القائمة الرئيسية

الاولــــــــى

الافتتـاحيـة

الثــــــانيـــة
السياسيـة
محليـــــات
تحقيقـــات
الثقـافيـــة
حـــــــوارات
طب و علوم
مــقـــالات
الـــريـــاضــية
الاخــيـــرة

القائمة الثانوية
الاتصال بنا
الارشـــيف
كاريكــاتيــر

 

    
البينة الجديدة جريدة يومية سياسية عامة                                                                                                                                               رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين العراقيين (134)                                                                                                                      رقم الايداع في دار الكتب والوثائق (970) لسنة 2007

السنة الثانية العدد (509) الثلاثاء 2008/1/22م ـ 13/محرم/ 1429 هـ

البعد الإصلاحي للثورة الحسينية

 وسام محمد شاكر
اني لم أخرج أشراً ولابطرا ولامفسدا ولاظالما بل خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي ) الحسين بن علي (ع).
تعتبر مفاهيم الخير والشر والعدالة والظلم والإصلاح والفساد من أكثر المفاهيم التي تعد المادة الخام لبلورة الكثيرمن الأفكار الثورية والإنتقال بها الى واقع لتصبح ثورة أو إنتفاضة تعبر عن حالة تمرد على واقع شاذ ولعل ثورة الأمام الحسين هي من اكثر الثورات جدلية في التاريخ فالأبعاد الإنسانية والإصلاحية امست من خوالد هذه الملحمة الكبيرة التي كشفت عن واقع سياسي وإقتصادي وثقافي كان زاخراً بالظلم والفساد بشقيه (الأخلاقي - الإداري )
ويعتبرالهدف الرئيسي في نهضة الحسين طلب الإصلاح وهذه اشارة الى الإصلاح السياسي والإقتصادي بعد ان رمى ظلام الفساد بأجنحته على مفاصل الدولة ، هنا كان لابد من موقف يتناسب مع حجم المشكلة وينطلق من قلب المعاناة التي يشترك بها التفكير الجمعي للمجتمع لتنبثق عنها حادثة الطف المؤلمة ، وبعيداً عن لغة الإنتصار والفشل فأن الحسين استطاع ان يوصل مضمون حركته الإصلاحية وتكسير حاجز الخوف الجاثم على صدر المجتمع انذاك فاتحاً الطريق امام الكثير من الثورات والحركات الإصلاحية التي حدثت فيما بعد .
إن تغيير الواقع يستوجب المسير ضد التيار( الرديكالية الإيجابية ) ويحتم تغيير الكثير من القناعات الخاطئة الراسخة في ذهن المجتمع لتصحيح المسارات وهذا ما حصل فعلاً بما يسمى ( حركة التوابين ) التي جاءت كثمرة طبيعية وكنتاج حي خرج من رحم حادثة الطف ليشكل الجانب المستمر في التضاد مع البلوتوقراطية الأموية والبلوتوقراطيات الأخريات ليستمر صراعها عبر الزمن لتأتي الثورات العالمية تحمل في طياتها نفس المضامين التي حملتها الثورة الحسينية قبل ألف عام فشعار الثورة