|
شوقي
كريم حسن
اشار علي صاحبي، بان ندخل اللعبة معا، فسوق
التزوير، هذه الايام رائج رواج الاحلام، وثمة
شبكات ترتبط مع بعضها بروابط عميقة، روابط جعلت
اعضاء هذه الشبكات تتوغل عميقا في كل مفاصل دوائر
الدولة الحكومية، وغير الحكومية. اللعبة، لا تحتاج
لسوى جسر تعبر من خلاله، لتدخل هذا العالم الذي
صار غولا، يلاحقك اينما اتجهت، اتخذت من صديقي،
وجاري القديم “علي مزعل” من مدينة الصدر، معبرا،
قال لي ــ حاذر.. فهذه دوائر الداخل في اسرارها،
لا يمكنه الخروج منها بسهولة، فرضيت، بان نغامر
معا، هو يريد معرفة بعض من خفايا الساسة، وانا
اريد الوصول الى كنه الاجابة، لسؤال ظل يلاحقني
منذ سنوات طويلة. من اين لهؤلاء المزيفين
والمزورين، كل هذه القوة، والاتقان؟!. كان السؤال،
يتوغل عميقا في الجنون، لكن اجابته تستحق المغامرة
والمجازفة.
اسرار.. وحكايات!
تقول المصادر.. ان مهنة التزوير، مهنة موغلة في
القدم، فلقد ظهرت لاول مرة، ايام الملك حمورابي
حيث قام احد الملاك بتزوير حجة لأمتلاك ارض من
فلاح، وحين اشتكى الفلاح امره للملك، اعترف ذاك
المزور بفعلته، وهذا ما حدا بحمورابي ان يثبت امرا
عن التزوير في مسلته الشهيرة، لتصبح شهادة تاريخية
عن هذه المهنة. وقد كتب الكاتب “اندريه جيد”
روايته الشهيرة “مزيفو النقود” ليكشف من خلالها
عمليات التزوير ودقة تزوير العملات. وقد اشتهرت
بعض البلدان، بقوة مزيفيها، ولعبهم التي تجدد كل
يوم، بل وكل ساعة، ومن هذه البلدان امريكا،
وباريس، والارجنتين، وكولومبيا، ومصر، واسرائيل،
التي تتصدر قائمة المتلاعبين بتزوير الدولار
الامريكي!.
حكايات
دخل رجل على الخليفة ابو جعفر المنصور، وهو في
بغداد، يبكي، ويلطم، فقال له المنصور: ما لك يا
هذا؟!
فقال الرجل ــ لقد اخذ مني جندك ارضي وزرعي، دون
وجه حق!
فقال المنصور ــ وما هو دليلك على ان قائد جندنا
فعل هذا؟
فأخرج الرجل، ورقة مختومة وموقعة، تدلل على ان
الارض الواقعة بين واسط وبغداد ارضه، وان البساتين
له، فأستدعى المنصور قائده، الذي وقف مبهورا،
رافضا بشدة ادعاءات الرجل، مبررا كل ما يؤكد
ملكيته بالارض والزرع ابا عن جد.. وبعد خصام
وجدال.. عرضت الوثائق على اهل الخبرة بالخطوط
والخواتم فظهر ان الرجل كان مزورا، مدفوعا لتشويه
القائد!.
* وتقول حكاية اخرى: ان عبدالحميد الثاني، سلطان
بني عثمان، ارسل فرمانا، يعزل فيه واليا، ويعين
واليا فما كان من حامل الفرمان، الا ان وضع اسمه
بديلا عن الوالي الجديد، وظل واليا لبغداد حتى
تفقده عبدالحميد وقيل له، انه والي بغداد، فتعجب
وارسل في طلبه، ليكشف تزويره!
* واشهر اشكال التزوير واكثرها شيوعا، هو الذي
يمارس ابان الانتخابات، حيث يقوم الساسة بتزوير
البطاقات الانتخابية لصالحهم، ووضعها في الصناديق
المعدة لذلك، وتقول المصادر ان ما من انتخابات جرت
في العالم خالية من التزوير مئة بالمئة.
اغمضوا ابصاركم.. من هنا يبدأ الدرب!
