القائمة الرئيسية

الاولــــــــى

الافتتـاحيـة

الثــــــانيـــة
السياسيـة
محليـــــات
تحقيقـــات
الثقـافيـــة
حـــــــوارات
طب و علوم
مــقـــالات
الـــريـــاضــية
الاخــيـــرة

القائمة الثانوية
الاتصال بنا
الارشـــيف
كاريكــاتيــر

 

    
البينة الجديدة جريدة يومية سياسية عامة                                                                                                                                               رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين العراقيين (134)                                                                                                                      رقم الايداع في دار الكتب والوثائق (970) لسنة 2007

السنة الثالثة العدد (506) الاربعاء 2008/1/16م ـ 7/محرم/ 1429 هــ

نظرة قانونيـة
التكامل الاقتصادي بين مكوّنات الدولة الفيدرالية

 في ظروف العالم المعاصر، حيث التقارب والتكامل والتغيّر المتسارع يضع الشعوب والدوّل المختلفة امام خيارات تبدو، في الكثير من الاحيان، محيّرة. وحيث المعضلات الوطنية الداخلية تبدو عسيرة الحل دون اللجوء الى القانون الدولي، والذي اصبحت قواعده من المصادر الملزمة للمنظومات القانونية لدول العالم المتحضر.
ليس من الصعب، وخصوصا بالنسبة للباحثين والمتخصصين في مجال الدولة والحق، ملاحظة التوجه العام للبشرية، والمتمثل بالسير نحو التكامل والاتحاد وبناء الدول البسيطة، والذي لا يعني البتة التأسيس للمركزية المفرطة، كما يحلو لبعض السياسيين، سواءا بقصد او لعدم دراية، الايحاء بان تعزيز سلطة الدولة المركزية يعني بالضرورة تكوين الدول الشمولية والشديدة المركزية. فالمتتبع لتاريخ تطور اعظم واقوى فيدرالية في العالم، وهي الولايات المتحدة الامريكية سيلمس دون عناء تعزيز التوجهات المركزية، وبالشكل الذي لا يفقد مكوناتها الاساسية (ولاياتها) حرية ممارسة شؤونها الداخلية، والاسهام في رسم وتفعيل السياسة العامة للدولة من خلال آليات معروفة، ربما يقف في المقدمة منها اجهزة السلطة العليا، حيث التمثيل المتكافئ للولايات (مجلس الشيوخ). وليس ابعد من ذلك التجربة الالمانية في تعزيز مركز الدولة الفيدرالية، فبالرغم من ان العرف القانوني وقواعد القانون الاساسي للدولة ذهبا الى التاسيس لما بات يطلق عليه الفيدرالية التعاونية، والتي تفترض استقلالية واسعة لاقاليمها (اراضيها)، بالرغم من ذلك فان خطوات التكامل للبلدان الاوربية، من خلال الاتحاد الاوربي تدفع دول الاتحاد، التي اتخذت من الفيدرالية شكلا للدولة، ومنها المانيا، الى تعزيز اجهزتها المركزية للاقتراب اكثر من الشكل البسيط للدولة. ليس هذا فحسب، بل ان موجة تعزيز المركزية استطاعت، وبسهولة كبيرة، الحد من اكثر الحركات الانفصالية تطرفا في اوربا (كندا مثالا). ودخلت واحدة من اكبر الدول الفيدرالية واكثرها تعقيدا من ناحية التنوع الاثني والديني والطائفي....الخ، وهي روسيا الفيدرالية، دخلت القرن الحادي والعشرين بخطوات كبيرة نحو تعزيز مركزية الدولة، كان الاهم من بينها تقسيم الدولة الى سبع دوائر كبيرة تضم الواحدة منها مجموعة اقاليم شديدة التنوّع، فيما يرتبط مسؤول كل دائرة بهرم السلطة المركزية (رئيس البلاد). وهنا تجدر الاشارة الى ان الاعوام القليلة الماضية شهدت موجة لتوحيد الاقاليم، وخصوصا في الشمال الروسي وما خلف الاورال، ما يدفع الى تعزيز التكامل الاقتصادي والسياسي للدولة الروسية. ولتسهيل عملية التكامل الاقتصادي والتعايش الحر بين مواطني مختلف اقاليم الدولة الفيدرالية تذهب تشريعات الفيدراليات المعاصرة الى الغاء القيود على حركة الافراد والبضائع ورؤوس الاموال، فيما يحظر على سلطات الاقاليم ممارسة اي نوع من انواع التعسف بحق سكان الأقاليم الاخرى. فالفقرة الحادية عشر من التعديل السابع لدستور الولايات المتحدة تنص على انه " لا ينبغي على اي من الولايات سن او اصدار القوانين التي من شأنها الحد من امتيازات مواطني الولايات المتحدة الامريكية .....