الفرنسية 1789 كان ( العدل ، والأخاء ، والمساواة ) والثورة البلشفية في روسيا عام 1917 التي جعلت من الخبزشعاراً لها وأخريات تلتقي بفلسفتها مع فلسفة النهضة الحسينية والتي تلعب ظاهرة الفساد الإداري السبب الرئيسي في نشوبها من خلال الإثراء اللامشروع على حساب المجتمعات وحياة البذخ اللامعقول من قبل الحكام والسلاطين ،يؤكد كونفشيوس هذه الظاهرة في كتابه ( التعليم الأكبر ) حيث يشير الى إن اسباب الحروب تعود الى فساد الأسر الحاكمة وعليه كل من يعتقد إن الخلاف في حادثة الطف ينحصر بين شخصيتين ( الحسين × يزيد ) فهو واهم بل إن الصراع فكري بين مفاهيم الخير والشر من جهة وصراع ايديولوجي بين رغبة الإصلاح الثورية وبين تجذير الحكم الفاسد ، وبعد الف وأربعمائة عام نقف امام هذه الملحمة التراجدية لنستلهم الكثير من العبر والتي أهمها الإصلاح بشكله العام والقضاء على الفساد والإثراء غير المشروع ، إن المهمة الإصلاحية لأي نظام تتطلب الكثير من الآليات لعل أولها الرغبة الحقيقية في التغيير و ثانيها الشخصيات المخلصة التي تنفذ عملية الإصلاح ومن ثم الضوابط والتشريعات التي تتيح أنسيابية تنفيذ الأهداف الإصلاحية وحتى تكتمل هذه المنظومة يستوجب ان يكون هناك مستوى جيد من التفكير والثقافة لدى المجتمع لإدراك خطورة تبعات الفساد عليه ، فحالة التخلف وإنحدار المستوى العلمي والثقافي هي من العوامل الدافعة لإستدامة ظاهرة الفساد وديمومتها، وبالعودة لحادثة الطف يحكى إن يزيد بعث برسالة الى الحسين مفادها ( إني أقاتلك برجال لاتفرق بين الناقة والشاة ) وهذا يدل بشكل أو بأخر الى درجة تدني مستوى الوعي والتفكير وسيادة الجهل انذاك والذي حجب بدوره عن إدراك الناس للأهداف المتوخاة من خروج الحسين وتأويلها الى إعتبارات سلطوية ضيقة نابعة من صراع على كرسي الخلافة بين عائلتين هاملين بذلك الواعز الديني والأخلاقي الذي يوجب على رجل مثل الحسين بالخروج والمطالبة بالإصلاح السياسي والإداري على حدٍ سواء بروح الثورة والإندفاع نحو أهداف غاية في السمو تمس حياة الفقراء والبسطاء من الناس وتكشف ما في قصور السلاطين من بذخ اموال وجيوش العبيد والجواري التي فاضت بقصصها كتب التأريخ .
إن الحديث عن تضحيات الحسين يعطي لنا مؤشراً كبيراً لخطورة الفساد السياسي والإداري وضرورة التصدي له ويحّمل مسؤولية إستشرائه على الحكام والقادة والمجتمع لاسيما في بلد أختاره الحسين كالعراق مستقراً له ليصبح فيما بعد مع شديد الأسف من اكثر البلدان تصدراً لظاهرة الفساد الإداري والمالي ونموذجاً حياً لأشكال الفقر والمديونية والبؤس وما أحوجه اليوم الى ثورة إصلاحية كبيرة تجعل من نهضة الحسين واقعاً وليس شعاراً للمزايدات السياسية الثيوقراطية.