دفعني “علي مزعل” الى ان اغير من هيأتي قليلا، وان
احمل ورقة ثبوتية هي هوية الاحوال المدنية، وهذا
ما كان.. وصلنا المكان المحدد، كان سوقا مكتظا، من
اسواق مدينة الصدر، هنا تجد كل شيء معروضا للبيع،
وقابلا للشراء، اشياء ليس بينها ثمة رابط، سوى ذاك
الرابط العجيب، الذي يربط بين القطار والضفدعة..
توقفنا هنا.. واشرنا الى تلك البضاعة، دون ان نجد
ضالتنا، او هكذا خيل الي.. ظل الانتظار شاخصا
امامنا، الى ان ابتسم صاحبي، وهز رأسه هزات خفيفة
متتالية، فتقدم منا شاب لم يتجاوز منتصف
العشرينيات، سلم علينا بحرارة، وعرفني باسمه
“شاكر” ربما هو اسمه الحقيقي، ففي زمن كهذا ليس
ثمة خوف من شيء!. وربما لا.. فللمهنة اسرارها..
ودروبها السرية، وخفاياها!.
اول الاجابات!
قال: “شاكر” الذي حاولت معرفة اسم والده دون جدوى.
ـ ما تطلبون تحصلون عليه.. المهم ان تكون لديكم
وثائق رسمية “جنسية شهادة جنسية جواز سفر”. قلت:
لماذا.. ونحن جئنا لنطلب واحدة من هذه الوثائق؟!
قال لا بأس.. بواحدة.. فلابد من معرفة من تكون؟!
لكزني “علي مزعل” بكوعه، ففهمت، قال “شاكر” علي
مزعل.. يعرف الاسعار.. وهي ثابتة.. ولايمكن
التنازل عن درهم واحد.. والموقف لايحتاج الى
اجابات! هز “علي مزعل” رأسه، فقال شاكر.. موضحا.
جواز السفر الجديد “ابو الفسفورة” نصف مليون
دينار، وهو صالح وصادر من الدوائر الحكومية
والمعنية بالامر!.
ابتسمت لهذه الدقة في الاسعار، لم ينطق شاكر بعد
سلسلة الايضاحات بشيء، كان يسير امامنا مسرعا،
وكنا نلحقه داخل ازقة ضيقة، حتى وصلنا المكان. كان
بيتا متواضعا، لا ينم عن شك، حين دخلنا صالة
الاستقبال، والتي تشبه مكتبا حكوميا، وهكذا خيل
اليّ، دخل علينا “ابو مازن” مسلما، وبعد التحية
والسؤال عن الصحة والاحوال قال “ابو مازن” 35 سنة!
“نحن نسهل امر الناس، فالكثير من الوثائق
والمستندات الرسمية احترقت، والدولة عاجزة ولا
تستطيع مساعدة المواطن في شيء، ونحن لا نقوم بما
هو مخالف، لدينا جهات تساعدنا على ان يكون كل شيء
اصوليا وقانونيا، والا لما اشتغلنا، المهم لدينا
تسهيل المهمة.. اما ما نطلبه فهو بسيط، الى جانب
ما يطلبه موظفو الدوائر ذاتها!. قال “ابو مازن” ما
الذي يريده العم؟! فقال “علي مزعل” ابو مازن..
نريد جواز سفر حديث..؟! قال الرجل ــ نعم.. ادفع
نصف المبلغ الان.. وبعد ثلاثة ايام من الان تعال
وخذ حاجتك وسدد الباقي ونحن بالخدمة يا وردة!
تظاهر “علي مزعل” بان السعر كثير جدا، وان المبلغ
الذي بحوزتي لا يتحاوز المئة الف دينار، فلم يرض
هذا “ابو مازن” وظل ساكتا، الى ان سألته، عن اغرب
حالات التزوير التي مرت به؟! قال ــ تعلمت هذه
الاسرار ايام كنت جنديا، فكنت اقوم بتزوير نماذج
الاجازات، وكتب التأييد الى الدوائر الحكومية،
وكان سعر نموذج الاجازة مئة دينار... وبعد احداث
احتلال الكويت، قمت بالعمل في تسريح الجنود من
الخدمة العسكرية، بعد ان تعرفت على اناس في مديرية
التجنيد العامة، وغيرها من المؤسسات الحكومية،
وحالتنا فيها الكثير الكثير من الغرائب!