وسلب حرية المواطنين واملاكهم بدون سند او اجراء قانوني...". ويمكن العثور على قواعد مماثلة في الدستور الكندي والذي اضاف ان "كل مواطن وكل من يمتلك محل اقامة دائمة في كندا يتمتع بـ (أ)- حرية التنقل واختيار مكان للاقامة في اي من محافظات الدولة. (ب) - العمل في اي من محافظات الدولة." لكن المشرع الكندي منح الحق لسلطات المحافظات خرق الفقرة الاخيرة (ب) في حال ارتفاع نسبة العاطلين عن العمل في المحافظة على مستوى البطالة في الدولة بشكل عام (الفصل السادس من لائحة الحقوق والحريات لعام 1982). وربما كان التشريع الدستوري الفيدرالي لجمهورية النمسا الاكثر تحديدا في هذا الموضوع، حيث نص على ان " مساحة الدولة تشكل وحدة متكاملة في مجال العملة والعلاقات الجمركية والاقتصادية. ولا يمكن وضع قيود جمركية او غيرها مما يعيق حركة المواصلات (المادة 4). وان " كل مواطن في اي من الاقاليم (تسمى الاراضي في النمسا) يمتلك ذات الحقوق ، وعليه ذات الالتزامات كما مواطني ذلك الاقليم". (الفقرة 3 من المادة 6). وذهبت بعض دساتيرالدول الفيدرالية الى منح اقاليم الدولة امكانية اتخاذ بعض الاجراءات ومنها، على سبيل المثال، منع سكان الاقاليم الاخرى من مزاولة بعض الاعمال، وفرض بعض الضرائب المحلية، ووضع بعض الشروط على الشركات والافراد لممارسة النشاط الاقتصادي في الاقليم. غير ان تلك الاجراءات لا ينبغي ان تحمل طابعا تعسفيا، وان لا تتقاطع مع التشريع الفيدرالي (الاتحادي)، وان يكون لها ما يبررها، مثل الحفاظ على البيئة، وشروط الحجر الصحي لمنع انتشار الاوبئة والامراض المعدية، والحفاظ على الممتلكات العامة وامن المواطنين ...وغيرها. وتعتبر المركزية واحدة من السمات الجوهرية في علاقة الدولة الاقتصادية مع اقاليمها. ففي الكثير من مجالات الحياة الاقتصادية تسعى التشريعات الاتحادية الى اعتبار المفاصل الرئيسية في اقتصاد الدولة من الاختصاصات الحصرية لاجهزة السلطة المركزية، تاركة لسلطات الاقاليم المفاصل التكميلية في العملية الاقتصادية، مثل انتاج الثروات الطبيعية لسد احتياجات سكان الاقليم واسواقه الداخلية. مع ان قواعد الدستور والعقود الفيدرالية تحيل بعض جوانب الحياة الاقتصادية الى الاختصاصات المشتركة، الأ ان تلك الاختصاصات عادة ما تحتل المرتبة الثانية، بعد اختصاصات المركز الحصرية. وهذا ما يمكن العثور عليه في المادة (71) من الدستور الروسي لعام 1993، والتي ذهبت الى تثبيت الاختصاصات الحصرية للمركز ومنها: ادارة الملكية العامة للدولة (الفقرة ج). وضع اسس السياسة والبرامج الفيدرالية في مجال الاقتصاد والبيئة والاجتماع ...الخ.(الفقرة ح). وضع الاسس القانونية لوحدة السوق والوحدة المالية، بالاضافة ادارة المال العام والجمارك، ووضع اسس سياسة الاسعار، وادارة جميع المؤسسات الاقتصادية، بما في ذلك البنوك الفيدرالية (الفقرة خ). والميزانية الفيدرالية، والضرائب الفيدرالية، وصناديق تطوير الاقاليم (الفقرة د). ومنظومات الطاقة الكهربائية الفيدرالية، والطاقة الذرية، ومنظومة الاتصالات والطرق والمواصلات الفيدرالية والنشاطات في مجال الفضاء (الفقرة ذ). وبتكراره لبعض من الفقرات الواردة، ما عدا منظومة الطاقة الذرية والفضاء واستخدامات الصناعات الكيمياوية وما على شاكلتها، اقول