جثث السياسة وسياسة الجثث

 حازم صاغيّة
يكاد الحدث العراقيّ يتحوّل إلى رقم في القتل وتشويه الجثث، لا ينافسه إلا محاولة محاصرة هذا العنف وضبطه. هكذا تلهث السياسة، وهي بالكاد كذلك، وراء هذين السعي والسعي المضادّ له، تنتظر فرصتها، إن كانت ثمّة فرصة متبقّية لها. وهذا مع العلم بأن أنصبة ومؤسّسات سياسيّة نشأت في العراق، في مقدّمها البرلمان المنوط به، نظريّاً، البتّ في النزاعات وحسمها.
ولنا أن نقرأ المسلسل الدمويّ المتواصل في غزّة على النحو الآتي: "حركة حماس"، في مأزق إمساكها بالقطاع، تصدّر الأزمة الى "القضيّة" الكبرى. هكذا تبادر الى إطلاق صواريخ ذات فائدة عسكريّة تافهة وفائدة سياسيّة معدومة، فتستجلب ردوداً إسرائيليّة وحشيّة يسقط فيها البريء كما يسقط مُطلِق الصاروخ. ولربّما تأدّى عن الصواريخ وعن الردود عليها، بما فيها عزل غزّة عن العالم الخارجيّ، إسقاط للعمليّة السياسيّة التي أطلقها مؤتمر أنابوليس ثم مؤتمر المانحين في باريس.
فالممانعات، في العراق وغزّة، تتكشّف عن طبيعتها كنقيض للسياسة، حائل دونها. حتّى السياسيّون إذ يتحدّثون لا يصدر عنهم إلاّ ما يصدر عن "سوبر قبضاي" يتألّف قاموسه الفقير يتألّف من عبارات مفتاحيّة مكرورة من نوع "لن يجرؤ العدوّ على..." و"سنُري العدوّ أنّنا..." و"ليجرّب العدوّ حظّه معنا" و...
لكن لبنان هو الذي يضعنا، لا سيّما بعد الخطبة الأخيرة لأمين عامّ حزب الله، أمام لوحة مشهديّة نادرة في تعبيرها: فـ"حزب الله"، كما قال السيّد حسن نصر الله، لديه "أشلاء" و"عدد كبير من الجنود الاسرائيليّين" جمعهم خلال حرب تمّوز (يوليو) 2006. وهو، كما أوضح في خطاب نهاية مسيرة عاشوراء بضاحية بيروت الجنوبيّة، لا يتحدّث "عن أشلاء عاديّة (...) الجيش الإسرائيلي ترك أشلاء لعدد كبير من جنوده" خلال الحرب. وفي إسهاب تفصيليّ أكبر، ما لبث أن شرح: "لدينا رؤوس وأيدٍ وأرجل ولدينا جثّة شبه مكتملة الرأس وحتى وسط البدن".
وأغلب الظنّ أن علم التشريح لم يدخل في السياسات الحديثة دخوله هذا، فكأنما نتعامل، هنا، ما دام لبنان لا يزال في منأى عن الحرب الصريحة المفتوحة، مع رغبة في تجثيث السياسة وإقحامها في أردأ أنماط الفتن الأهليّة. فإذا عطفنا الفقرات المذكورة على اللوحة السوداء القاتمة لـ"الجماهير" الغضوبة، والأكفان لبساً وتهديداً باللبس، وشعار "كلّ أرض كربلاء، كلّ يوم عاشوراء"، بتنا أمام ولع بالموت يستكمله الاعتداد الشهاديّ المشهور به "حزب الله".
فيتبدّى، والحال هذه، أن تفكيك الأجسام الاجتماعيّة والسياسيّة مرفقاً بتذرير المعاني وتبهيتها قد بلغت بنا جميعاً، في هذا المشرق العربيّ، حدّ العودة الى الأصليّ الأوّل: القوّة والموت والجثث.
وهذه نهاية ربّما كانت طبيعيّة للاستمرار في "النضال" بعد ثلاثة عقود على خروج مصر من الصراع العربيّ - الإسرائيليّ، وبعد عقدين على تفكّك الاتّحاد السوفياتيّ الذي كان الداعم الأكبر للعرب المقاتلين.
حقّاً لم يتبقّ لنا إلا جثث السياسة. هذا ما يشي به انشغالنا بسياسة الجثث.

