حوالي 13 متحفاً عراقياً. أما اليوم، فإن كل موقع أثري في جنوب العراق تقريباً قد أصبح تحت سيطرة النهابين.
في عرض طويل مسبب للصدمة ، نشر مؤخراً ، تقول عالمة الآثار اللبنانية جوان فرشخ إن جيوش اللصوص والنهابين لم تترك دون مساس حتى ولو "متراً واحداً من هذه العواصم السومرية التي كانت قد دفنت تحت الرمال منذ آلاف السنين.
لقد دمروا بشكل منهجي كل بقايا هذه الحضارة في بحثهم المتواصل عن التحف التي من الممكن بيعها: تلك المدن القديمة التي تغطي ما تقدر مساحته بعشرين كيلو متراً مربعاً، والتي كان يمكن لها أن تقدم -لو تم الحفر فيها بشكل صحيح ومناسب - معلومات هائلة جديدة عن تطور الجنس البشري.
"إن الجنس البشري يفقد ماضيه لصالح لوحة مسمارية أو تمثال أو قطعة مجوهرات يشتريها المتعامل بالآثار ويدفع ثمنها نقداً في بلد مزقته الحرب. ويفقد الجنس البشري تاريخه لأجل متعة جامعي التحف الخاصين الذين يعيشون بأمان في بيوتهم المترفة ويطلبون قطعاً معينة ليضيفوها إلى مجموعاتهم.
والسيدة فرشخ، التي ساعدت في التحقيقات الأولية الخاصة بالكنوز المسروقة من متحف بغداد للآثار مباشرة في أعقاب حرب العراق، تقول إن العراق ربما ينتهي المطاف به قريباً وقد أصبح بلا تاريخ.
وتضيف: "هناك حوالي 10000 موقع أثري في البلاد. وفي منطقة الناصرية لوحدها، هناك حوالي 840 موقعاً سومرياً؛ وقد تعرضت جميعها لعمليات نهب نظامية. وحتى عندما كان يدمر الإسكندر الأكبر مدينة، فإنه كان يسارع إلى بناء أخرى دائماً. لكن السارقين الآن يقومون بتدمير كل شيء لأنهم يحفرون ذاهبين إلى أعمق الأساسات. والجديد في الأمر هو أن النهابين يصبحون أكثر وأكثر تنظيماً، ويعملون فيما يبدو بالكثير من الأموال في أيديهم.
"وعلى نحو منفصل تماماً عن ذلك، تعمل العمليات العسكرية على تدمير هذه المواقع إلى الأبد. وقد كانت هناك قاعدة عسكرية أميركية في مدينة "أور" لمدة خمس سنوات وأصبحت الجدران هناك تتصدع بفعل وزن العربات العسكرية وصخبها. إن الأمر يشبه وضع موقع أثري تحت تأثير زلزال مستمر لا ينتهي".من بين كل المدن الأثرية في عراق اليوم، تعتبر مدينة "أور" هي الأكثر أهمية في تاريخ البشرية كله. فبالإضافة إلى أنها ذكرت في "العهد القديم"، والتي يؤمن الكثيرون بأنها موطن النبي إبراهيم، فإنها تظهر أيضاً في أعمال المؤرخين العرب والجغرافيين تحت اسم "قميرنا"، مدينة القمر.بعد أن تأسست قبل حوالي 4000 عام من الميلاد، أسس سكانها السومريون مبادئ الري، وطوروا الزراعة وصناعة المعادن. وبعد ذلك بخمسمائة عام -فيما أصبح يعرف على أنه "عصر الطوفان" -قدمت أور بعضاً من أول أشكال الكتابة، والأختام الإسطوانية والبناء. وفي منطقة "لاسرا" المجاورة، استخدم الطابوق المخبوز كسندات مالية -أول نظام للشيكات في العالم -وكان عمق علامة الإصبع في الطين يؤشر على مقدار النقود التي ينبغي تحويلها. وقد ضمت القبور الملكية في "أور" مجوهرات وخناجر وذهباً وأختاماً إسطوانية أزورية، وأحياناً رفات العبيد.وقد داوم ضباط أميركيون على القول إن بناء قاعدة أميركية ضخمة في بابل كان بهدف حماية الموقع، لكن عالمة الآثار العراقية زينب البحراني، وهي أستاذة تاريخ الفن والآثار في جامعة كولومبيا تقول إن هذا هو "اعتقاد خاطئ". ففي تحليل للمدينة، كما تقول، "فإن الضرر الذي لحق ببابل هو ضرر كثيف وغير قابل للإصلاح، وحتى لو أن القوات الأميركية حاولت حماية المدينة، فإن وضع الحراس حول الموقع كان ليكون أكثر منطقية بكثير من جرفها بالجرافات وإنشاء أكبر موقع قيادة لقوات التحالف في المنطقة هناك.
