القائمة الرئيسية

الاولــــــــى

الافتتـاحيـة

الثــــــانيـــة
السياسيـة
محليـــــات
تحقيقـــات
الثقـافيـــة
حـــــــوارات
طب و علوم
مــقـــالات
الـــريـــاضــية
الاخــيـــرة

القائمة الثانوية
الاتصال بنا
الارشـــيف
كاريكــاتيــر

 

    
البينة الجديدة جريدة يومية سياسية عامة                                                                                                                                               رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين العراقيين (134)                                                                                                                      رقم الايداع في دار الكتب والوثائق (970) لسنة 2007

السنة الثالثة العدد (506) الاربعاء 2008/1/16م ـ 7/محرم/ 1429 هــ

مسؤولية المثقف الكاتب

 ابو الغوث
المثقفون العراقيون ما زالوا منشغلين بالاستقراءات والقراءات النظرية وهم عاكفون في محاريبهم يلجون الورق الاصفر بحثا عن معلومة او اضافة تدفعهم للتقاول بها زمنا بسيطا.. هذا الحال يكشف عن عزلته وجهله بما يدور حوله من تفاصيل دقيقة لها ارتباطها بعدة دوائر متشابكة فيما بينها.. والاخرون القابعون في الضفة الاخرى التي تتميز بالخصب وتوافر كل متطلبات العيش الرغيد والهانئ منشغلون بتطوير مقتنياتهم الخاصة وجعلها بيادر وتلالا..المثقف الكاتب -واركز على هذه الصفة- عليه تقع مسؤولية كبيرة جدا بالتصدي لكل السلبيات التي بدأت تتضخم ظواهرها وبشكل مخيف حتى يبرئ نفسه وضميره امام الله والشعب والتاريخ..لان ما يحصل من تدنٍ خطير في كل المفاصل العامة يشير وبقوة الى ان هناك ثمة بركان من غضب تحتدم صراعاته الكامنة عند البعض وقد يكون القوي المسيطر الان واعني به- الجانب الامريكي- هو الاخر يعيش الحالة ذاتها، لما يمتلك من رؤى سابقة اختمرت في ذهنه قبل ان تطأ قدماه ارض الرافدين بالرغم من علمي المسبق ان كل المشروع يتجه بأشرعة سياسية نحو الشواطئ الشرق الاوسطية الدافئة، اي بمعنى قوة التحالف غير معنية ببناء الانسان العراقي ..وانما المسؤولية تقع على عاتق السياسيين فيه وتلك هي المشكلة التي على اساسها ترتكز كل انواع الاحتدامات والصراعات وربما تفضي الى احداث ثورة شعبية لاتحمد عقباها وتزيد من النار المستعرة الان استعارا اخر...تلك الاسباب وغيرها هي التي دفعتني الى الخوض في تفصيلات قد تكون ملامستها من بعيد تصيب بشواظ من نار ونحاس الا ان المسؤولية في طرح الحقيقة لايمكن ان نهادن او نجامل على حسابها ولذلك ادعو كل الزملاء الكتاب من وسطنا الثقافي ان يناقشوا الاوضاع السائدة الان بحوارات هادئة وعلى مرأى ومسمع الملأ ..كي يشعروهم بأنهم هم الذين يقودون الحياة وهم الذين يضعون بصماتهم الهندسية على عناصرها، دعوة اوجهها الى كل زملائي لعلها تلقى صدى طيبا عندهم من اجل تجاوز المحن وازاحة كل الطارئين على الانسانية بعيدا عن اسوار العراق وفكره وثقافته وادارة مؤسساته .. حلم قد يتحقق وادري لايتحقق ما لم تكن هناك تضحيات جسيمة.