بتكرار تلك الفقرات في المادة التالية (72) والخاصة بالاختصاصات المشتركة، لم يترك المشرع الروسي للاقاليم ما يمكن اعتباره هاما وستراتيجيا بالنسبة للدولة، ذلك ان المادة (73) اعتبرت كل ما لم يذكر في المادتين السابقتين (الاختصاصات المتبقية بلغة القانون الدستوري) من الاختصاصات الحصرية للاقاليم. وهنا تجدر الاشارة الى ان تطبيقات القواعد الدستورية انفة الذكر وجدت تجلياتها في القانون الفيدرالي "حول الخيرات المادية" لعام 1995 مع تعديلاته الكثيرة، والتي ذهبت الى تعزيز سلطة المركز على الخيرات المادية للدولة. اما في العراق فيبدو من الصعوبة بمكان اعطاء رأي قانوني بخصوص العلاقة التي من الممكن ان تنشأ بين السلطات المركزية وسلطات اقليم كردستان، والاقاليم المزمع تكوينها، وكذلك المحافظات التي سوف لن تنتظم باقليم، وذلك لغياب التشريعات الناظمة لتلك العلاقة. في حين لا ترقى القواعد التي تضمنها دستور العراق الدائم الى مستوى تنظيم علاقات على هذا القدر من الاهمية. ان واحدة من المعضلات التي واجهت، وما تزال تواجه، البلدان التي اتخذت من الفيدرالية شكلا للدولة هي تمركز الخيرات المادية في مناطق من الدولة وافتقار مناطق اخرى لها، ما يجعل من التمايز في مستوى التطور الاقتصادي بين اقاليم الدولة الفيدرالية امرا واردا، مع كل ما يترتب على ذلك من تعزيز مكانة دور الاقاليم الغنية في مراكز صنع القرار، والتي عادة ما تلجأ الى "شراء" مواقف الاقاليم الضعيفة، وخصوصا اذا ما تطلب الامر تحديد موقف من هذه القضية او تلك خلال التصويت في اجهزة الدولة العليا، او في اوقات المنعطفات السياسية الهامة مثل الانتخابات والاستفتاءات وابرام العقود والاتفاقيات....الخ. وهنا تجدر الاشارة الى ان البلدان الفيدرالية المتقدمة تحاول ردم الهوة بين الاقاليم الغنية والفقيرة من خلال تقديم المساعدات المالية، واقامة المشارع التنموية المختلفة، واعفاء تلك الاقاليم من الضرائب...الخ. وربما كان التشريع الالماني الاكثر تفصيلا في هذا الجانب، حيث اشارت الفقرة 4 من المادة 106 من دستور المانيا الفيدرالية لعام 1949 الى قيام "الفيدرالية بتقديم المساعدات المالية اللازمة للاراضي (الاقاليم) لتغطية المصاريف الهامة، وذلك بهدف الحفاظ على التوازن الاقتصادي والحيلولة دون بروز فوارق اقتصادية في الدولة..." ، وتكتسب المادة (109) اهمية استثنائية حيث تشير الى ان "على السلطات الفيدرالية وسلطات الاراضي الاخذ بعين الاعتبار متطلبات التوازن الاقتصادي العام اثناء تنفيذهم للميزانية". ما يؤكد الدور الكبير للتكامل الاقتصادي بين مكوّنات الدولة الفيدرالية في الحفاظ على وحدة الدولة وتنمية اقاليمها المختلفة.عند الحديث عن التكامل الاقتصادي بين اقاليم الدولة الفيدرالية لابد من الاشارة الى واحدة من المسائل التي اصبحت مثار جدل بين الباحثين ورجال الدولة والقانون، وكانت سببا في اثارة خلافات وصلت، في الكثير من الاحيان، الى نزاعات مسلحة، الا وهي نزوع اقاليم الدولة الفيدرالية الى اقامة علاقات، اقتصادية بالدرجة الاولى، مع الدول الاجنبية، دون التنسيق مع المركز الفيدرالي، الامر الذي يشكل خرقا لواحد من اسس الدولة، وهو مبدأ السيادة. من هنا ذهاب جميع تشريعات الدول الفيدرالية على الاطلاق الى اعتبار العلاقات السياسية والاقتصادية مع الدول الخارجية من الاختصاصات الحصرية للسلطات المركزية، او ادراجها ضمن الاختصاصات المشتركة، الامر الذي يؤمن الاشراف المباشر من قبل المركز على تنظيم تلك العلاقات، ويسد الطريق على اختراق الامن الاقتصادي للدولة. ويبدو الامر اكثر حساسية في البلدان ذات التعددية القومية والطائفية.