وكانت الضربات الجوية عام 2003 قد تركت المعالم الأثرية دون ضرر، لكن البروفيسورة بحراني تقول "إن الاحتلال قد أسفر عن تدمير هائل للتاريخ إلى حد تجاوز بكثير مجرد المتاحف والمكتبات التي تعرضت للنهب والتدمير عند سقوط بغداد. فهناك سبعة مواقع أثرية تاريخية قامت قوات التحالف وقوات الولايات المتحدة باستخدامها على هذا النحو منذ نيسان عام 2004، وكان أحدها هو القلب التاريخي لمدينة سامراء، حيث تم في عام 2006 تفجير مرقد الإمام العسكري الذي كان قد بناه نصر الدين شاه".يعتبر استخدام المواقع الأثرية التاريخية كقواعد عسكرية انتهاكاً لميثاق لاهاي وبروتوكول عام 1954 (الفصل الأول: المادة 5)، والتي تتعلق بفترات الاحتلال؛ وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لم تصادق على الميثاق، فإن إيطاليا وبولندا وأستراليا وهولندا، والتي أرسلت كلها قوات إلى العراق، هي من بين الأطراف الموقعة عليه.تلاحظ السيدة فرشخ أن الطوائف الدينية بينما تحصل على نفوذ في كل محافظات العراق، فإن المواقع الأثرية تقع أيضاً تحت سيطرتها. وهي تحكي قصة عبد الأمير الحمداني، مدير الآثار في محافظة ذي قار في الجنوب، الذي حاول يائساً -وبدون جدوى - أن يحول دون تدمير المدن المطمورة خلال الاحتلال. وقد كتب الدكتور الحمداني نفسه أن بوسعه فعل القليل القليل لمنع "الكارثة التي نشهد عليها جميعاً ونشاهدها تحدث".و كما قال الحمداني، ففي عام 2005 "جندنا 200 ضابط شرطة، و كنا نحاول وقف عمليات النهب عن طريق القيام بدوريات في المواقع الأثرية بأقصى ما يمكن. لكن تجهيزاتها لم تكن كافية لإنجاز هذه المهمة لأنها كانت لدينا ثمان سيارات فقط، وبعض البنادق والأسلحة الأخرى والقليل من أجهزة بث الراديو لخدمة كامل المحافظة حيث كان 800 موقع أثري تتعرض للانتهاك".
"إن هذا لا يكفي بالطبع، لكننا كنا نحاول تأسيس نوع من النظام حتى شح التمويل في داخل الحكومة ولم يعد باستطاعتنا دفع ثمن البنزين اللازم لتسيير الدوريات في المواقع. وهكذا انتهى بنا المطاف ونحن نحاول مكافحة النهب في مكاتبنا، ".في السنة الفائتة، تلقت دائرة الآثار التابعة للدكتور الحمداني ملاحظة من السلطات المحلية، والتي توافق على إنشاء مصانع للطوب الفخاري في المناطق التي تحيط بالمواقع الأثرية السومرية. لكنه تبين بسرعة أن أصحاب المصنع أرادوا شراء الأراضي من السلطات العراقية لأنها كانت تضم وتغطي الكثير من العواصم السومرية والمواقع الأثرية الأخرى. وكان المالك الجديد سوف "يحفر" المواقع الأثرية، ويفكك "الطوب الطيني القديم" لتشكيل طوب جديد للسوق ويقوم ببيع المكتشفات المدفونة تحت الأرض إلى تجار الآثار.وقد رفض الدكتور الحمداني بشجاعة التوقيع على الملف، كما تقول السيدة فرشخ: "وكان لرفضه تداعيات فورية. حيث قامت الجماعات الدينية التي تسيطر على المنطقة بإرسال الشرطة إليه مع أوامر بسجنه بتهم الفساد. وتم سجنه ثلاثة أشهر في انتظار محاكمته. لكن مجلس الدولة للآثار والتراث دافع عنه خلال محاكمته، وكذلك فعلت قبيلته ذات النفوذ، وتم إطلاق سراحه واستعاد منصبه. وأصبحت مصانع "الطوب الطيني" مجمدة، لكن التقارير ظهرت إلى السطح عن استراتيجية مشابهة يجري أتباعها في مدن أخرى في المواقع الأثرية المجاورة، مثل زقورة عكركوف قرب بغداد. والسؤال المطروح هنا هو : حتى أي وقت يستطيع الأثريون العراقيون إدامة النظام؟ هذا سؤال لا يستطيع سوى الساسة العراقيين المنتمين إلى الطوائف الدينية المختلفة الإجابة عليه، بما أنهم هم الذين يوافقون على هذه المشاريع".
وقد أثبتت جهود الشرطة التي أصبحت الآن تحظى ببنية منظمة جيداً ومدعومة من الزعماء القبليين، بأنها مؤثرة وحاسمة.. ففي عام 2005، استطاعت سلطات الجمارك العراقية -بمساعدة القوات الغربية، القبض على العديد من تجار الآثار في بلدة الفجر قرب الناصرية. وقد صادرت المئات من القطع الفنية الأثرية وقررت إعادتها إلى المتحف في بغداد. لكن تلك كانت غلطة قاتلة.
فقد تم إيقاف القافلة على مبعدة بضعة أميال من بغداد، وتم قتل ثمانية من عملاء الجمارك، وأحرقت جثامينهم وتركت لتتعفن في الصحراء، واختفت التحف الفنية. وتقول السيدة فرشخ: "كانت تلك رسالة واضحة من تجار الآثار إلى العالم".وتعمل مجاميع النهابين ضمن منظمة تهريب سلسة هائلة. وتقوم الشاحنات والسيارات والطائرات والقوارب بحمل المنهوبات التاريخية العراقية إلى أوروبا والولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة واليابان. ويقول المشتغلون بالآثار أن عدداً متنامياً من مواقع الانترنت تعرض تحف حضارة وادي الرافدين وقطعها الفنية في كل مكان، والتي يعود تاريخها إلى 7000 عام.لقد أصبح مهربو ونهابو جنوب العراق الآن محترفين، يعرفون كيف يحددون جدران البنايات المدفونة ويستطيعون شق الطريق مباشرة إلى الغرف والمدافن. ويقول تقرير علماء الآثار: "لقد تم تدريبهم على كيفية سرقة العالم وتجريده من ماضيه، وقد استطاعوا جني أرباح كبيرة من ذلك. إنهم يعرفون قيمة كل قطعة فنية، ومن الصعب رؤية السبب الذي ربما يمنعهم من النهب".بعد حرب الخليج عام 1991، استأجر علماء الآثار النهابين السابقين كمستخدمين لديهم ووعدوهم بالحصول على رواتب حكومية. وقد نجح ذلك طالما بقي علماء الآثار في المواقع، لكنه كان أيضاً واحداً من الأسباب الاساسية للدمار اللاحق؛ حيث يعرف الناس الآن كيف ينقبون وما يمكن أن يعثروا عليه.تضيف السيدة فرشخ: "كلما زاد الأمد الذي يجد العراق فيه نفسه في حالة حرب، كلما زاد خطر تعرض مهد الحضارة للتهديد. بل إن ذلك الإرث ربما لن يدوم حتى يتعلم أحفادنا منه".