الاديب القاص عدنان عباس سلطان:
المؤسسات الخاصة لاتغامر بتبني الكتاب العراقي

 \
لقاء اجراه عصام حاكم
بمناسبة وجودنا في الأمسية ألأدبية التي أقامها التجمع الثقافي في كربلاء ، طرحنا هذا السوآل على ضيفنا الأديب القاص عدنان عباس سلطان، اين المطبوع الادبي واين يقف الاديب العراقي فأجاب:
- لاشك بأن المقصود هو الأديب كنص أدبي بالدرجة الأولى .أي ككتاب جاهز، في متناول القارئ المفترض. والأديب كشخصية ذات فعل في مستوى الدينامية الثقافية.. فمن جهة الشق الأول من السؤال. فأن الأديب العراقي يعاني من القلة العددية للمطبوع. والذي يخرج بعد سنوات عدة. من مطابع الشؤون الثقافية. وهي المعضد الوحيد للأديب في الساحة الثقافية. و لعدم عرض الكتاب وتسويقه من قبل المؤسسات الثقافية. التي لها مساس بالخطاب الثقافي. كالجامعات, والمدارس, المتوسطة, والإعدادية, والمعاهد, إضافة إلى المكتبات العامة, فأن المؤسسات الخاصة مثلا: لا تغامر بتبني الكتاب العراقي. وذلك نتيجة منطقية للظروف التي ذكرناها. أما من جهة القارئ. فمن خلال تماسي الشخصي, وما فرضته بعض النشاطات الأدبية في بعض الجامعات العراقية, فأنني كنت على إطلاع على مكتباتها بشكل خاص. فهي لا تحوي من الكتب, إلا ما كان قديما. ربما يعود استيرادها إلى الخمسينات. ونصيب الكتاب العراقي يكون فقيرا جدا . وتكاد الأسماء التي نعرفها الآن في الوسط الأدبي. معدومة ليست لها آثار تذكر في تلك المكتبات!.
ويبقى الأديب كشخصية. فأن دوره لا يتعدى مساحة ضيقة بسبب التهميش السياسي إلى حد كبير. وهذا التهميش يضعه بين أمرين: أما أن ينتمي إلى راهنية الزمن، وهذه أن استجاب لها فلا يعدو عن كونه جهازا أعلاميا جاهزا لمن يدفع الثمن . أو يظل في الانتظار فوق أرصفة العوز فيما إذا انتمى إلى ذاته السامية، وفق معاييرها الإنسانية . وهذان هما فيصل الأمر .فأما الانتماء إلى روح الثقافة بكل ثرائها الروحي والإنساني. وإما التكسب مما يفرزه القلم من نزيف. وهذا لعمري أشبه ما يكون بمن يبيع دمه. على غرار ما يفعله أولئك المتسكعون قرب المستشفيات ومصارف الدم.
* الأسلوب المتهكم والفنتازيا والسخرية هو ما يميز كتاباتك القصصية . إضافة إلى تماهي الراوي بدرجات كبيرة في القص. هل ترى ذلك نوعا من النمطية التي لا فكاك لك منها ؟.
- الحقيقة إن الأسلوب لا يمكن وصفه بالنمطية . لأن النمطية تكون ذات طابع متكرر في كل عمل ، وكأنها غربيل لا يخرج من خرماته إلا ما يتلاءم والنمطية التي تتحدث عنها .
الأسلوب الساخر: طريقة فنية لها هامش واسع. للتعبير عن الفكرة التي أريد طرحها على شكل ومضات . ولكن المهم في الأمر: أن تكون لي سلطة على المتلقي. والسخرية والتهكم والفنتازيا هي من وسائل هذه السلطة. أما بصدد التماهي فهو أمر حقيقي وله جمالية كبيرة في العمل القصصي .لأن القاص مشارك منفعل وخصوصا عندما يكون شريكا مع المتلقي .وهذا بالضبط ما أفعله . إذ أني لا أعدم شراكة القارئ . باعتبار أن هناك قراءة تفكيكية للنص من قبل المتلقي.
وهذه القراءة بمستويات متعددة . بحسب التكدس المعرفي لديه . بعد أن أحكمت سلطتي وقدمت المغريات اللازمة.
ومتعة القراءة في الحقيقة: هي مستوى معين محتمل. يتواجد عليه نص المتلقي. وهذا المتلقي يمثل طيفا واسعا من النصوص الداخلة على النص الأصل. وبهذا تكون نصوص المتلقي بحسب تنوع ميوله وتجاربه الذاتية . ورؤيته الجمالية. وإنشاءاته العاطفية. ودرجة النرجسية فيه . حيث أنه يدخل في القصة. أو في بعض أجزائها. كروح مضافة . بحسب المداخل التي فتحها له كاتب النص, لولوج الروح المتلقية . بما يحويه النص من مغازلة للطبائع البشرية . وما توفق فيه الكاتب من رسم , للانطباعات الجمالية, تحرض وتغري القارئ : أن يكون ضمن إطارها وتأثيرها , أسيرا من ذاته, تحت ضغط ميوله ورغباته: كالتنفيس, والفضول, وغير ذلك . وبهذا يضاف للقصة نصوص أخرى . وترتفع بالعمل القصصي إلى مستوى رفيع . وهنا تكمن روعة القصة الناجحة . فكاتب النص القصصي في الحقيقة الرئيسية : خلاق انطباعات . والسلطة التي يطلبها الكاتب على المتلقي , هي الوسيلة الكبرى, من اجلها يقدم إغراءاته الفنية , لكي يضعه في المصيدة . لإنجاز غاياته الفكرية والجمالية . * ماهو تقيمكم للمستوى ألقرائي.في ظل الظروف الراهنة ؟.
ـ لاشك بأن المراحل السياسية السابقة قد ساهمت بشكل منظم وشامل في تردي المستوى ألقرائي . بما أحدثته من خراب في الذائقة الجمالية .وإشاعة التقوقع الذاتي في الفرد العراقي وأثارت فيه نوازع الاستحواذ والأنانية . وإحباطه . ليقع في قناعة اللا جدوى من التطلع المعرفي . إضافة إلى وجود الخطاب الواحد. فكان ذلك بمثابة ترسيخ قناعات تعريفية للخطاب الثقافي بهذه الصفة الوحيدة . ولكن ذلك لا يعني أبدا انعدام القارئ .حيث يمكن أنماء التطلع للمعرفة. وإنماء التذوق الجمالي .وهذا الأمر تقوم به المؤسسات الأدبية أولا . ومؤسسات المجتمع المدني . وفق تنسيقات متفاعلة مع المؤسسات التربوية . ولا بد من أن يكون ذلك عبر الرؤية السياسية أيضا وفق معايير قانونية وآليات محددة .لارتباطه بالاستقرار السياسي، والأمني والاقتصادي .وهي مهمة تقع على عاتق الحكومة المقبلة على كل حال.

