القائمة الرئيسية

الاولــــــــى

الافتتـاحيـة

الثــــــانيـــة
السياسيـة
محليـــــات
تحقيقـــات
الثقـافيـــة
حـــــــوارات
طب و علوم
مــقـــالات
الـــريـــاضــية
الاخــيـــرة

القائمة الثانوية
الاتصال بنا
الارشـــيف
كاريكــاتيــر

 

    
البينة الجديدة جريدة يومية سياسية عامة                                                                                                                                               رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين العراقيين (134)                                                                                                                      رقم الايداع في دار الكتب والوثائق (970) لسنة 2007

السنة الثالثة العدد (507) الخميس 17 / 1 / 2008 م ـ 9/محرم/ 1429 هـ

واشنطن وأنقرة..ونهاية أزمة الخريف

 جاكسون ديل
قدِم الرئيس التركي عبدالله غول إلى الولايات المتحدة ورحل من دون أن تلفت الزيارة الكثير من الاهتمام الإعلامي، وهو في الواقع أمر ليس بالغريب بالنسبة لرئيس دولة صديق يزور واشنطن.
غير أن زيارة "غول" إلى البيت الأبيض من أجل تناول الغداء مع الرئيس بوش -وعدم إثارته لأية عناوين في الصحف- تسجل تحولاً في واحدة من أهم العلاقات الخارجية للولايات المتحدة وتمثل نجاحاً هادئاً لإدارة في عامها الأخير، في إصلاح ما أفسدته التجاذبات السابقة. اليوم، يعي الأميركيون بمرارة فقدان بلدهم لبعض مكانته عبر العالم خلال السنوات الأخيرة. غير أن نشاطاً دبلوماسياً مكثفاً يسجَّل حالياً في وقت تسير فيه ولاية هذه الإدارة نحو نهايتها، ولعل سيولة العلاقة مع تركيا جزء من هذا الحراك. فقد تحول هذا البلد المسلم ذو الواحد والسبعين مليون نسمة والعضو في حلف "الناتو"، والذي يحد كلاً من الاتحاد الأوروبي والعراق، في ظرف بضع سنوات من واحد من أوثق حلفاء الولايات المتحدة إلى واحد من أكثرهم استياءً منها، وبشكل تنتشر معه مشاعر معاداتها بقوة. غير أن العلاقات اليوم، وبفضل دبلوماسية ذكية وحس المسؤولية الذي أظهره الكونجرس على نحو غير متوقع وقرار بوش الصارم، عادت إلى حيث كانت قبل سنة 2001 تقريباً. وتعليقاً على هذا الموضوع، يقول مارك باريس، السفير الأميركي السابق في تركيا الذي يراقب اليوم العلاقات بين البلدين من مؤسسة "بروكينجز": "لقد أتمت العلاقة دورة كاملة، وهذا ما يبدو شيئاً جيداً بالنظر إلى حيث كنا"، مضيفاً: "وهذا يعني أن الإدارة المقبلة سترث على الأقل علاقة عادية، أو غير متوترة".
تحولت تركيا، في ظرف بضع سنوات، من واحد من أوثق حلفاء الولايات المتحدة إلى واحد من أكثرهم استياءً منها، وبشكل تنتشر معه مشاعر معاداتها بقوة. ويؤكد هذا الانطباع الرئيسُ "غول"، وهو سياسي ذكي ومحنك عمل وزيراً لخارجية بلاده لفترة أربع سنوات قبل انتخابه رئيساً الصيف المنصرم حين قال خلال زيارة لصحيفة واشنطن بوست: "لقد باتت تلك التحديات خلفنا اليوم"، مضيفاً: "إننا نتقاسم القيم ذاتها -الديمقراطية وحقوق الإنسان والسوق الحرة. ونحن نعمل معاً بشكل جماعي من أجل الأهداف نفسها في المنطقة". بل إن "غول" ذهب إلى حد التنبؤ بحدوث تحول في الرأي العام في تركيا حيث لم تتعد معدلات التأييد الشعبي للولايات المتحدة رقماً واحداً في الصيف الماضي إذ قال: "إن هذا الشعور الذي تتركه استطلاعات الرأي ليس موجهاً إلى القيم التي نتقاسمها، مثلما أنه غير موجه إلى الأميركيين".
