القائمة الرئيسية

الاولــــــــى

الافتتـاحيـة

الثــــــانيـــة
السياسيـة
محليـــــات
تحقيقـــات
الثقـافيـــة
حـــــــوارات
طب و علوم
مــقـــالات
الـــريـــاضــية
الاخــيـــرة

القائمة الثانوية
الاتصال بنا
الارشـــيف
كاريكــاتيــر

 

    
البينة الجديدة جريدة يومية سياسية عامة                                                                                                                                               رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين العراقيين (134)                                                                                                                      رقم الايداع في دار الكتب والوثائق (970) لسنة 2007

السنة الثالثة العدد (514) الثلاثاء 2008/1/29م ـ 20/محرم/ 1429 هـ

غيـاب الاهـداف

 ابو الغوث
ليس هناك عمل بدون هدف واضح تعمل عليه الجماعات والافراد على حدٍ سواء، فأن غاب ذلك الهدف انتفت الضرورة من ذلك العمل وقد يؤدي الى انهياره واختفائه.هذا هو حال حقيقة الاعمال الفنية الدرامية في العراق،فبعد غياب الدعم الحكومي حتى وأن كان جزئياً فضلاً عن الجمهور المتلقي ، كل ذلك ادى الى الغائها من عناوين الحياة العامة التي لا تستكمل عناصر التقويم والثبات فيها بدونها. الامر الذي استدعى هجرة اغلب الفنانين العراقيين الى الخارج والبحث عن بدائل اخرى قد يجدونها اولا. لذلك نطالب الحكومة ومن خلال وزارة الثقافة بدعوة كافة الفنانين المقيمين الان خارج العراق بالعودة والعمل في الاقنية الاعلامية(التلفزيون والاذاعة).وبذلك نضمن التكامل النسبي-ان صحت تسميته-في سير الحياة التي تحتاج الى عدة ركائز ومن اهمها الفن الذي يتوازى مع لقمة العيش لاستمرارها.
والنتائج الايجابية للفن الراقي الذي يحاكي الحياة باتت معروفة وتسهم الى حدٍ كبير في تطوير الذائقة وتوسيع المدارك الذهنية والمخيلاتية.
اذن درج الفن في المفهوم الحكومي الرسمي يعد واحداً من التهذيبات والتشذيبات التي تجرى على الشخصية الانسانية والحياة.
ولا يستغرب القارئ من دعوتي هذه التي اهملت المسرح،وذلك لعدة اسباب اهمها:ان المسرح لا يمكن له ان يوجد مالم يتوفر الرخاء الذي يعم كل التكوينات الحياتية واهم عناصرها الانسان.
فهذا الفن يتنافر مع الدم والارهاب والقتل والخوف وهو بحاجة الى بيئة خاصة تؤهله للعمل بدون اية مضايقات.

سلام الناصر في (هفوات الدهشة) وأضلاع المثلث!