 شعر من لم يكن منكم صداماً فليرم المالكي بحجر

 رفع النبي عالياً يديه بالإشارة:
من لايرى في نفسه "قائداً ضرورة"....
و لم "يزين" وجهه شوارع المدينة....
من لم ير الدستور لغو جرائد ...
ولم يك القانون موضوع احتقاره...
من لم يراود حلمه طيف الوزاره...
فليرم بالحجارة..
من لم يوزع ذنب صدام على القبيلة...
من لم يسم شعبه وقصوره: بـ"العوجة"....
من ليس له ابنٌ "عديٌ"....ولا له امرأة "سجودة"...
من لايزايد في الصريخ ولا يرى فيه انتصاره
من سره نقد الصحافة...وعدّ موقفها حضارة..
فليرم بالحجارة...
من كانت الأضواء...همومه الأخيرة..
من لم يسم "صلحاً"...
اعادة الأوغاد للأمن وللقيادة.
من لم يكذّب ليله، قول نهاره....
فليرم بالحجارة...
من خلت من حثالات "الضرورة" عنده، مراكز السيادة...
من لم يشاور أمره تلك السفاره...
فليرم بالحجارة..
من لم يداهن في قراراه...
بل كان مبدؤه يشير الى اختياره
ومن له ان ينظر المرآة فلا يرى احمراره
ومن له ان يبصر الآتي وما لمح اصفراره
ومن له ان يذكر الماضي فلا يروعه انحداره
فليرم نوري بالحجارة.