مفاهيم .. وضرورات إجتماعية

 د.عبدالامير مطلك فنجان
لا مناص من إختصار الحديث على مسامع المجتمع وتقديمهِ محصورا( ومركزا) ومفهوما لأبسط الثقافات ، بل لا أتحدث باعتباري واعظا أو محاضرا لا سمح الله تعالى ، بل فردا بسيطامن المجتمع ينتمي الى جيل التقاطعات والتناقضات في هذه الايام . في اليوم العاشر من محرم الحرام ، إلتقيتُ أصدقاء يحملون درجة مثقف بامتياز ، و ما أثّرت فيهم المصالح الذاتية الضيّقة
بل تسابقوا في نشر الاريحية داخل حدود بيئتهم وفق المستطاع ، وذلك لعمري إلتزام شرعي وأخلاقي محمود. دار النقاش حول كيفية إجتثاث الفساد الاداري والاخلاقي من نسيج البيئة الاجتماعية العراقية ، والاليات اللازمة للعلاج ، وهل إن عموم التصرفات البشرية في المجتمعات المختلفة مسيّرة أم مخيّرة ؟ أعجبتني طريقة المناقشة الحضارية عبرّ إحترام كافة الافكار المطروحة وإن كانتْ بسيطة من جهة ، والاصغاء التام الى المناقش من قبل الجميع من جهة أخرى . قلتُ : إن الانسان مخيّر ومسيّر في الوقتِ ذاتهِ ، إذ قال الله تعالى في سورة الانسان ( وما تشاءون الا أنْ يشاءَ اللهُ إنَ اللهَ كان عليما" حكيما ) ، وفي سورة الشمس ( ونفس وما سواها . فألهمها فجورها و تقواها . قد أفلح منْ زكاها . وقد خاب منْ دسّاها ) . يشير عزّ من قائل في سورة الانسان الى التسيير والجبر أو الارغام ، بينما يشير تعالى في سورة الشمس الى التخيير والتفويض . وقد حسم الامام جعفر الصادق (ع) ، الحكم الحقيقي للانسان في تصرفاتهِ وأفعالهِ بقولهِ ( لا جبر و لا تفويض ولكن أمر بين أمرين ) . أيّ يستطيع الانسان أنْ يختار ألامر الاصلح للذاتِ وللمجتمعِ وبالتالي يمكن تحديد اتجاهيّ الفضيلة والرذيلة . ويجب أنْ تقنع الذات بأسباب الاريحية لا بأسباب المنفعية للحصول على مكتسبات أخروية دائمة بدلا" منْ مكتسبات دنيوية آنية و زائلة . قرأتُ إنّ عمر بن سعد لم ينمْ طوال الليل ليلة التاسع على العاشر من محرم خلال أحداث واقعة الطف الاليمة ، فسمعهُ مولاه يردد و يقول : ( أأتركُ ملكُ الريّ ، والريّ أمنيتي أم أرجعُ مأثوما" بقتلِ حسينِ ) . وفي نهاية المطاف فضّل المنفعية على الاريحية مخيّرا" لا مسيرا" ، ليختار طريق الندامة ، تاركا" طريق الخلود والمجد والرفعة . في حين تخلى عن معسكر بن سعد أحد قادتهِ العظام ألا وهو ( الحرّ بن يزيد الرياحيّ ) ، والتحق بمعسكر الحسين (ع) مخيرا" ، وهو يعرف نتائج تحوله سلفا" ! فيا له منْ إيمان رائع ومنْ أريحية عطرة . أتحدثُ الى أصدقائي وهم محدقون فيّ على شكل حلقة دائرية . إنّ صدى الخطابات الحسينية في ذلك اليوم الاغرّ والصادرة منً الشوارع القريبة من جلوسنا ساعدني على الاستعانة بتجربة الامام الحسين (ع) لتوضيح الفارق بين مصطلحيّ التخيير والتسيير . ذات يوم تمّ منحي مكافاة مالية مستحقّة خلال عقد التسعينات المنصرم ، دون أنْ تشمل المكافأة فريق العمل - منَ الذين همْ بمعيتي المستحقين للتكريم . لاحظتُ إنّ التكريم غير عادل ، فحاولتُ عبثا" لشملهم بالتكريم ، فوصلتُ الى طريق مسدود . فما كان مني إلا انْ قمتُ بتقسيم مبلغ المكافأة الى حصصٍ متساويةٍ بين أعضاء فريق العمل . لقد وجد تصرفي هذا قبولا" طيبا" لدى الاخرين عدا عددا" من القياديين إذ إستهجنوا التصرف ونصحوني بعدم تكرارهِ لئلا يطمع الاخرون بيّ على حد قولهم . لكن حقيقة الامر كشفتْ ليَ معادن بعض الناس في حينها ، لمعرفة منْ يتمتع بالاريحية ومنْ يتمتع بالمنفعية . قوة التحملّ ، وقوة الايمان لدى المرء تظهر جليا" عندما تترفع النفس وترتقي بالسلوك الى كل ما هو يقود الروح الى تقديم الخير للاخرين قبل منال الذات وتمتعها بالملذات . الامل في الله موجود ، وحسن الظن بالاخرين موجود الى أنْ يثبتوا العكس بأفعالهم لا بتنظيرهم و لا بشعاراتهم لا سمح الله تبارك وتعالى . في أحدِ الايام - كان الرسول الاعظم (ص) يمشي مع رهط من أصحابهِ والتقى في قارعة الطريق مع الامام عليّ (ع) ، فلم يبادر الامام الى البدء في التحية والسلام ، فبادر الفريق الاول بالسلام أولا" ! علّق بعض الصحابة : يا عليّ كان يجب عليك أنْ تبدأ بالسلام أولا" سيما والرسول (ص) معنا . أجاب الامام عليّ بحكمتهِ المعهودة قائلا" : سمعتُ رسول الله - يقول منْ يبدأ السلام له (90 ) درجة عند الله ، ومنْ يرّد الجواب له ( 10 ) درجات ، فأردتُ إستكثار الخير لكم عند الله تعالى أكثر منْ نفسي . فقطع ألسنة المتكلمين بأريحيتهِ وحبه للخير وتفضيل الاخرين على نفسهِ . وليس عبثا" أنْ يزأر الامام عليّ في معركة (أحد) وهو يغمد سيفهِ في جموع الاعداءِ ، وينزل عليهم كالصاعقةِ ليفرق جحافل العدو مرة" ، وأخرى نراه على منبر الكوفة يلطم وجهه بعنف تحت وطأة الالم من جحود بعض الناس في حينها ، علما" إنه كان في الحالة الاولى مقاتلا" فقط ، بينما كان في الحالة الثانية خليفة" و قائدا" . أوّد التعليق على الموقفين .
لا بدّ التنويه الى إنّ معظم المواقف المختلفة لا تعتمد على الذات فقط ، وإنما تعتمد في بعضها على حلقات مكملّة من قبل الاخرين كذلك . لذا فالامام كان واحدا" من كل يتقاربون بمستوى الاريحية ، بل ويتسابقون اليها في حياة الرسول محمد (ص) .
في حين تراجعتْ هذه الميزة الايجابية - لدى البعض عندما كان الامام خليفة المسلمين في الكوفة ، مما جعل الامام يشخص أصحابهِ بمهنية عالية من حقل التجربة بميزان الاريحية والمنفعية ، حتى إننّا الى اليوم نتذكر بحروف من نور صحابة الامام عليّ (ع) منْ أمثال : مالك بن الاشتر ، صومعة بن موحان ، الاصبغ بن نباته ، المقداد بن الاسود ، ميثم التمّار ، حبيب بن مظاهر الاسدي ، قنبر مولى الامام ، وآخرين صناديد وأبطال . هي دعوة مباركة لكل منْ يشعر بحاجة الى حس إنساني فحتى يكون عضوا نافعا بالمجتمع العراقي يجب أنْ يعود الى قراءة وأستلهام سيرة الرسول محمد (ص) وسيّر آل البيت والصحابة الكرام لكي يتزوّد بكل ما هو إنساني وحضاري عميق متصل بالدنيا بجذور ممتدة الى الاخرة . يا ترى هل يوجد منْ يصغي و لا يهذي - يبني و لا يثني.