 محمد سهيل احمد
لعل واحدا من تعريفات الشعر انه ممارسة إبداعية تشتغل فيه المخيلة على طرفين، هما الإدهاش كطرف أول والصياغة اللاواعية للحظة الشعرية بمعنى (الهفوة) كطرف ثان.
في ضوء هذا الأسلوب الإشتغالي أنجز الشاعر سلام الناصر قصائده ليضمها، بالتالي، بين دفتي ديوانه البكر(هفوات الدهشة) الصادر بجهد شخصي من إحدى مطابع البصرة عام 2006 :
للتأقلم الفطري بحضارات الهشة
اخلدي.. بجوار الظل المتواري فيك اخلدي.. أيتها الروح العظيمة "
من قصيدة (تباعا) ص4
ثمة في الفعل الشعري المنبثق من منطقة...
اللاوعي الى منطقة الوعي مثلث وهمي تتباين أضلاعه على النحو التالي:
الضلع الأول .. أن تهطل اللحظة الشعرية في النص بهيئة منفصلة عن ذات الشاعر:
زائر جاء صباحا... طائر خلف زجاج الردهة
فرّ سريعا وتوارى بالضباب "
هفوات ص59
الضلع الثاني للمثلث هو ان يتخذ الفعل الشعري شكلا من أشكال التقرير الذي يتسم بالمباشرة والعمومية والذاتية :
يستمعون بين التمرد
والانصياع
أسياد رصاص
بجعبهم
تنمو الآمال والأساطير
ويزدهر التشرد "
نص (البواسل) ص79
اما الضلع الثالث فهو (خلطة) او (عجنة) من الإشتغالين المشار اليهما آنفا. ولكل من هذه الأضلاع نقاط قوته وضعفه وكما يلي: الضلع الاول:
يعني عناية كبرى بالجوانب الفنية للمشهد الشعري بما يحتويه من بلاغة وإشعاع مفرداتي وإيقاع، بيد ان خطورته تكمن في انه يبدو أشبه بجزيرة معزولة عما حولها من تضاريس. هذه الصورة او اللوحة الشعرية لابد من حضورها في النص على نحو علائقي ؛ اذ لا بد من اتصالها الوظيفي مع وحدة النص وروحه إضافة الى تواشجها مع المقومات السيميائية للنص . الضلع الثاني للمثلث :
وظيفته تكمن في انه يخفف، استنادا لما ذهبنا اليه أعلاه، من وطأة وطغيان وانعزالية الصورة الشعرية المشحونة بجرعة بلاغية عالية، كما انه يعكس انكفاء سيكولوجيا للشاعر باتجاه الداخل.. الصرخة الأولى، المباشرة، التوصيفية.
الضلع الثالث: تعمل ، هنا آليات المزج بين الداخل والخارج على تعشيق المنحيين احدهما بالآخر سعيا وراء إحداث دوران ديناميكي يمتزج فيه الموضوع بالذات. اعتقد ان قلق الشاعر، على الدوام، يكمن في رسم هذا المثلث الوهمي، وان بضلعين فقط.ان عملية بثّ الجرعات المناسبة يعتمد أولا وأخيرا على مقدرة الشاعر على تحديد حجم المعطى الشعري المنبثق من احد الأضلاع الثلاثة. من خلال الانتقالات الواعية ـ وان بدت ظاهريا او في مراحلها الأول غير واعيةـ لرؤيا الشاعر وانثيالاته بين هذه الفضاءات.ان أي اختلال لهذه المعادلة السيميائية يمكن ان يفقد المثلث احد اضلاعه او تمسخه او تحيله الى شكل هندسي اخر عبر ما يمكن ان يطلق عليه ب (هندسة المخيلة).لقد استند ديوان (هفوات الدهشة) باعتباره العمل الشعري البكر لسلام الناصر على هذه الممازجات ولكن هل استطاع الشاعر، عبر نصوصه ان يقدم اداء مختلطا ؟ لاشك ان الشاعر، أي شاعر يعي بشكل جيد مثل هذه المعادلة التي يكون واحد من ابرز معطياتها هذا المثلث الوهمي الذي لا يبصره المتلقي بل الشاعر ، ضمن آليات انضاج نصه، ثم الناقد، فيما بعد. لكن هل يكفي إتقان ( الطبخة ) الشعرية لتقديم قصيدة تخترق ذائقة المتلقي ؟ احسب ان الشاعر معني أيضا بتفجير نصه الشعري تاركا للمتلقي ان يتدفأ بظلال النار، وان يستشرف آفاق القصيدة من خلال الايماءة و الإيحاء بمعنى ان الشاعر، وهو يؤسس لنصه الشعري تقاليد محددة ، يعمل على اقتراف تفجير متقن لفوضاه الشعري. لقد استطاع سلام الناصر ان يقدم لنا الكثير من النصوص الموحية التي لا تشكو من الترهل والغنائية المائعة. العبارة الشعرية لديه مقتضبة ، تكتفي احيانا بالإيماءة والإيحاء من بعيد . غير ان بعض الأخطاء الطباعية والى حد ما اللغوية اسهمت في ارباك مقدرة المتلقي على التفاعل مع بعض النصوص . هذا النقص لا ريب حاصل ، في الغالب من التعجل الذي يسمى الحماس الذي عادة ما يرافق مثل هذه التجارب النابضة التي سعى الكثيرون الى خوضها بجهود شخصية شجاعة و تضحوية . وما نتمناه على اصحاب مثل هذه المشاريع التأني والإشراف الشخصي على أي مطبوع بدء من ولادته وحتى دخوله الى المطبعة .لا تشكو مخيلة سلام الناصر من المعرقلات الذهنية التي تحد من رحابتها لاسيما وان الشاعر قد عاش حياة الترحل في كل من سورية وشرقي اوروبا ، ما اغنى محاولته وسيغني عمله الشعري القادم الذي لا نشك ان يراعه ؛ عبرها سوف لن يكون مغموسا بالحبر وحسب بل بالدم ، هي مخاضات متعددة السطوح لرحيل نجله ونصه الأعز الفتى ( علي ) الذي صدع مصرعه الدراماتيكي الفاجع لا قلب الوالد وحسب بل قلوب كل محبيه.