   قصة قصيرة زقـاق في الحيـدرخانـة

 كانت الشمس تبعث بخيوط الدفء لتنسج المرح بين الشجيرات المتشابكة على سفح جبل متين قرب قرية بازي. توزع المقاتلون الانصار على شكل مجاميع صغيرة. حركة الرفاق موزعة بين الحراسة فوق تلة بارزة وجمع الحطب لاعداد الافطار. دخان مواقدهم يختلط برائحة الشاي والخبز المشوي على الصاج في باحات القرى. اكياس النايلون التي يحرصون عليها من التمزق، تمتليء كل مساء بما تجود به أيدي العوائل الفلاحية تعاطفا ً مع المقاتلين الاشدّاء.
اتسعت احدى الحلقات بالمشوقين للمزاح وسماع اخبار قرية چمسيدة التي قضوا ليلتهم الاخيرة فيها. تردد في الوادي صوت نقـّار الخشب وكأنه صلية رشاش كلاشنكوف، ليمزق سكون الفضاء. مدّ ابو وحيدة يديه فوق لهب الموقد ليبدد لسعات برد الصباح، الذي مازال يقاوم زحف الشمس نحو الوادي الفسيح لبرواري بالا. رطوبة الارض والاحجار القاسية التي اتخذوها كراسي لهم، تجبرهم على تغيير اوضاع جلساتهم او الوقوف بين الحين والاخر. رمت ام هيفاء بعض قطع الاخشاب لتزيد من سعير النار.
اقترب سلام ( م ) من المجموعة منتشيا ً كالطاووس والبسمة تعلو وجهه، ليبادرهم بتحية الصباح فيردوا عليه مع بعض العبارات لخلق ارضية للمناوشات الكلامية.
ـ شنو اليوم طالع تلمع...!؟ سأله مهند وهو يدير وجهه بعيدا ًعن الدخان الابيض المتصاعد من الاغصان الرطبة وهي تطقطق من شدة اللهب.
ـ اليوم السالفة مو خالية...! اضاف ابو كريم ( الفـَلايـَة).
اجاب سلام وهو حذر من ردّة الفعل:
ـ والله... صديقتي انطتني صابونه.
ـ هــــا...هــا...هــا...هــــا...
ضجّ الرفاق من حوله بالضحك وتعالت التعليقات ولم تهدأ إلا بارتشاف الشاي الدافيء من الاقداح الزجاجية التي تلوّنت بصفائه.
ـ اللي يسمعك يگول صدگ عندك صديقة...! اضاف ابو رجاء وهو يهيء نفسه لتبديل الحرس.
اخذت الاحاديث وذكريات المدن تتسلل مابين الشفاه.
ـ كنـّا خمسة رفاق، استقر بنا الحال مؤقتا ً في فندق بغداد، الواقع في احد ازقـة محلة الحيدرخانة. انهكنا البحث كل مساء عن مكان للمبيت. كنـّا نمرّ على الفنادق جميعا ً من ساحة السعدون حتى باب المعظم، فلا نجد مكانا ً. في احدى المرات، واصلنا البحث حتى جانب الكرخ، لتستقر اجسادنا المنهكة على اسرة متهالكة في فندق قديم قرب علاوي الحلة، بعد ان تجاوز الليل منتصفه، وهذا ماخدمنا لان تقديم قائمة النزلاء من قبل اصحاب الفنادق لرجال الامن يتم قبل الثانية عشر ليلا ً.
توقف ابو انتصار عن الحديث قليلا ً لياخذ نفسا ً عميقا ً من سيكارته. اقترب مهند اكثر ليصغي للمتحدث بأهتمام.