أوهــام الكــراسي

 علي عبيد
كان يتصور أنه لو غاب يوماً واحداً فقط عن مكتبه فإن العمل سيتوقف تماماً وأن جميع المصالح ستتعطل. لذلك ظل طوال مدة خدمته التي جاوزت الثلاثين عاماً مشدوداً إلى ذلك الكرسي، يجدده كلما قدم لكنه لا يفارقه لحظة حتى لو تأخر تجديده.
كان أول من يصل إلى الوزارة قبل بدء الدوام بأكثر من نصف ساعة غالباً، وكان آخر من يغادرها بعد انتهاء الدوام بساعة أو أكثر أحياناً. لم يُعْرَف عنه أنه قد أخذ إجازة منذ أن التحق بالوظيفة. كان إذا مرض تحامل على نفسه وذهب إلى المكتب قائلاً لكل من ينصحه بالراحة إنها وعكة بسيطة.
وكان من حسن حظه ـ أو حسن حظ الوزارة كما يعتقد هو ـ أن الوعكات غير البسيطة لا تأتيه إلا في أيام الإجازات الأسبوعية ـ لأنه لم يأخذ إجازة غير أسبوعية قط ـ وتنتهي معها، وعادة ما يكون موعد تلك الوعكات الأعياد والعطلات الرسمية الطويلة التي كان يلازم خلالها البيت فلا يغادره إلا نادراً.
صحيح أنه أصبح مسؤولاً كبيراً في وزارته، لكنه لم يهبط إلى المنصب بباراشوت من السماء. فقد بدأ حياته الوظيفية كاتباً صغيراً وتدرج في الوظيفة حتى وصل إلى هذه المرتبة. لذلك يعتبره الجميع مثالاً للموظف الذي صعد السلم من أوله حتى وصل إلى قمته، وتربع فوق القمة فترة يحسده الكثيرون عليها.
شيء واحد فقط لا يحبه فيه الموظفون العاملون تحت إدارته، ذلك هو كرهه لأي طلب إجازة يتقدم به إليه أي موظف عنده، رغم أن الإجازة حق ضمنته كل عقود العمل وقوانين الخدمة المدنية لجميع الموظفين في كل أنحاء الدنيا.
لذلك كان كل موظف يتقدم بطلب إجازة ـ حتى لو كانت عارضة ـ يهيئ نفسه قبلها بفترة ليست قصيرة، ويستحضر كل الآيات القرآنية والأدعية التي يحفظها، وتلك التي يمده بها زملاؤه، كي يسهل الله أمره فيحظى بتوقيعه عليها دون أخذ ورد يؤدي إلى اختزالها إن لم يكن رفضها تماماً.
لم يكن أحد يشك إطلاقاً في إخلاصه وتفانيه في العمل، فهو نموذج للموظف الملتزم المخلص الذي يهب وقته كله لعمله متخلياً عن راحته وحياته الاجتماعية وأشياء كثيرة في الحياة يعتبرها البعض ضرورية جداً، ويقدمها الكثيرون على العمل نفسه.
كانت الأعوام تمضي دون أن يمارس الأشياء المعتادة التي يمارسها الجميع كجزء من طبيعة الحياة، حتى أن مظاهر وتضاريس المدينة التي يعيش فيها كانت تتغير دون أن يلاحظ ذلك أو يعرف عنه إلا بعد فترات طويلة من حدوث التغيير. وكانت أنماط كثيرة في الحياة تتبدل دون أن يشعر بها لأنه غير معني بهذه الأنماط، فقد كانت الوظيفة بالنسبة له هي كل الحياة التي لم يعرف شيئاً غيرها.
كان السفر من وجهة نظره ترفاً لا داعي له في خضم المشاغل التي لا تنتهي. وكان تساقط أوراق الشجر في الخريف وتفتح الورود في الربيع لا يعني له شيئاً، فقد كانت كل الفصول عنده متساوية. وكان الصيف فرصة لتولي مسؤوليات زملائه الذين يسافرون للتصييف أما هو فقد كان صيفه وشتاؤه وخريفه وربيعه عملاً متواصلاً لا يشعر معه بتغير المناخ ولا تبدل الأوقات.