ويعد "غول" ووزيرة الخارجية كندوليزا رايس المهندسين الرئيسيين لإعادة إصلاح العلاقات التركية- الأميركية. فقبل ذلك، ضحَّى المسؤولون الأميركيون في أوائل 2003، حينما لم يأذن البرلمان التركي لفرقة من الجيش الأميركي بعبور أراضيه من أجل غزو العراق. ووقتها كان "غول"، يعد ثاني أقوى شخصية في "حزب العدالة والتنمية" بعد رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان. وحينها كانت رايس تشغل منصب مستشارة الأمن القومي في إدارة اعتَبرت بغير قليل من التعجرف أن اصطفاف حليف قديم لها يعد من المُسلَّمات، حيث تغاضت عن مخاوفه المشروعة بخصوص العراق، ومارست ضغوطاً على حكومة أردوغان من أجل تقديم التزام يخالف رأي وإرادة أغلبية الرأي العام التركي بعد أسابيع فقط من أول فوز لها في الانتخابات الوطنية. بيد أن رايس جعلت من تركيا في 2005 حينما أصبحت وزيرة للخارجية محطة ضمن أول جولة خارجية لها، لتؤكد بذلك على أن إعادة بناء التحالف الأميركي- التركي واحدة من أهم أولوياتها. وكان غول مستعداً لذلك؛ فمثلما يتذكر، فإنه طلب من رايس أن تضع قائمة بأهم أولوياتها، وبعد ذلك وضع قائمة خاصة به. ويقول: "لقد كانت لنا نفس المخاوف... العراق وأفغانستان وآسيا الوسطى والقوقاز وكوسوفو والبلقان والشرق الأوسط". الواقع أن أكبر نقطة خلاف بين الجانبين لم تكن العراق في حد ذاته، وإنما "حزب العمال الكردستاني"، وهو منظمة إرهابية كردية تنشط في تركيا استغلت الحرب لإنشاء قواعد جديدة لها داخل العراق. فعلى مدى أربع سنوات، كانت حكومة أردوغان تطلب من الولايات المتحدة، باعتبارها القوة العسكرية الرئيسية في بغداد، القيام بشيء حيال "حزب العمال الكردستاني". ولكن البنتاجون كان يرفض دائماً. ووصلت العلاقات بين البلدين إلى ما يشبه الأزمة الخريف الماضي عندما أسفرت موجة من هجمات "حزب العمال الكردستاني" عن مقتل العشرات من الأتراك. ولكن في الخامس من نوفمبر، التقى بوش بأردوغان في البيت الأبيض واتخذ قراراً طال انتظاره يقضي باقتسام المعلومات الاستخبارية التكتيكية مع تركيا بخصوص مواقع "حزب العمال الكردستاني"، والسماح لأنقرة بتنفيذ عمليات عسكرية داخل الأراضي العراقية. ثم تلت ذلك عمليات عسكرية وُصفت بالناجحة من قبل الأتراك. وإضافة إلى ذلك، تم سحب مصدر التوتر الآخر في العلاقات الثنائية -قرار لمجلس النواب الأميركي يصف مذبحة الأرمن في تركيا نهاية الحرب العالمية الأولى بـ"الإبادة الجماعية"- من قبل رئيسة المجلس نانسي بيلوسي تحت ضغوط من زملاء "ديمقراطيين".
وبموازاة مع كل هذه الأمور، كانت تركيا تتغير. فقد أثبت حزب أردوغان، ذو الجذور الإسلامية، أنه يستطيع إدارة بلد علماني بدون المساس بالديمقراطية أو حقوق الإنسان. فالربيع الماضي، كادت إمكانية أن يصبح "غول" رئيسا للبلاد أن تثير انقلاباً عسكرياً؛ ولكن بعد الانتخابات التي فاز فيها حزبه بإقناع، باتت ولايته مقبولة ومعترفاً بها اليوم. في البيت الأبيض، قال بوش إن الحديث الذي دار بينه وبين ضيفه التركي "هو ما قد يتوقعه المرء عندما يجتمع صديقان في غرفة واحدة". ربما كان الأمر كذلك -ولكن ومثلما تعلمت هذه الإدارة بعد تجربة صعبة، فإن حتى الأصدقاء الحميمين لا ينبغي اعتبارهم مضمونين أو من المُسلَّمات.