قصة قصيرة
غيمـتـي الـزرقــاء
بسام الطعان

 يبدو أن أمي الحبيبة، حملتني علي حلم وأطعمتني من حلم ، وسقتني من حلم، وهذا دليل علي أحلامي التاريخية، فأنا أنام علي حلم، واستيقظ علي حلم.
كثيراً ما حلمت بغزالة تشبه الضوء الملون، ولذيذة مثل القبلة الأولي، وكثيراً ما تمنيت لو أن التقي بها في الأسواق، علي الدروب والضفاف، وفي السهول والوديان.
يبدو أنني كنت أشطط بأحلامي نحو أغوار المستحيل، وها قد مضت عشر سنوات ولم ألتق بها، وقد كتبت عنها مئات القصص.
ذات تعب وربيع، هربت من ملل، وضجيج، ورياء، ونميمة قيدتني بها البلدة ومن فيها، هربت إلي غابة كبــيرة لا أعرف في أية جهة تقع، ولا أعرف إن كانت في بلدتي غابة، كل ما أعرفه أنني أمتهن الأحلام وكتابة القصص القصيرة. في هذه الغابة، جلست لأكتب قصة خطرت علي بالي، فردت أوراق ذاكرتي وكتبت وأنا أنظر إلي السحب السابحة في الفضاء: كثير من الأشياء لا ننساها، نحّن إليها، ننتظرها أن تأتي ولكنها لا تأتي، وتلك التي شدتني نحو سحرها، وأسرتني فكراً وقلباً وروحاً لا تأتي.. بغتة سمعة ضحكة ناعمة، فتوقفت عن الكتابة، أرسلت نظراتي في كل الاتجاهات، فرأيت مخلوقاً علي شكل امرأة تشبه قصيدة تنساب من مسارب الوجدان، ترتسم علي وجهها الطفولة، شعرها طويل لا حد له. يا إلهي لماذا أحب الشعر الطويل؟ عيناها صباحات عصافير الدوري، وجنتاها زهر اللوز، وشفتاها بستان كرز. كانت تتمدد بأناقة تحت شجرة باسقة، ولا يستر جسدها إلا ثوب أزرق يكاد لا يسـتر شيئاً من المفاتن.
إنها هي.. غزالتي الضائعة. صـحت من الفرح وغرقت في خضم نشوة ممزوجة بكثير من العذوبة، تأملت إغراء جسدها، فتوزع نبضي في المدي، ونســيت أين أنا ونسيت موضوع القصة أيضاً.
أشارت لي بسبابتها أن أقترب منها وهي تنظر إليَّ نظرة تنم عن جوع من نوع آخـر، لكنني لم أجرؤ علي الاقتراب، كيف أقترب ولا أعرف هل هي امرأة، أم غزالة، أم مهرة، أم جنية؟
ـ تعال ودلّك ظهري. قالت بصوت آمر، ثم استلقت علي بطنها، فاختفي الجسد تحت نثار شعرها الأسود.
اهتز قلبي اهتزاز أوتار القيثارة وأنا أنظر إلي الغرابة والجمال العجائبي، ولا أدري كيف تجرأت وركعـت أمام الجسد المثير، أبعدت بحنان خصلات الشعر، فبانت النعومة والطراوة والبياض. غازلت يدي اللحم الحار، وطاب لها المقام فوق الكتفين، ثم منتصف الظهر، فالوركين، بينما نفسي تصدح كطائر أفلت لتوه من قفصه وتتساءل:" إذا كانت غزالة، أو امرأة، أو جنية فأين العظام؟
الشمس تشـرف علي المغيب، والعصـافير تودع بعضـها البعض بالقبلات ورفرفات الأجنحة علي أمل اللقاء عند الفجر، والغابة تلتزم السكينة، وهي وأنا نطلق آهات وتنهيدات، نمتهن اللذة ونكاد نسافر إلي عالم النوم.
وما أطيبها إذاك حين استوت جالسة، وأمسكت يدي وهمست:
ـ سأطعمك لحماً لم تذقه من قبل.
سارت فيَّ جداول الرغبة، انفتحت شهيتي لكل الجسد، من أصابع القدمين حتي الرأس، وبعد خدر لذيذ سألتها:
ـ من أنتِ ومن أي عالم جئتِ؟