ـ حصل اربعة رفاق واحد بعد الاخر، على عمل في معمل للنجارة في كرادة مريم، وبقيت وحيدا ً انتظر دوري. كان يتملكني الشعور بالوحدة والضجر طول النهار، رغم اني كنت اقضي وقتي متعمدا ً من الصباح حتى المساء، في اسواق شارع النهر وشارع الرشيد المزدحمة. هاجس الاعتقال يلاحقني في كل زاوية ومن كل نظرة مريبة.
ـ متى كان ذلك.؟ استفسر مهند.
ـ في بداية ربيع عام 1979، حيث كان يلف بغداد الرعب والحزن والمستقبل الغامض ، فلم نتذوّق طعم الربيع، ولم نلحظ ثوبه يتجدد في ساحات وحدائق العاصمة.
ـ ايام صعبة مرّت علينا، فقد كان الشيوعيون ابناء المحافظات الهاربون من بطش النظام، يفترشون الحدائق العامة في الليل، ويتوسدون مسطبات محطة القطارات، وينامون في المعامل الاهلية خلسة من اصحابها. اضاف ابو عراق والمشاهد تلك حية في ذاكرته. ثم اكمل ابو انتصار حديثه:
ـ في احد الصباحات تاخرت قليلا ً، وقررت ان اخذ نظرة من شرفة الفندق، على بيوت الشناشيل القديمة والزقاق المؤدي اليها. كانت اعمال تجديد الفندق من الخارج جارية لايام. حركة الناس في الزقاق لاتنقطع. عند الظهيرة تزداد الحركة باتجاه مطاعم شعبية ذات اكلات رخيصة. السيارات في شارع الرشيد لاتكف عن الضجيج. جامع الحيدرخانة يضفي على المنطقة هيبة فن عمارته. اسند احد العمال سلما خشبيا طويلا الى جدار الفندق، وبدا بالتسلق ببطء ماسكا ً بيده علبة صبغ كبيرة، تدلت على حافتها فرشاة عريضة خاصة لطلاء الجدران. الشمس تواجه الفندق فتميز بوضوح بين اللون الجديد واللون القديم الذي فقد خاصيته.
بعد توقف قصير بسبب رد التحية واصل ابو انتصار حديثه:
ـ دلف في الزقاق من شارع الرشيد، شاب وسيم الطلعة بطقم ثياب جديد وكأنه متوجه لحفلة زفافه. قسمات وجهه تعبر عن ابتسامة دائمة. ربما كان غارقا ً باحلام لقاء الحبيبة في مكان ما. اقتربت خطواته من السلم، وفجأة هوت علبة الصبغ لتصطدم بالارض محدثة ً جلبة ً، امتزجت مع صرخة المفاجأة من ذلك الشاب. انبعثت من العلبة نافورة طوقت الشاب وبدلته الانيقة، لتوزع امتداداتها على الجدران وارض الزقاق، وكل ما استطاعت الوصول اليه. كتمت ضحكتي، لتمتزج بشعور الاسى على ذلك المسكين.
وهنا صرخ مهند مقهقها ً والدهشة ارتسمت على قزحيّـتي عينيه:
ـ ملعون .. كيف تتجرأ وتضحك عليـّه...!؟
ـ ماذا تقصد...!؟
ـ ان ذلك الشاب هو انا.
ـ هل تمزح...!؟
ـ لا...لا... انا جاد. كنت في ذلك الصباح البس تلك البدلة لأول مرة، وهي هدية من اخي...!
ـ ياللمفارقة...! بعد كل هذه السنين نلتقي هنا حول الموقد لنتعارف وبهذه الطريقة الغريبة...!
كان الحدث مثار اعجاب الجميع. رفع سلام يده ملوحا ً بكأس الشاي:
ـ بصحة البدلة...!
فرفع الرفاق كؤوسهم لينعشوا صدورهم، ولتستمر حكايا الموقد الدافئة.