متى يكتمل النصاب ؟

 علاء هادي الحطاب
البرلمان العراقي يعد اهم مؤسسة حكومية تعنى ببناء الدولة العراقية ومؤسساتها الاجتماعية... سيما اذا كان بناء البلد متوقفاً على حزمة من القوانين التي هي بحاجة الى تشريع واقرار...ومما لاشك فيه ان هذا البرلمان جاء نتيجة طبيعية لرغبة المجتمع العراقي وتمثيلا حقيقيا لتوجهات ذلك المجتمع بغض النظر عن مدى التزام البرلمانيين بما طرحوه في اجندتهم الانتخابية وما قدموه وما يقدمونه لمن انتخبهم دستوريا... بالنهاية على الناخبين ان يتحملوا ايجابيات وسلبيات نتائج تصويتهم لهذه المجموعة المنتخبة .
الجميع يعرف ان المواطن بحاجة الى مشاريع خدمية اكثر من أي وقت لأسباب اهمها ... انعدام تلك الخدمات منذ سقوط النظام السابق ان لم تكن غائبة حتى في زمن ذلك النظام...مضافا الى الاستتباب الامني المتحقق نسبيا في الاونة الاخيرة ...وثمة امور اخرى الشعب العراقي والبرلمان اعرف بها.حاجة المواطن الى تلك الخدمات تجعل البرلمان امام مسؤولية اكبر اتجاه الناخب صاحب الفضل الاول والاخير في جلوس النائب بقاعة البرلمان ... واستلامه ذلك الراتب وعددا كبيرا من السيارات المدرعة وغير المدرعة ... وثمة امتيازات اخرى (كبيرة وكثيرة)، لكن شاشات التلفاز تطالعنا يوميا بنبأ فشل كبير يحققه البرلمانيون في تحقيق النصاب مما حدا برئيس الجلسة ان يجعلها مفتوحة الى إشعار اخر... بينما تواجد عدد كبير منهم في الديار المقدسة... فضلا عن وجود اخرين منذ استلامهم المنصب خارج العراق في فنادق (الفايف ستار) في عمان وغيرها ... حتى ان بعضهم يجهل ما أًقر من قوانين (ومن مازال ينتظر وما بدلوا تبديلا) عن ذلك الواقع ...خصوصا اذا كان البرلماني يكسب من وجوده في الخارج ضعف ما يخسره من راتب مستقطع .
الملاحظ ان نفس الوجوه البرلمانية التي تحضر يوميا هي نفسها تتكرر... ونفس الوجوه الغائبة هي نفسها الموجودة في الخارج ... لم ولن يخيفها سخط الجماهير...اعتقد ان ما تضعه رئاسة البرلمان من قيود وضوابط ازاء التزام النائب بحضور الجلسات لايرقى الى مستوى الحدث من جانب... وتصريحات البرلمانيين من خلال وسائل الاعلام بأنهم يعملون من اجل الوطن والمواطن من جانب اخر. البرلمان يقف اليوم على مسافة ليست بالقريبة من ناخبيه... والمواطن بات يفقد الثقة ببرلمانييه ...والسبب ازمة عدم اكتمال النصاب الذي اصبح امرا اعتياديا...كما ان الحضور البرلماني والنشاط التشريعي لايتناسب مع التقدم الحاصل في المؤسسة التنفيذية...ويجب ان ينتبه اسلاميو البرلمان ان لاشرعية ولاحلية للراتب الذي يستلمونه بغيابهم وعدم ادائهم مهامهم الوظيفية الملقاة على عاتقهم.
وليس اخرا فالانتخابات القادمة ليست ببعيدة زمنا ... والعراقي ليس بذلك الغبي (حاشاه) الذي لايفرق بين الحضور الوطني..والسياسي.. والاجتماعي بين البرلمانيين ... والايام كفيلة ببيان من يعمل ومن لايعمل لمصلحة المواطن... فحتى اكتمال النصاب وغلق الستار امام مسرحية الجلسة المفتوحة... انتظروا اني معكم لمن المنتظرين ...كما يقول وليد حسين في نهاية مقالاته.