ـ أنا الدهشة والضحك والفـرح الذي يطير بلا أجنحة، وقد جئت من عالم الحب والغموض.
وقبل أن أبدأ بتناول وجبتي الشـهية، أطلقت ضـحكة عالية، هرولت بين الأشجار، وراحت تقسو عليَّ ولا أقسـو إلا في حبها، وكان ثوبهاـ يرتعش ارتعاشـات الندي البحري، بينما العتمة تستعد لأن تعلن عن نفسها.
انجذبت إليها انجذاباً مغناطيسـياً،غردت حلما منثوراً خلفها. وهل لي غير الأحـلام ؟ رسـمت حنيني علي أوراق الشـجر، والعشـب الناعم، عانقت خطـواتي خطواتها، كدت أمسك بيدها وشـعرها الهفهاف يداعب خدي، لكنها استطاعت وبحركة سريعة أن تفلت مني. الركض في الغابة وفي جو بديع وخلف امرأة لها طـعم العنب، شيء جميل وغير متعب، حتي لو كانت الأشواك تدمي القدمين.
لعبتْ لعبة المراوغة، تحكمت فيَّ وهي تريني مفاتنها حيناً، وحيناً تمطرني كركرة وتشجعني علي اللحاق بها، فجأة ضاعت وضعت معها، اختفت وكأن الأرض قد ابتلعتها، فعاد الحزن المنسي وارتسم علي هوامش العمر، ولم يعد لي هم غير أن أعيدها وبشــكل متشـنج وطفولي إلي دفاتر التفقد.
بعد حين انبثقت أمامي وكأنها تسـللت من الفضاء واستـوطنت الغابة في غفـلة مني، غـرزت أشياء رائعة في حـدقتي عيـنيَّ، فاستعدت لأن احتويها بهديلي وأقتنيها اقتناءً سرمديا، ولكن حسـرة الروح شاخت، نســيتُ في غمرة لهفتي وأنا أركض خلفها أنني في أعماق الغابة وبت تائها فيها. كنت أركض وأزفها ولهي، اشـتياقي، ألمي، ضياعي، لكنها خانتني وأعادتني إلي نقطة الصفر، حيث الحلم والصراع بين الجسد المتعب والقلب الولهان.
أين أنت؟ هل مازلت في الغابة أم تحولت إلي سراب؟
لم أمّل ولم أتعب من البحث عنها، فجأة سمعت صدي ضحكاتها ونداءها يأتيني من البعيد:
ـ أنا هنا..
عندئذ اندفعت أركـض وألهث وأصيح، فلم تمنحني الغابة سوي ارتداد الصدي، وضاع الوصل والوصال، وحدث ما لم يكن في الحسبان، فقدت توازني، وكادت أنفاسـي تتوقف من هول المنظر الذي لم تألفه عيناي، رأيت مخلوقات كثيرة لا أعرف اللحـظة عددها، وكل واحدة تمشي علي أربع ومتحفزةـ للانقضاض عليََّ، وبدأت أحلم من جديد، فأنا لا مهنة لي غير الأحلام، أحلم بكيفية الخلاص من هذه المخلوقات الشرسة التي لا أعرف من أين جاءت وماذا تفعل في الغابة، تراجعت عدة خطوات إلي الوراء، ثم هرولت بكل قوتي، ويا للهول، كشـرت عن أنيابها ولحـقت بي كلها ، وبلحظات قليلة، حولت ثيابي إلي خـرائط ممزقة ولوثت العشب بالدماء، تركتني المخلوقات الظالمة وهربت، ولا أعرف لماذا هـربـت، رممت جسدي وبكيت، ومع البكاء رأيت الغزالة فوق الشجرة تنظر وتكركر بعذوبة، فلم أنتظر طويلاً، نهضت بكل آلامي، صعدت إلي الشجرة حتي صرت فوق أعلي غصن، لكنني لم أصل إليها، وحين تطاير ثوبها في الهواء ورأيت ما رأيت، قفزت لأضمها إلي صدري الجريح، وعندها تكشفت رؤاي الكاذبة، وجهلي الفاضح في تقدير المسافات، تطاير جسدي في الهواء وعلي الأرض ابتدأ لحن الأنين، وكانت غزالتي الضـاحكة تسـبح في الفضاء مثل غيمة زرقاء، وتنظر إليَّ بجسد طري يشع برغبة متوحشة، وانتظرت هطولها.