كان يثير استغرابه انتظار البعض للإجازات المقررة سلفاً كالأعياد وعطلات رأس السنة الهجرية والميلادية وما شابهها. وكان يثير حنقه فرح البعض بالإجازات الطارئة غير المجدولة على برنامج إجازات العام المعروفة. وكان يحاول بكل ما أوتي من جهد أن يغير نظرة هؤلاء الذين يفرحون بالإجازات، في سعي حثيث منه لخلق ثقافة جديدة في العمل والحياة لا يتفق معه كثير من الناس عليها.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود في الخدمة جاءت اللحظة التي لم يتوقعها رغم كل محاولات أصدقائه المخلصين تذكيره بها. فقد استدعاه في ذلك اليوم وكيل الوزارة ليشكره على سنوات خدمته التي تقدرها الوزارة كل التقدير، ويبلغه قرار إحالته إلى التقاعد، داعياً إياه إلى حفل سيقام لتكريمه بهذه المناسبة التي كان لها وقع الصاعقة عليه.
كان ذلك اليوم أسوأ يوم يمر عليه في حياته على الإطلاق. لم يكن حزيناً على نفسه قدر ما كان حزيناً على العمل الذي لا يعرف كيف سيُنجَز في غيابه. كان يتصور أن ميزان الكون سيختل في ظل عدم وجوده على رأس العمل يوماً واحداً فكيف به إذا غاب عنه إلى الأبد؟!
كان يتوقع أن الوزارة كلها ستعلن الحداد يوم خروجه منها. لكن شيئاً من هذا لم يحدث. صحيح أن موظفيه وزملاءه قد افتقدوه في اليوم التالي، لكنّ شمس ذلك اليوم طلعت على مسؤول جديد يحتل الكرسي الذي لم يعرف غيره طوال ثلاثين عاماً.
جاء الموظفون يهنئون المسؤول الجديد على المنصب الذي أسند إليه، أما هو فقد حمل أوراقه وذهب يجتر ذكريات أكثر من عقود ثلاثة لم يعرف خلالها سوى الوظيفة التي تخلت عنه أخيراً مع أنه لم يتخل عنها يوماً واحداً.
مضت أيام عديدة قبل أن يستوعب ما حدث ويتعامل معه على أنه واقع يجب أن يتعايش معه. كان يصحو من نومه كل يوم في التوقيت نفسه الذي اعتاده عندما كان في الوظيفة ويتأهب للخروج من بيته في الموعد الذي كان يذهب فيه إلى عمله قبل أن ينبهه من في البيت إلى أنه ليس ثمة ما يستدعي الخروج في هذا الوقت المبكر جداً من النهار.
يقول الجميع إنها سنة الحياة التي كان عليه أن يدركها منذ أمد بعيد ويتقبلها بصدر رحب ونفس طيبة عندما تحدث، لكنّ البعض يتساءل عمّا إذا كانت الوظيفة قد صادرت تلك العقود الطويلة من عمره، وعمّا إذا كان ما أخذه منها يعادل ما أعطاه، وهل أبقت له في قادم الأيام حياة أخرى يكتشفها ليعيشها بشكل مختلف؟
هذا هو السؤال الذي يحيره الآن ويبحث عن إجابة متأنية له. أما السؤال الأهم الذي يلح عليه كلما رأى في جريدة أو شاهد على شاشة تلفزيون مسؤولاً كبيراً فهو عن اللحظة المشابهة التي ستأتي يوماً ما لتنزل ذلك المسؤول من وهم الكرسي وتضعه على أرض الواقع، وعن مدى استعداده لتلك اللحظة، ومدى قدرته على تحملها.
لكل إنسان في هذه الحياة قدرات لا نعرفها أحياناً، ولكل إنسان في هذه الحياة وجهة نظر نقدِّرها ونحترمها دائماً.

 

 

القرأن الكريم


الوقت والتأريخ


القـامــوس

 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة البينة الجديدة© 2007          تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com