لا يــدرك المـطلـوب بــالمـقـلـــــوب !!

  محمّد جواد سنبهMj_sunbah@hotmail.com
فحل المنهج العلمي محل الخرافات والأساطير فتطورت بموجب ذلك ذهنية الإنسان المسلم واخذ يعشق كل ما يمتّ للعلم بصلة ، وبالعكس أخذ يتنكر لكلّ ما يتصل بالجهل والخرافة ، وأصبح يعدُّ كلَّ منتجات الجاهلية ، هي ضروب من التخلف والتقاليد البالية ، باستثناء ما أَقر منها الإسلام المجيد ، من مفاهيم صحيحة لا تتعارض مع الإسلام بشيء ، ليس لأنها جاهلية المنشأ وإنما هي ذات أصل يعود للرسالات التي سبقت الإسلام ظهوراً . إنّ نور الإسلام يعتبر ومضة تصحيح في قلب التاريخ الإنساني ، بالمقارنة مع تاريخ الجاهلية الموغل في القدم . فتاريخ وتراث الجاهلية يمتد إلى خمسة آلآف سنة سبقت ظهور الإسلام ، ومع ذلك استطاع هذا الدين المبارك ، أن يغيّر كلّ تلك التراكمات الضخمة في غضون أقل من ربع قرن. ويعود سبب ذلك لأمرين ، الأوّل: خارجي يتعلق بصحة مفاهيم الإسلام ، ومطابقتها لواقع النفس البشرية ، على المستوى الروحي والمادي ، كون الإسلام الحنيف يستند لمرجعية إلهية ، تسيطر على أزمّة الكون وما وراءه ، وتسيرهما بالكامل بشكل دقيق . الأمر الثاني : بذرة الفطرة التي غرسها الله سبحانه وتعالى في الذات البشرية ، وجعلها تميل إلى الخير والصلاح ، والجمال والاستقامة ، وتنفر من الظلم والجور، والقبح والضلالة ، وقد صرح القران الكريم ، بهذه النظرية بقوله تعالى (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) . فالنفس البشرية تعرف جيداً إذا ما اقترفت عملاً معيناً ، فإنّها تدرك ذاك العمل كان صحيحاً أم خطاً ، حسناً أم قبيحاً، مفيداً أم ضاراً. ونظريّة الإسلام المتكاملة بشقيها الروحي والمادي أراد الله تعالى أن يكون تنفيذها على مرحلتين . الأولى ، موصولة بالوحي الرسالي التي عاشته الأمة مع الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم) ، والتي تشمل كل مرحلة حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
والمرحلة الثانية ، هي مرحلة الإمامة المعصومة (وهي امتداد للمرحلة الأولى) ، التي أراد الله أن تكون مرحلة تطبيق لنظرية الإسلام على أرض الواقع ، أي تطبيق كل الأحكام المدنية والسياسية والاقتصادية والعسكرية ، بدليل أن الخلفاء (رضوان الله عليهم) بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم) قد أشكلت عليهم مسائل حياتية ، لم يستطيعوا البت بها ، إلا بالاستعانة بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) أو باحد المعصومين (عليهم السلام) من بعده . وفي بعض الأحيان حكموا في مسائل وكان حكمهم مخالفا لنصوص الشريعة ، وهذا لا يحتاج إلى برهان فكتب السير والتاريخ عند كافة المسلمين زاخرة بمثل هذه المواقف ، و قول الخليفة الثاني (رض) ،(لو لا علي لهلك عمر) ، أشهر من نار على علم . بيّد أن خط الإمامة ومنهجها لم يتح له ، أنْ يأخذ دوره المرسوم ، في تفصيل نصوص الرسالة ، وتطبيقاتها عمليا على ارض الواقع ، بسبب الفتنه التي حصلت بين المسلمين ، خصوصا بعد مقتل الخليفة الثالث (رض) ، وانفضال الحكم الأموي الذي تاسس في حاضرة الشام، بعيداً عن دولة العدل الإسلامية ، المتمثلة بخلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، ويدلنا على ذلك نصّ قاله الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) :
)اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةً فِي سُلْطَانٍ ، وَلاَ الِْتمَاسَ شِيءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ ، وَلكِنْ لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ ، وَنُظْهِرَ الاِِْصْلاَحَ فِي بِلاَدِكَ ، فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ ، وَتُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ) . إلاّ أنّ المُلك العضوض ، وإيثار العمى على الهدى ، نحا بالأمّة منحنىً غير الذي أراده الله تعالى لها . وعلى امتداد زمن الخلافات المتعاقبة الأموية في الشام ، الأموية في الأندلس العباسية والعثمانية ، كانت مسيرة الأمّة تسيرها أهواء السياسة الحاكمة ، دون الالتفات إلى منهج الرسالة نصاً وروحاً ، الذي يتعارض جملة وتفصيلاً مع منهج تلك الخلافات المتعاقبة ، ابتداءاً من تنصيب الحاكم على رقاب الناس ، وانتهاء بأسلوب الحكم وطريقته . فحل الاستعباد بدلا من الحرية ، وظهر الظلم والجور ، بدلاً من العدل والإحسان ، وشاع الفساد والانحراف بدلاً من الصلاح والاستقامة ، وأصبح الإسلام مجرد راية يحملها جنود الخليفة، ليغزوا بها أصقاع الأرض ، فيعودوا محملين بالكنوز والجواري الحسان ، حيث ينتقي الخليفة لنفسه منها ما يشاء ، ويترك ما يشاء . إنّها عودة الجاهلية من جديد ، ولكن هذه المرة ليس باسم هبل واللآت ، وإنما باسم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والإسلام ، وهما منها براء.هذا الموروث الضخم من القيم المتضادة ، لا بلّ المتناقضة ، هو الآن بين أيدينا وهو جزء من حياتنا ، لا بلّ جزء من ممارساتنا في بعض الأحيان . نحن الآن نعيش حالة الجاهلية والشرك المؤطرة بالإسلام ، حالة الكفر بمظهر رداء الإسلام ، نحن ابتعدنا عن العيش في ظلال التوحيد تحت تربية الإسلام ، حالة الأيمان في رعاية الإسلام ، حالة الصفاء الوجداني في روحانية الإسلام . أن كل ذلك نجده منعكساً ، في الكثير من تصرفاتنا وأعمالنا اليومية، ومن يستغرب من هذا الكلام ، عليه أن يراجع مستوى انحدار علاقاتنا الاجتماعية إلى أين وصل . ألم يحلّ الاستغلال والجشع والرشوة وتبديدّ المال العام ، بدل بذل الزكاة لإنعاش الفقراء في سبيل الله ؟. ألا ينظر إلى ذلك في نظر البعض ، على أنّه غنيمة ومكسب وشطارة وذكاء ، في كسب الرزق ؟ . ألا يصل الأمر بنا إلى أن يستبيح البعض دماء وأعراض وأموال البعض الآخر منا ، ويحسب ذلك جهاداً في سبيل الله ؟ . ألا يعدّ سحق المستضعفين الذين يطالبون بحقوقهم المشروعة ، من أجل العيش بحرية وكرامة ، تمرداً على الحاكم ودولته، وخيانة للأمة ، وشقاً لعصا الطاعة ، وتمرداً على ولاة الأمر ؟ . ألم يصبح بعض رجال الدين ، مشاريع يغذيها أعداء الإسلام ، بالمال والرعاية ، ليضربوا الإسلام بالإسلام ، والمسلمين بالمسلمين ؟ . وبدلاً من أنْ يجتهد البعض من رجال الدين ، في تحصيل العلوم والمعارف الاسلاميّة ، ليحققوا مقولة الحديث الشريف ، (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل) ، نراهم يسلكون مسالك مغايرة لروح ونص الاسلام الحنيف . ألا يبدو أسلامنا مقلوباً ، ألا تبدو مفاهيمنا معكوسة ، ألا تبدو أعمالنا منقوصة ومنكوسة . كل ذلك يحصل بسبب عدم تقييمنا الصيح للخطأ ، نتهاون في التقويم ، ونعتبر ذلك زلّة بسيطة ، كزلّة أبينا آدم ، عندما لم يكترث بتنبيه ربّ العزة له . لأننا نحبّ ليس من أجل الله ، وإنّما من أجل مصالحنا ، ونكره ليس من أجل الله ، وإنّما من أجل شهواتنا ، فاضحينا نطبّق المقاييس بالمقلوب ، ونراها خطأًً بأنّها صحيحة . فقد ورد عن الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام) قوله :
)وَ اعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ أَنَّكُمْ فِي زَمَانٍ الْقَائِلُ فِيهِ بِالْحَقِّ قَلِيلٌ واللِّسَانُ عَنِ الصِّدْقِ كَلِيلٌ واللازِمُ لِلْحَقِّ ذَلِيلٌ أَهْلُهُ مُعْتَكِفُونَ عَلَى الْعِصْيَانِ مُصْطَلِحُونَ عَلَى الإدْهَانِ فَتَاهُمْ عَارِمٌ وشَائِبُهُمْ آثِمٌ وعَالِمُهُمْ مُنَافِقٌ وقَارِنُهُمْ مُمَاذِقٌ لا يُعَظِّمُ صَغِيرُهُ).