اه... ما ابعد بغداد

 د. ماجد الحيدر ..
(الثالثٍ من كانون... والثالثِ من كانون..سنةٌ مرَّتْ)..
لا أريدُ أنْ أراها..
أخافُ على الذكرياتِ القديمة !
هل ما زالَ فيها شيوخٌ يتراشقونَ بالنكاتِ البذيئة؟
وسائقونَ ثرثارون؟
وصِبيَةٌ يفرّون من أسيجةِ المدارس؟
وأمّهاتٌ يَصلُحنَ للبكاء.. ورتقِ الجواربِ العتيقة؟
وغيومٌ .. ورائحةُ طين؟
هل تعبَ عبد المحسنِ السعدون من استقبال القادمين من ساحةِ التحرير؟
هل يأخذون سترةَ الرصافي للغسيل والكيّ ؟
وباعةُ اللبنِ المالح بالثلج ، عند رأس الشورجةِ القديم..
هل بقيَ منهم أحدٌ على قيدِ الشقاء؟
أريدُ أن تأخذوا قلبي اليها
أريدُ أن تأخذوا رؤوسَ أصابعي
وما تبقى من الساعات
سلاماً الى شجيرات الدِفلى القبيحة / قد يئستُ من رؤيةِ النخيل!
سلاماً الى عرجانها، وبرصانها، وعميانها
ومفلوجيها، ومحرَّقيها، ومبتوريها / لستُ واثقاً من الأصحاء!
سلاماً الى مجانينها المشرَّدين / أعني أعقل الحكماء!
سلاماً الى فقرائها / أما أغنيائها فلا !
سلاماً الى أعمدةِ الرشيد العجوز / لا توجعوا جلدها الملتهب
حين تنزعون عنها الملصقات القديمة
وتوشحونها بالسواد !
سلاماً الى أنوف الصبايا المحمرّةِ من البرد.
سلاماً الى الطوباويين من بنيها أولئك الذين لا يعرفونَ من أينَ تؤكلُ الأكتاف..
أولئك الخاسرينَ الأبديينَ
سلاماً الى مقابرها التي تنازل ساكنوها عن شواهدهم
واكتفوا بالوجوم.. والسؤالِ عن جدوى كلَِ شيء.
سلاماً الى حماماتِ فائق حسن / لا تُخبروها أنَّ سعدي يوسف قد تنكَّرَ لها.
سلاماً الى الناحلين البردانين تحتها
الضاحكينَ رغمَ كل شيء المتحلقين حول مواقد الصفيح والقمامة
بانتظارِ المقاولِ أو المفخَّخّةِ التالية..