عاشوراء.. لإخوان الصفا رأيهم!

 رشيد الخيون
الاحتفال في العاشر من عاشوراء ليس ابتكاراً لسلطة بعينها، في أول أمره، بل بدأ شأناً شعبياً. إلا أنه استغل وحُرف عن تلقائيته. وهنا لا بد من النظر في تأدية مراسمه، وعلى الخصوص أنه مكرس لاستذكار الحسين بن علي بن أبي طالب (قُتل 61هـ). وهي مناسبة أشاعها البويهيون رسمياً السنة (352هـ)، ثم أُضيف إليها ما أُضيف! ولعديد من فقهاء المذهب آراء لتهذيبها، أتينا عليها في مناسبات سابقة.
بعدها ظل الطقس يتداول سنوياً، مع استغلاله من سلطة أو معارضة، ومنها السنة (389هـ) لما ظهر الشيعة حزنهم ببغداد، برز السُنَّة "وجعلوا بإزاء يوم عاشوراء يوماً... نسبته إلى مقتل مُصْعَب بن الزبير (72هـ) وزارت قبره بمسكن (حيث الدُجَيل) كما يُزار قبر الحسين" (تاريخ الصابي). مع أنه لا خلاف بين الشخصيتين، حتى يتناكف الأتباع بهما. كان مُصْعَب متزوجاً من سُكينة بنت الحسين (ت 117هـ)، ومن عائشة بنت طلحة (ت 101هـ)، "وجمعهما في داره، وكانتا من أعظم النساء قدراً" (ابن الطقطقي، الفخري). ويُذكر أن الكوفيين تركوا الحسين فريداً، ومن بعده مُصْعَباً! فقالت سُكينة: "يا أهل الكوفة! أيتمتموني صغيرة، وأرملتموني كبيرة" (الشالجي، الكنايات)! وهنا يأخذنا أعجب الأعاجيب من عداوات المتأخرين بغطاء الأولين! فهل للسيدتين الاجتماع تحت سقف واحد في ما إذا توزرتا بما حدث بين أبويهما بالبصرة (36 هـ)، مثلما يتقابل الأتباع به بعد مرور (1400) سنة؟!
ولعل أول تاريخ ذُكرت فيه قصة مقتل الحسين مفصلة هو "تاريخ الأمم والملوك" للطبري (ت 310هـ) نقلاً عن الإخباري أبي مخنف، وهو يتطابق إلى حد ما مع القصة التي تُقرأ في يوم عاشوراء. ولو لم توثق تلك الحادثة في أمهات التواريخ، مثل الكتاب المذكور و"تاريخ اليعقوبي" وسواهما، لقلنا ان مصادفتها العاشر من محرم كانت مبتكرة، وذلك لمنزلة هذا اليوم لدى العديد من الملل والنحل. لقد كثر تخيل الفأل والشؤم في هذا اليوم: صامه المسلمون، قبل بلوغ الحسين سن الرشد، وقبلهم صامه اليهود عيداً بغرق فرعون ونجاة موسى! وفيه "قُبلت توبة آدم، ورست سفينة نوح، وبردت النار على إبراهيم، وكُشف الضر عن أيوب، وخرج يوسف من الجب". وبالجملة قال القزويني (ت 682هـ): "يوم معظم في جميع الملل... حتى اتفق في هذا اليوم قتل الحسين"(عجائب المخلوقات).