احدهم جاء يطلب شهادة وفاة لنفسه، وطلب ان يكون
تاريخ الوفاة 1992، سيدة طلبت ورقة طلاق من رجل
استشهد عام 1982 ، ولد جاء يطلب هوية احوال مدنية،
وتحمل اسما لاب مغاير، وحين سأل عن السبب، قال انا
لا احب والدي ولا اريد الارتباط باسمه! شاب “نحتفظ
بالاسم” خريج الدراسة الابتدائية، اراد الحصول على
شهادة الماجستير، من كلية الزراعة لانه مقبول في
احدى الجامعات العالمية!
سياسي بارز عملت له شهادة عليا، رغم انه يحمل
شهادة البكالوريوس، وحين استفهمت منه عن الامر قال
ضاحكا:"ليس هناك واحد احسن من واحد.. وكلهم يحملون
هذه الدكترة التي اشتروا معظمها من الخارج بطرق
معروفة"!
ونحن جلوس، دخل علينا شاب، لم يتجاوز الثلاثين
بعد، وبعد ان اطمأن لوجودنا، قال لأبي مازن..
مولاي الجماعة يحتاجون عشر بطاقات تموينية، وهذه
المستمسكات، والفلوس، نظر ابو مازن، بعين خاصة، ثم
بدأ يقرأ واحدة واحدة، وحين انتهى، قال لا بأس..
ولكن قل لهم المبلغ لا يكفي!.
دخل شيخ في اوائل السبعينيات، وبعد السلام، عرفنا
ان لقبه “ابو ستار” طالبا مساعدة عاجلة.. فقال له
ابو مازن، مبتسما.. سهله.. مكظية ان شاء الله!.
فقال ابو ستار ــ اريد ورقة طلاق من زوجتي الاولى
وبتاريخ قديم، لكي احرمها من ميراثي، واسجل ما
املك باسم زوجتي الثانية وولدي ستار.. انا اكره
تلك المرأة واكره اولادها.. ارجوك اطلب ما تشاء
فقط خلصني!.
قبل ان تقرأ هذه الصورة.. ابتسم ارجوك.. او اضحك
بصوت عال، فشر البلية ما يضحك، ولا ادري لم تذكرت
بيت المتنبي الشهير “وكم بمصر من المضحكات.. ولكنه
ضحك كالبكاء” مع ملاحظتي بان يرفع اسم مصر فلم يعد
صالحا، ويوضع اسم بغداد!. سيدة في بداية
الخمسينيات معها شاب في العشرينيات، جاءت تطلب
اوراقا قانونية، تقول ان اولادها الثلاثة “حازم،
مرتضى، فارس” ليسوا اولادها، وان لا علاقة لها
بابيهم “فاضل موسى” وانها متزوجة من هذا الشاب منذ
عام 2002!.
رجل اربعيني، وامرأة بذات عمره، طلبوا من ابو مازن
“صورة قيد” مسجل فيها اسم فتاة قالوا انها “نجاة”
وتأييدا من المجلس البلدي يؤيد ان “نجاة” هذه
ابنتهم، وموجودة ومولودة في المحلة!. نظرت الى
“علي مزعل”، فعرف “ابو مازن” اننا راحلون لا
محالة.. فقال ضاحكا وهو يخاطب علي مزعل ــ ابو
حسين ضبط معاميلك قبل ان تكلفهم هذه الرحلة.. وانت
تعرف الاسعار والمتاعب جيدا ودعنا الرجل.. وفي
الطريق.. قال علي.. هذا واحد من عشرات الاشخاص
الذين يشكلون دوائر مصغرة تسميها حلال المشاكل!.
لم انطق بشيء.. فقط اكتفيت بالابتسام.. ورددت مع
نفسي..
يا دهر ضاقت بهذا القلب اضلعه.. فلا يهز به اوتاره
وطر
قالوا: تفرد بالشكوى، فقلت لهم.. بل هاجه في هواه
النصح والحذر!. |