أوكرانيا ستنضم إلى حلف الناتو

  فلاديمير سادافوي
لا يمكن اعتبار مسألة انضمام أوكرانيا إلى عضوية الناتو قضية خلافية بين المعارضة والحكومة في أوكرانيا، وكان الرئيس الأوكراني السابق ليونيد كوتشما قد بذل جهوداً لضم بلاده إلى الناتو، وما أعاق هذه الجهود اشتباه الغرب في قيام كوتشما ببيع أنظمة رادار متطورة للعراق. وفى قمة الناتو عام 2002 التي عقدت في براغ، وبالرغم من أن قيادة الحلف لم توجه دعوة إلى كوتشما إلا انه توجه إلى العاصمة التشيكية، وشارك في اجتماع مجلس الشراكة الأوروبي الأطلسي. وقد شغل انضمام أوكرانيا إلى عضوية الناتو حيزاً أساسياً في سياسة أوكرانيا الخارجية خلال رئاسة كوتشما للبلاد، باعتبار أنها ستتمكن من الالتحاق بالبيت الأوروبي، والحصول على مساعدات لإخراجها من أزماتها وقد سعت كييف بحماس للانضواء تحت اللواء الأميركي والناتو حتى أن البرلمان الأوكراني صادق في وقت سابق على قرار يتيح لقوات حلف شمال الأطلسي باستخدام الأراضي الأوكرانية وقت الضرورة. كما شاركت القوات الأوكرانية في العديد من التدريبات والمناورات التي نظمها الناتو. ومنذ عدة أيام أعلن الرئيس الحالي فيكتور يوشينكو عن ثبات نهج القيادة الأوكرانية بالسير على طريق التكامل الأوروبي والأورأطلسي، مشيراً إلى ضرورة التفكير في كيفية الحصول على العضوية في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو. وكان يوشينكو قد وجه رسالة وقعت عليها رئيسة الحكومة يوليا تيموشينكو ورئيس البرلمان ارسيني ياتسينيوك إلى الأمين العام للناتو دي هوب شيفر أعربوا فيها عن أملهم في أن تنضم أوكرانيا إلى خطة العمل لنيل العضوية في حلف شمال الأطلسي خلال قمة الحلف في بوخارست في أبريل المقبل. وقد أثارت هذه الرسالة ردود فعل حادة في الأوساط السياسية والشعبية الأوكرانية، حيث قام نواب حزب الأقاليم والحزب الشيوعي بتجميد عمل البرلمان إلى أن يستجيب رئيس المجلس النيابي لطلبهم بسحب توقيعه من رسالة يوشينكو إلى سكرتير حلف الناتو، والتي طالب فيها بالإسراع بضم أوكرانيا إلى عضوية الناتو. واعتبر المعارضون لانضمام أوكرانيا إلى الناتو أن قرار المشاركة في خطة العمل لعضوية الناتو لا يمكن أن يتم إلا وفق نتائج استفتاء عام. وقد بدأت المعارضة بتنظيم اعتصامات أمام مباني البرلمان ومجلس الوزراء ومقر الرئاسة. وقد كشفت استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسة "المبادرات الديمقراطية" الأوكرانية أن أكثر من 50 بالمئة من المواطنين الأوكرانيين ضد انضمام بلادهم إلى الناتو. وأظهرت نتائج الاستطلاع أنه في حال أجري الاستفتاء حول الانضمام إلى الناتو في وقت قريب فإن حوالي 53 بالمئة من مواطني أوكرانيا سيرفضون انضمام بلادهم إلى الحلف، في حين سيؤيد 32 بالمئة حصول أوكرانيا على عضوية الناتو. واعتبر 9,51 بالمئة من المواطنين أن الناتو هو حلف إمبريالي عدواني سيجر أوكرانيا في