خلا ذلك، سمى الصابئة المندائيون (ديانة عراقية قديمة) مأتمهم على غرقى الطوفان العظيم بالعاشورية. يوماً يقيمون فيه: "الثواب لضحايا طوفان سيدنا نوح" (برنجي، الصابئة المندائيون). ويسمى في لغتهم، الآرامية الشرقية، باللوفاني، أي طعام الرحمة، وهو الهريسة، وهو ما يُعمل في مقتل الإمام الحسين تماماً. وشاع بين العراقيين: "يلطم على الهريسة مو على الحسين"! وللنجفيين قولهم: "على القيمة"، وهو طعام في المناسبة أيضاً!
وبعد الاستفسار من رجل دين مندائي قال: "ارتبطت ظاهراً بضحايا الطوفان، إلا أن حقيقتها هي استذكار الـ 365 رجل دين، قتلهم اليهود في أورشليم، على أساس ألا يُعبد الله فيها إلا بطريقتهم"! وسمي بيوم الثواب، وصادف (18 ديسمبر) من العام الماضي، وكل أربع سنوات ينقص يوم حسب كبس المندائيين للسنين. والمغزى أنهم لا يريدون تجديد الأحقاد والضغائن، "ولا تزر وازرة وزر أخرى"، فحُولت المناسبة إلى ما يجمع البشر!".
ولإخوان الصفا البصريين رأيهم في استذكار ملاحم القتل، ومنها عاشوراء، وتبعات خروجها عن المعقول على الأجيال: "ومن الأبيات الموزونة أيضاً ما تثير الأحقاد الكامنة، وتحرك النفوس الساكنة، وتلهب فيها بنيران الغضب، مثل قول القائل: اذكروا مصرع الحسين... فان هذه الأبيات وأخواتها أيضاً أثارت أحقاداً" (رسالة الموسيقى).
وغيرةً على مذهبهم، قال أهل الصفا: "من الناس طائفة قد جعلت التشيع مكسباً لها، مثل الناحة والقصاص! لا يعرفون من التشيع إلا التبري والشتم والطعن واللعنة والبكاء مع الناحة..." (رسالة كيفية الدعوة إلى الله). ولأنهم أهل فلسفة وفكر، وهكذا يرون التشيع مدرسة فكرية وفقهية، لا مدرسة ثأرية، نقلوا قولاً للإمام الحسين يردون به على مستغلي الدين والمذهب: "... جلستم على باب الجنة فلا أنتم تعملون فتستوجبون الجنة، ولا تركتم غيركم يجوزكم فيدخل الجنة" (رسالة الآراء والديانات). أرى أن تُخرج هذه المناسبة من الدولة، ألا تُعطل البلاد، من دون إعلان، عشرة أيام ثم عشرة ثانية! وأن ارتباطها بشخصية لا خلاف على مكانتها بين الناس، تستوجب السعي إلى تشذيبها. هذا، ويبقى استغراب الإمام علي السجاد (ت 99هـ) بليغاً، وهو يرى البواكي في طرقات الكوفة، حيث مروره والأسرة المنكوبة: "هؤلاء يبكين علينا فمَنْ قتلنا" (تاريخ اليعقوبي)؟