المكــان يمـضـي
علي خصباك

 انت لاترينني
لاترينني
وهذا محض إفتراء
فخلاياي
كانت صورة
ترسمك
وعندما اسلك دربك
تضيع خطاي
وانا كالفراش وانت الضوء الوحيد
كم غبشا
يفتح النافذة
وانت تهطلين في شتائي
وكم نافذة سرقت عطرك
وانت تمرقين
من خلال الزجاج
وكم زجاجة تشظت
واحتواها دمي
الكأس ذاته
والمائدة ذاتها
وانا ..هوانا
اثمل
لكني اراك لاول مرة
اسبح في بحر الارتباك
وابحث عن لؤلؤ الكلام
اقطن في المسافة التي بيني وبينك
لكني لم اصل
نعم
هو الزمن متوقف
والمكان يمضي
ياللذهول الدائم
الزنبق الذي يشبهك
والنشوة التي تجرأت
للمضي في خيلائك
والغرورالذي ينطمر
بين حاجبيك
وكل الذين تخفوا
مخافة نأمة منك
نأمة منك
همستك
نقشة على قماشة الروح
وجدول عصافير
وحلم من ندى
وشتاء في صيف الفقراء
وحدك انت
المهيمنة على طلسماتي
فألوذ في الفرار
الى الفرار اليك.

شـعـر
الثرى والنجوم
كاظم شناتي الركابي

 لاتوسدوهم الثرى..
بل وسدوهم النجوم
لايصح في التراب دفنهم..بل في الغيوم
قد أشرقوا كما الشموس في حياتنا
وانطفأوا كالشهب..فكانوا
للشياطين كالرجوم
حملوا أمانة ثقيلة
اخف من حملها كل الهموم
لكنهم..حينما توجهوا...
نحو السماء
حلقت أرواحهم..بخفة
نحو الخلود
دونما جواز للمرور..او رسوم
كوكبة من الزهور
أينعت..على الرصيف
حيث ترجلوا عن جيادهم
للمرة الأخيرة
قبل ان..يخيم الوجوم
لاتوسدوهم الثرى
واتركوا صدورهم..تصارع الرياح
تعانق الشموس
والاقمار
فقد أزالوا عن سمائنا الغيوم
لاتوسدوهم الثرى
ففي قلوبهم..يعرش الأمل
وعلى أكتافهم..قد حطت النجوم
لاتخدشوا حياءهم
بتعليق النياشين ففي طباعهم...
رقة المياه ونقاوة الندى
وحلاوة العصير في الكروم
لاتوسدوهم الثرى
فإنها إغفاءة بسيطة..
وسوف ينهضون
أجهزة الاتصال..في أحزمتهم
لاتزال تستلم النداءات
وأصابعهم المخضبة بالدماء
لم تزل..تنفذ الأوامر
وأرواحهم..في الميدان
لم تزل......تحوم.