الشعب العراقيّ .. خير منْ يجسد مبادئ الحسين (ع)

 يعود الحسين وعاشوراء و لازال العراق جريحا" ، يعود العباس والاباء و ما برح المواطن العراقيّ يصدر أنينا" . في عاشوراء من كل عام ، يرسل الينا الامام الحسين (ع) وأصحابهِ رسلهم ليذكرونا بمأساتهم الاليمة في واقعة الطف . يذكرّوننا لاسباب لا تتعلق بنسياننا للحسين - كأسم إنساني عملاق ، بل يخشون علينا من تعقيدات الحياة وتقاطعاتها التي ربما تنسي البعض منّا - المبادئ التي استشهد من اجلها حفيد الرسول الاعظم (ص) ، المبادئ التي نحتاج الى هضمها وعكسها على المجتمع العراقي الكريم ، كلا" من موقعهِ وإستلهامها بالعمل لا بالشعارات . قال الامام جعفر الصادق (ع) : كل شهر محرّم ، وكل أرض كربلاء ، وكل يوم عاشوراء . هذا يعني - تجب الاستفادة من مبادئ و أريحية الحسين واصحابهِ في كل شهر وأرض ويوم الى يوم الندامةِ .إذا أمعنتَ ألتأمل في تجربة الامام الحسين (ع) في الحياةِ ، لوجدتها متجددة" ، رافضة" للركود والجمود والتخلف . وعليهِ فالقائد الناجح هو الذي يكسر كل القيود اللواتي تقزّم من تقدم منهجية المجتمع الايجابية التي يقرها الله تعالى ورسولهِ الكريم . الامر الذي يجعل القائد الوطنيّ يحرّر الجميع ويرمي بالعادات والقوانين السلبية الموروثة - بعيدا" مع الماضي ، ويضع قوانين جديدة بدلا" عنها لرفعة المجتمع على إفتراض توفرّ النوايا الحسنة لدى الجميع . سعى الحسين والمصلحون على مّر التاريخ الى تقدم المجتمعات تدريجيا" ، وبأسلوب حضاري هادئ بعد تهيئة الارضية الاجتماعية والفكرية للمجتمع للوصول الى الاهداف المنشودة . وما حصل للحسين من فجيعة بكى من هولها العدو قبل الصديق ، إنّما تمثل نتاج تداخل قدرات رجعية ومصالح ضيّقة للاعداء والمتخلفين ، كي تحرف النهضة الحسينية الاصلاحية عن مسيرها ، والعمل على إيقافها ثم الانقضاض عليها وتدميرها . فعلا" استشهد أبو عبد الله - الحسين بن علي (ع) ، لكن صوته ما زال قويا" ومدويا" ومجلجلا" في المجتمعات الاسلامية وغير الاسلامية المتحضرّة . إذ فشل المخططون - ذوو الافق الضيّق في طمس هوية ثورة الحسين والنيل من مبادئهِ وإسمهِ الجليل . ذات يوم