 التقدم العلمي في ظل الاستبداد السياسي

 د. خالد الدخيل
كيف يمكن تفسير أن كل الحضارات التي سبقت الحضارة الرأسمالية قامت وازدهرت في ظل أنظمة سياسية استبدادية؟ هذه الظاهرة تشير إلى أن طبيعة النظام السياسي لا علاقة لها مباشرة بالتقدم العلمي والتطور الحضاري لأي مجتمع. يؤيد ذلك أنه حتى في ظل الحضارة الرأسمالية ظهرت أنظمة استبدادية حققت مستويات علمية متقدمة. مثال ذلك النظام النازي في ألمانيا، والنظام السوفييتي، والصين الشعبية. تبرز الحالة العربية هنا لتضع فرضية انتفاء العلاقة بين طبيعة النظام السياسي والتقدم العلمي في موقف صعب. هذه الحالة تؤكد عكس ذلك، أو أن الاستبداد السياسي يولد التخلف العلمي والتأخر الحضاري. طول الفترة الزمنية للتخلف العربي، وهي تمتد من سقوط الدولة العباسية وحتى الآن، أو أكثر من سبعة قرون، وشمولية هذا التخلف لكل أرجاء العالم العربي، لا تترك مجالاً لمصداقية تلك الفرضية. يُضاف إلى ذلك أن الحضارة الرأسمالية، وهي من أكثر الحضارات الانسانية تقدماً وشمولية في اطارها الحضاري، لم تصل إلى أوج تقدمها وازدهارها إلا في ظل أنظمة ديمقراطية. نحن إذن أمام ظاهرة مركبة، وبما هي كذلك لا تخضع لمعادلة بسيطة ومباشرة. والحقيقة أن الأمثلة التاريخية المتوفرة تؤيد صيغة معينة للعلاقة بين التخلف العلمي والاستبداد السياسي، وفي الوقت نفسه تؤيد نقيض هذه الصيغة، أو هكذا يبدو الأمر.
في هذه الحالة يبرز السؤال: كيف يمكن من ناحية تفسير أن الاستبداد السياسي في الماضي لم يمنع ظهور حضارات متقدمة في أماكن جغرافية مختلفة: في الصين، والهند، وفارس، ومصر، وموسبوتيميا أو العراق، وأوروبا؟ ومن ناحية أخرى أن التقدم الحضاري الرأسمالي لم يتحقق في أقصى درجاته (حتى الآن طبعاً)، وعلى مختلف المستويات، إلا في ظل ديمقراطية وارفة، قياساً على ما قبلها؟ ثم كيف نفهم حصول تقدم علمي على يد نظام استبدادي، برز في إطار رأسمالي يرتكز إلى قيم مختلفة؟
الأمثلة التاريخية المتوفرة تؤيد صيغة معينة للعلاقة بين التخلف العلمي والاستبداد السياسي، وفي الوقت نفسه تؤيد نقيض هذه الصيغة، أو هكذا يبدو الأمر.
كل ما ذكرناه حتى الآن عن العلاقة بين الاستبداد والتقدم العلمي، هو ملاحظات تاريخية فرضت مجموعة أسئلة تشير إلى الطبيعة المركبة لإشكالية هذه العلاقة. الأرجح أن تلك الملاحظات ناقصة، وأنها لا توفر كل ما يجب أن نعرفه عن الحالات التاريخية للحضارات القديمة، ولا عن الحضارة الرأسمالية، سواء بتجلياتها الديمقراطية أو الاستبدادية. ولهذا السبب أكثر من غيره، ربما تبدو العلاقة بين الاستبداد والتقدم العلمي، التي توحي بها تلك الملاحظات علاقة متناقضة، أو ملتبسة. في هذه الحالة نحتاج إلى مزيد من الملاحظات لتجلية الصورة أكثر. انطلاقاً من ذلك يمكن القول إنه بالنسبة للحضارات القديمة تجدر ملاحظة سياق التطور التاريخي الذي ظهرت فيه هذه الحضارات، وعلاقة ذلك بامتدادات الطبيعة الاستبدادية للنظم السياسية فيها. فإذا كان التقدم العلمي والتكنولوجي في تلك الحضارات آنذاك في بداياته، فإن لذلك تأثيره ودلالته بالنسبة للنظام السياسي فيها. أبرز أثر لذلك هو أن محدودية التقدم العلمي والتكنولوجي في الحضارات السابقة حد من قدرة الدولة في مد سيطرتها على المجتمع. وبالتالي فإن أثر الطبيعة الاستبدادية للدولة بقي محدوداً في