هــؤلاء المـرضـى هـم معلمـونــا وأبـطـالنــا

 سعد محيو
سلامة موسى، المفكر المصري الراحل والمرَبي الباقي للعديد من الأجيال العربية المتعاقبة، له كتاب رائع عنوانه »هؤلاء المرضى علموني«.
في هذا المؤلف، يعرض موسى بأسلوب مشَوق لكل المفكرين والعلماء والمؤلفين العالميين الذين تتلمذ هو على أيديهم، من كارل ماركس وسيغموند فرويد إلى جورج برنارد شو وتشارلز داروين وفلاسفة عصور الأنوار الأوروبية، ليكتشف أن كلاً منهم كان يعاني إما من معضلات نفسية معقَدة أو من مشاكل صحية أثرَت على أنماط تفكيره. ثم هو، بعد ذلك، يطرح السؤال المثير:هل من الضروري أن يكون المرء مريضاً كي يكون عبقرياً؟
لو كان سلامة بيننا هذه الأيام، لما طرح هذه المسألة كسؤال. كان سيقفز فوراً إلى الجواب: أجل. من المحتم أن يكون كل عبقري مريضاً. لماذا؟
لأنه كان سيعاين أمامه، وعلى الطبيعة، عباقرة أحياء يعيدون الآن تشكيل كل نظرتنا إلى العلم والحقيقة، فيما هم ضحايا أمراض مرعبة.
احد هؤلاء هو البروفسور الأميركي جون ناش. هذا الرجل، الذي يعتبر من أهم عباقرة الرياضيات في العصر الحديث، والذي طَور »نظرية اللعبة والتوازن« التي تفترض أن النظام الإجتماعي يمكن ان يتأسس على السعي العقلاني للأفراد إلى تحقيق المصالح الشخصية، أمضى عشر سنوات كاملة في مستشفيات الأمراض العقلية بسبب إصابته بالشيزوفرانيا إنفصام الشخصية.
هذا المرض، كما هو معروف، عضوي لا علاج له. والأدوية والعقاقير التي تعطى لضحيته هدفها الوحيد وقف تدهور حالته العقلية إلى مزيد من الهلوسات. لكن الدكتور ناش إستطاع ليس التغلب على الهلوسات والشخصيات الخيالية التي تظهر له فهذا مستحيل، بل التعايش معها بطريقة منعتها من شل قدراته العقلية. وهو بذلك نجح للمرة الأولى في تاريخ حالات الشيزوفرانيا أن يواصل نشاطه الذهني إلى درجة حصوله على جائزة نوبل للعلوم.
ثم هناك عبقري آخر قد يكون أهم بكثير. إنه البروفسور البريطاني ستيفن هاوكينغ، الذي يعتبر عن حق خليفة ألبرت أينشتاين على عرش علم الفيزياء.
هاوكينغ أصيب وهو على مقاعد الدراسة بمرض عصبي نادر يدعى »لو غيهريغ« الذي يقتل ضحاياه خلال سنتين أو ثلاث. لكن قوة الإرادة الهائلة لديه جعلته يستمر في الحياة حتى بلغ الآن الخامسة والستين، برغم أنه مشلول بالكامل تقريباً ولا يتواصل مع الآخرين إلا عبر كومبيوتر يقرأ ما يقول عبر حركات العينين.
إستطاع هاوكينغ وهو على هذه الحال أن يصبح الخبير العالمي الاول في مسألة »الثقوب السوداء«، وهي أجرام فضائية غامضة تسحق جاذبيتها كلاً من النجوم الميتة، والزمان )الذي يعود فيها إلى الوراء( والمكان. لا بل هو تزوج أيضاً مرتين وأصبح له أولاد وأحفاد، ووضع العديد من الكتب الباهرة أهمها »تاريخ موجز للزمن«. لا بل أكثر: هاوكينغ يستعد الآن للقيام برحلة فضائية، يختبر خلالها حالة فقدان الوزن والجاذبية التي أمضى جل عمره في دراستها.
كيف استطاع ناش وهاوكينغ القفز فوق هذه المعوقات المرعبة، التي كانت ستدفع أياً منا ليس إلى الإبداع والعبقرية بل إلى الإنتحار وتدمير الذات؟ ما هي تلك القوة الهائلة في أعماقهما التي تدفعهما إلى التمسك بالحياة على هذا النحو، وتفجر فيهما كل هذه الطاقات العبقرية؟ هل شلل الجسد يطلق حرية الروح والعقل؟
المثل العربي القديم يقول »كل ذي عاهة جبار«. ربما كان هذا صحيحاً. لكن الأصح أن يقال: »كل جبار يجب أن يكون ذا عاهة«، خاصة إذا ما كان هذا الجبروت مختَصاً بالعلم والمعرفة والبحث عن الحقيقة.
سلامة موسى: »هؤلاء المرضى« لم يعلموك وحدك. إنهم كانوا، وما زالوا، معلمي البشرية جمعاء.

 

 

القرأن الكريم


الوقت والتأريخ


القـامــوس

 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة البينة الجديدة© 2007          تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com