عملياته العسكرية، بينما أعرب 6,49 بالمئة عن قلقهم من أن يؤدي انضمام أوكرانيا إلى الناتو إفساد العلاقات مع روسيا. ولم تقتصر ردود الفعل على الشارع الأوكراني، وإنما تجاوزتها إلى موسكو، حيث أعلنت وزارة الخارجية أن روسيا ستضطر لاتخاذ "خطوات جوابية مناسبة" في حال انضمام أوكرانيا إلى الناتو. وأكدت أن هذا القرار سيؤثر سلباً على العلاقات بين البلدين، واعتبرت الخارجية الروسية أن التوسع الجديد لحلف شمال الأطلسي سيؤدي إلى إحداث متغيرات عسكرية سياسية خطيرة ستمس أمن روسيا وستنعكس سلباً على الأمن الأوروبي. وفي رد له على تحذير وزارة الخارجية الروسية أفاد الرئيس يوشينكو بأن القيادة الأوكرانية تبقى مستعدة لبحث كل ما تعتبره روسيا خطراً على أمنها. كما أعلن فيكتور نيدوباس نائب مدير دائرة حلف الناتو في وزارة الخارجية الأوكرانية أن كييف مستعدة للحوار مع موسكو حول القضايا المتعلقة بانضمام أوكرانيا المحتمل إلى حلف شمال الأطلسي، بهدف إزالة القلق موسكو، مؤكداً حرص بلاده على العلاقات مع روسيا. ويبدو أن الجانب الأوكراني لا يرى في انضمامه إلى الناتو، وما قد يعنيه من انتشار القوات الأميركية على الحدود الروسية خطراً يهدد الأمن القومي لروسيا، ناهيك عن تهديد الأمن القومي الأوكراني. ولا يقتصر على تجاهل مصالح البلاد القومية وتجاهل أمن الدول المجاورة، وإنما تستمر الحكومة الأوكرانية في سياساتها التي تضرب بعرض الحائط بإرادة الشعب الأوكراني، فلم يكن استطلاع الرأي هو المؤشر الوحيد الذي يعكس رفض الأوكرانيين لانضمام بلادهم إلى عضوية الناتو، وإنما تكشف أحداث القرم التي وقعت منذ عام ونصف، عندما دخلت بارجة أميركية ميناء "فيدوسيا" الأوكراني في إطار إعداد الموقع للمناورات المشتركة بين أوكرانيا والناتو، وقد أسفرت تحركات سكان القرم الاحتجاجية والتي استمرت لعدة أسابيع لتراجع السلطات عن إجراء هذه المناورات وخروج السفينة الأميركية من المياه الإقليمية الأوكرانية. لا شك أن هذه الأحداث تكشف عن أن دخول انتشار قوات الناتو في أوكرانيا لن يكون أمراً سهلاً، وربما صعب التحقيق. ان التطورات الجارية في سياق مساعي الناتو لتوسيع نفوذه بدأت تشكل تهديداً حقيقياً للأمن الدولي، ليس لأنها تدفع روسيا للتحرك عسكرياً لحماية أمنها، وإنما لأنه لا يوجد مبرر لهذه التحركات سوى فرض حصار على روسيا وتفجير علاقاتها مع الدول المجاورة، ما يوفر للناتو مبرراً لوجوده كمنظمة عسكرية تأسست لمواجهة موسكو منذ منتصف القرن الماضي. بل أن موسكو قد تعلن عن انسحابها بشكل نهائي من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة التقليدية في أوروبا. كما يمكن لروسيا أن تلغى معاهدة الصداقة مع أوكرانيا وتنسحب من التعاون العسكري الفني مع أوكرانيا في خطوة ستؤدي بالضرورة إلى تدهور الوضع الاقتصادي في أوكرانيا. ما سيؤدي إلى أن تفقد أوكرانيا أسواقاً أساسية لمنتجاتها الغذائية.