نطاق المحيط الجغرافي المباشر لسلطتها، خاصة في عاصمة الدولة والمدن المرتبطة بها مباشرة. من ناحية ثانية، وهذه الملاحظة الثانية، الطبيعة الامبراطورية للدولة وامكانية توسعها المستمر أدى إلى تعايش شعوب وأعراق وثقافات مختلفة في إطار سياسي واحد، مما ترتب عليه تداخل هذه الثقافات وتلاقحها. عملية التداخل هذه فرضت فيما يبدو شيئاً من الانفتاح ومرونة التفكير، خاصة في ضوء أن سيطرة الدولة محدودة جغرافيا كما ذكرنا. بعبارة أخرى، في مقابل الاستبداد السياسي للدولة، كان هناك انفتاح ثقافي داخل وبين المجتمعات التي تخضع لحكم هذه الدولة. وهذه الملاحظة تضع علاقة الاستبداد بالتطور الحضاري في صيغة مختلفة عن القول بأنه لا علاقة بينهما.
يمكن أيضاً ملاحظة أن أهم سمات الدولة في المرحلة قبل الرأسمالية هو طبيعتها الإمبراطورية، أو أنها كانت دولة ما قبل الوطنية. بهذا المعنى تميزت الحضارات القديمة بوحدة النظام السياسي في كل واحدة منها. لكن النظام الاجتماعي والاقتصادي والثقافي الذي تحكمه، من ناحية أخرى، كان معروفا بتعدديته. حيث تعايشت داخل الامبراطورية الواحدة مختلف أشكال التنظيم الاجتماعي والاقتصادي، مثل الشكل الرعوي، والاقطاعي، وشبه الرأسمالي أيضاً، وما ينبثق عن هذه من اتجاهات وقيم ثقافية، كل ذلك كان تحت سلطة نظام سياسي واحد. وهذا يعكس مدى محدودية تأثير السلطة السياسية على شكل التنظيم الاجتماعي والاقتصادي، وبالضرورة محدودية تأثيرها على الفكر والاتجاهات في مجتمعات الامبراطورية. تتضح هده الصورة أكثر عندما نضعها في مقابل صورة الدولة في الحضارة الرأسمالية. ففي هذه الحضارة نجد العكس من ذلك تماماً، أو وحدة التنظيم الاقتصادي والاجتماعي مقابل التعددية السياسية، وذلك داخل الإطار الحضاري نفسه، لكن ليس داخل إطار الدولة. التنظيم الاقتصادي الرأسمالي، أو علاقة العامل بصاحب رأس المال، والسوق المفتوح، يتمدد بشكل متواصل، ليكون هو الصيغة الاقتصادية الاجتماعية التي تنتظم مختلف اقتصاديات الدول المختلفة داخل الاطار الحضاري نفسه. ومن هنا جاءت تسمية الحضارة الحالية بالرأسمالية.
بعبارة أخرى، ليست هناك امبراطورية، أو نظام سياسي واحد يحكم العالم بالمعنى الذي كان موجوداً في الحضارات القديمة. على العكس هناك، وكما ذكرنا من قبل، دول وطنية، أو دول تتطابق في داخلها، أو يفترض أن تتطابق فيها الحدود الجغرافية مع الحدود الثقافية والاجتماعية. وحتى عندما لا يتحقق مثل هذا التطابق، فإن بنية الدولة تخضع لعملية تأخذه في هذا الاتجاه. قد تكون بعض الدول داخل الحضارة الرأسمالية هي من ناحية طبيعتها السياسية دول ديمقراطية، أو فاشية، أو ملكية أو جمهورية. وقد تكون دولاً ليبرالية أو قومية، أو كلتيهما معاً، وهذا يعكس صورة التعددية السياسية داخل الحضارة. لكن جميع هذه الدول إما أنها ترتكز الى أساس اقتصادي واجتماعي واحد، أو تسير في اتجاه يقودها إلى توحيد هذا الأساس. من أبرز المؤشرات التي توضح ذلك هو ما يسمى بالعولمة حيث تتمدد العلاقات الرأسمالية التي بدأت أول ما بدأت في أوروبا الغربية لتشمل كل دول العالم حالياً.

 

 

القرأن الكريم


الوقت والتأريخ


القـامــوس

 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة البينة الجديدة© 2007          تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com