جاء أحد ندماء يزيد الاموي (لعنه الله) , واخبرهُ إنّ شعبية الحسين بدأت تتزايد في المدينة المنورة ، وما عليك وعلينا إلاّ تشويه صورتهِ الاسلامية أمام الناس للنيل منهُ ، والتقليل من شأنهِ . أجابهُ يزيد : وما عساني أنْ أعيب حسينا ! أيّ لا - ليس لديهِ معايب لاطرقها على مسامع الناس . فالاصلاح كان هدف الحسين الاسمى - لا رغبة" في الحصول على مكتسبات سلطوية أو دنيوية زائلة . إذن لا بدّ من الاصلاح أيها المجتمع العراقي الاصيل . وعليهِ لابدّ من إستذكار و عودة وتطبيق مبادئ الحسين في مجتمعنا . صاحب المقالة يؤكد ويجزم إنّ المجتمع العراقي هو الاكثر قدرة في المجتمعات الاسلامية على إستلهام وإستيعاب أفكار الحسين الاصلاحية ، كيف لا وهم يبكون بألم - عندما يسمعون سرد قصة إستشهادهِ منذ عام 61 هجرية حتى قيام الساعة ، وهم منْ يذهب مشيا" على الاقدام حتى أيامنا هذه - من محافظاتهم المترامية الاطراف لتحقيق زيارة قبرهِ الشريف وقبر أخيهِ العباس وقبور الصحابة الابطال في محافظة كربلاء المقدسة لغرض التقرّب الى الله بزيارتهم ، وقدموا تضحيات جساما و كثيرة . منها إنّ المتوكل العباسي ، أمر بدفع المال في حينها له عن كل من يبغي زيارة الاماكن المقدسة في كربلاء ، حتى وصل الى درجة القتل قبل أكثر من عام في الظروف المعروفة للجميع ، عندما كان البعض من المجرمين يتربص بالزوار المتوجهين الى كربلاء على قارعة الطريق في هذه القرية أو تلك المدينة على طريق كربلاء . ولم يزد الزوار إلاّ إصرارا" على زيارة القبر الشريف وتحدي المشاكل اللواتي تعيق تحقيق هذه أو تلك الزيارة الميمونة . أقول : هنيئا" لنا بالحسين يا ابناء وادي الرافدين ، ولنأخذ من عاشوراء العبر والمواعظ اللواتي تساعد على بناء الروح صافية" لتفترش جسدا" سليما" قادرا" على بناء العراق الجديد بطريقةٍ سليمة. وكل عام وانتم بخير أيها العراقيون بمناسبة بدء العام الهجري الجديد .

 

 

القرأن الكريم


الوقت والتأريخ


القـامــوس

 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة البينة الجديدة© 2007          تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com