من قال إن أميركا ( نمر من ورق)؟

  محمد خرّوب
على أميركا ان تحقق النجاح في العراق حتى لا يقولوا ان الولايات المتحدة ''نمر من ورق''، قال ذلك الرئيس الأميركي جورج بوش حرفياً قبل يومين في معرض استعراضه للوضع في بلاد الرافدين..
ولأن العبارة تلك، مثقلة بالمعاني والدلالات وخصوصاً التاريخية منها وبما تستدعيه من مواقف وسياسات واقوال وتصريحات حفلت بها حقبة الحرب الباردة وتحديدا في المعارك السياسية والدبلوماسية وايضا العسكرية التي دارت بين ''الامبريالية'' بما هي اعلى مراحل الرأسمالية في المرحلة ما قبل العولمة وبين الاشتراكية التي كانت برأسين (بكين وموسكو) ولكل منهما قراءتها الخاصة بكيفية تطبيق الاشتراكية وطرق المواجهة مع الرأسمالية فان منظري ''المدرستين'' ذهبا في طرق متباينة وسلوكات متنافرة لتحقيق الانتصار ''الاشتراكي'' الكامل على الرأسمالية والحاق الهزيمة النكراء بها كما قال ذات يوم نيكيتا خروتشوف..
ماوتسي تونغ، اطلق عبارته الشهيرة ''الامبريالية الاميركية نمر من ورق'' التي غدت شعارا للماويين طوال عقود طويلة، حتى استحضرها الرئيس ''التبشيري'' جورج دبليو بوش، وكأنها كانت تطارده في كوابيس الاحلام التي تؤرقه في منامه بعد الفشل الذريع الذي لحق بمشروعه ''الأممي'' الحرب على الارهاب ونظرية الضربات الوقائية، ومحاربة الارهابيين والدول الفاشلة على ارضهم حتى لا نضطر لمحاربتهم على الارض الاميركية.
الاتحاد السوفياتي لم يعد موجودا، انتصار الاشتراكية لم يتحقق، جزء كبير من التراث ''السوفياتي'' ذهب الى المتاحف.. كذلك هي الحال مع ماوتسي تونغ والاشتراكية الصينية التي رأت في نفسها الجدارة والأهلية لتطبيق الماركسية اللينينية بعيدا عن ''تحريفات'' موسكو وقراءاتها ومواقفها المهادنة للامبريالية.
والذي كان في عرف بكين ''نمر من ورق''، فتحت له الصين ''ابوابها'' من خلال دبلوماسية ''البينغ بونغ'' وخصوصاً في عهد ''ماو'' الذي استقبل بنفسه ريتشارد نيكسون ووزير خارجيته هنري كيسنجر، فيما كانت اميركا تلملم جراحها والهزيمة النكراء التي الحقها بها الفيتناميون في أقسى وافدح خسارة تلحق بالامبراطورية الاميركية بعد انتهاء الحرب الكونية الثانية، حيث كانت الحرب الباردة في اكثر فصولها سخونة واشتعالاً.
لكن الرئيس بوش يستعيد عبارة ماو من ''الكتاب الاحمر'' ويستدعيها للمثول بين يديه في بغداد.. وكأني به يقرأ النهاية التي لا يريد الاعتراف بها بل يريد ان يتركها قنبلة ''متكتكة'' في يد من سيخلفه (أو تخلفه) في البيت الابيض بعد عام من الآن.فهل صحيح ان ثمة قناعة باتت سائدة الان في اروقة البيت الابيض وفي الدوائر الاميركية السياسية والحزبية ومراكز الابحاث والدراسات والمؤسسة العسكرية وغيرها من المؤسسات العملاقة ان اميركا هي بالفعل وبعد ما لحق بها من هزائم واهتزاز صورتها العنيف منذ الحادي عشر من ايلول هي نمر من ورق؟.
من المبكر نعي الامبراطورية الاميركية على هذا النحو التبسيطي والساذج والاعتقاد ان هزيمة لحقت - او هي في طريقها الى ذلك - بالولايات المتحدة في العراق وافغانستان وانهياراً كاملاً في مشروعها لدمقرطة الشرق الاوسط الكبير هو وحده الذي سيسقط واشنطن عن رأس الهرم الدولي وقيادتها المتفردة للعالم.ليس كذلك الركود الذي يتسارع في اقتصادها وعدم تفاؤل الاقتصاديين والمحللين بأن خطة الانعاش الذي اقرها الكونغرس بمجلسيه وحزبيه الديمقراطي والجمهوري، كفيلة بتسريع لحظة الانهيار الامبراطوري الاميركي، وبالتأكيد ليس عجز الموازنة أو حجم المديونية الهائل الذي يكاد ان يقصم ظهر الاقتصاد الاميركي - والمصادفة التاريخية بأن صين ''ماو وحزبه'' هي اكبر دائن (او مشتر) للسندات الاميركية التي تمنح الاكسجين للاقتصاد الاميركي وتسهم - للمصادفة ايضا - في تمويل حروب بوش) هي التي ستحكم في القريب الوشيك على ان الولايات المتحدة الاميركية هي نمر من ورق.لا احد يقلل من اهمية كل هذه القضايا في التعجيل بانتهاء ظاهرة القطب الواحد التي سمحت لواشنطن منذ العام 1991 بقيادة العالم على هذا النحو الطائش والارعن والاكثر فظاظة وتخليا من منظومة القيم والمثل التي حاولت الادارات الاميركية المتعاقبة وخصوصا قبل وصول جورج بوش الى البيت الابيض، تسويقها في العالم في رداء من الدفاع عن حقوق الانسان والحريات العامة وحق تقرير المصير للشعوب ورفض التعذيب والاصطفاف الى جانب القانون الدولي والشرعية الدولية واتفاقية جنيف.لكن كل ذلك سقط وانكشف، ولم تعد ادارة بوش قادرة على توفير البضاعة وهي باتت بلا رصيد سياسي أو أخلاقي او احترام عبر العالم كله، بعد ان جلبت كل هذا الخراب والدمار واطاحت بكل ما هو انساني واخلاقي وشرعي ومارست التعذيب على ابشع صوره وحصدت من كراهية شعوب العالم لسياساتها على نحو لم تكن عليه طوال قرن من الزمان، بل ان استطلاعات الرأي العام العالمية تقول ان الولايات المتحدة - ثم اسرائيل - تشكلان التهديد الاول للسلام والاستقرار في العالم اجمع، ولم يكن تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش الاميركية يوم اول من امس، حول استمرار الولايات المتحدة في انتهاك حقوق الانسان الاساسية من خلال الابقاء على مراكز اعتقال سرية في الخارج واعتقال اشخاص بطريقة غير شرعية ومبررة استخدام التعذيب.. سوى بعض ما باتت عليه صورة الادارة الاميركية الحالية من بشاعة ولا انسانية ناهيك عن ''الكذب'' الذي يلازم ويطبع كل تصرفاتها ومواقفها.لا احد يقول الآن ان اميركا ''نمر من ورق''، فما تزال تتوافر على قوة عسكرية ضخمة وغير مسبوقة في التاريخ، ولكن ''عمياء وغبية'' وما تزال تتوافر على اقتصاد وثروات وثقافة وامكانات علمية هائلة ومراكز جذب للاستثمارات والعقول وفرص عمل لكنها في طريقها الى الهزيمة ثم الانهيار على غرار ما حدث لكل الامبراطوريات عبر التاريخ التي لم تؤمن بغير القوة العسكرية طريقا لتحقيق اهدافها والتي لم يعرف قادتها ان للقوة حدودها وان ارادة الشعوب المستضعفة والفقيرة اقوى من كل الاسلحة والبوارج والغطرسة والاستعلاء وان لا طريق للبقاء على القمة سوى تطبيق مبادئ العدالة والمثل الاخلاقية والانسانية واحترام القانون الدولي وثقافات الشعوب وخصوصياتها.

 

 

القرأن الكريم


الوقت والتأريخ


القـامــوس

 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة البينة الجديدة© 2007          تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com