استذكار ... قصة الستينيات

 حسن الخياط
أخذت القصة في الستينيات مساحة مكانية وزمنية واسعة. لذا يجب تقييمها بعدتلك السنين التي مرت، وفق سياقها التاريخي والفني، لتصبح عالماً جديداً ينظرا ليه وفق الإبداعية المنتجة آنذاك. ومن ثم إحالتها إلى زمن آخر منظور في السنين اللاحقة. لذلك فان تقييم تجربة القصة القصيرة في الستينيات في بعديها الأدبي والفكري، هو استنباط القيمة الفعلية منها، باستخدام المعيار الكلي لتلك القيمة التي تمكن الدارس والناقد والقارئ من دراستها حسب المنهجية الخاصة به. يمكن كشف بعض السمات والملامح العامة لتلك التجربة. وإعادة إثارتها بدافع الحنين الأدبي الذي يحمله القاص الذي عاش فترة ظهورها وماجاء بعدها من تجارب إبداعية أخرى تؤكد إن قصة الستينات هي الأبدع في تاريخ العراق الأدبي ، لكونها تحمل نزعة فنية متمردة ومتميزة. وبالرغم من أن هذه الرؤية ليست بعيدة ومنفصلة عما جاء قبلها وبعدها من نتاج يحمل الكثير من ميزات الإبداع. فأنها تفردت لكونها ظهرت في سنين ممتلئة بالأحداث الحادة في نـتائجها. ووقفت بإصرار على ارض فنية تتسم بالتجريب ، والإحساس بالغربة في مرحلة صعبة من تاريخ القصة العراقية. حيث تمكنت من نقل التجربة الخمسينية إليها . وتجاوزت فضاءها الأقل حدة من مرحلة ولادتها. واستمرت متمسكة بثوابتها الجديدة، ومواجهة الانكسارات المريرة التي تمثلت بالرجات النفسية داخل الفرد والمجتمع . لقد كان طموحها كبيراً وعميقاً، لذا فأن منبرها الخاص في التعبير، هو إزالة هذا الخلل الصعب وتحويل واقعها إلى قدرة تمكنها من الأحاطه بمكوناته، وخلق عالم مضاد لماضيه. استمر القاص بإثارة شخوصه الذين كانوا يحملون التناقضات التي تعبر عن ايجابية وسلبية أفعالهم ، فهم الحالمون بردم ماتركه الواقع السياسي والفكري فيهم وإزالة تلك الخنادق والحواجز التي تعيق قدراتهم المكبوتة وكينونتهم المغيبة. كان الكثير من كتابها يحملون النزعات الحساسة المفرطة نتيجة قراءاتهم المتعددة والمتنوعة المصادر، التي تتفق مع أفكارهم متطلعين و طامحين لتحقيق النص الأدبي المعبر عن دواخلهم. ولغرض تحقيق مشاريعهم ، فقد تجمعوا في إطار أدبي واحد. فأصدروا الكثير من المجموعا ت القصصية والروائية. وكتبوا الكثير في مساحات الصحف وأعمدتها. وبالرغم من ظروف النشر الصعبة، وقلة المسموح لهم بنشره. فقد أصدروا بعض المجلات وعملوا محررين فيها. حيث كان العمل الصحفي مرافقاً دائماً للعمل الأدبي. وأنتجت تلك العلاقة نصوصاً أثرت في بعضها بالإضافة الى الجلسات الودية وحيوية الحوار والنقاش الساخن فيها. وتلك مرحلة أنتجت وثبتت تاريخها كي لا ينساها الزمن. وبسبب تلك الظواهر والأحداث التي مرت بالعراق. فان الأديب حاول تنظيرها وتحليلها. وما استمراره في الكتابة الا موازنة قلقة تحتم عليه فهم نفسه وواقعه الذي حاول إزاحته ، ومساهمته في حرارة الأحداث كي يتجاوز تراكمات واقعه الاجتماعية والسياسية . وبسبب كل ذلك ظلت القصة الستينية متغربة في ذاتها . وراح القاص يتحدث عن وهم أية حقيقة تستقر في داخله، وعن اغترابه وسريالية أحلامه ، وبطلان موروثه ، والانكسارات الحادة في بنى واقعه وذاته. كان مختنقاً . يحاول كسر القشرة الصلبة التي تحيط به، كي يظهر صورة البطل المتخيل في داخله ، باعتباره البديل الثابت لـما كان يفكــر بـه ويكـتبه. ولكي يطهر ذاته مما علق بها . فان عليه خلق صورة النموذج المتخيل ، ونقلها وإسقاطها على الشخصية الفاعلة في قصصه . ومزجهما معاً لتظهر الشخصية الأكثر وعياً التي ترى عذابها في ذاتها ، والحاملة كل صفات البطل المرتقب الذي يستخدم معاناته المضادة لكل مضاد له كي ينتج الصورة الشبيهة لــه . فهي في حركة مستمرة لا وقت لها لتتأمل ماضيها وأسباب الفواجع التي واجهتها. وما علاقاتها بالآخرين الا محض وهـم خلقته لكي تواجه به صعوبة الظروف التي تحيا ضمنها . هذه الشخصية تبدو وكأنها تقاتل نفسها ، مستندة على قوة ذاتية ، وخيال عميق الرؤى. فهي تضع أفكارها وانفعالاتها بديلاً لفقدان الرؤية الواقعية ، مقابل واقع مرتج مفكك بينه وبين النموذج البطل ، الذي يصنع العالم من ذاته ، ويختار الصعب من ظواهر الحياة. وهو الذي يواجه دائماً واقعاً مريراً يضغط عليه بشدة ، وان فشل في مواجهته فانه يحقق انتصاره عليه في خياله. وهكذا فالبطل (الصورة) بات مسلوباً ومغترباً ، وإرادته واهنة ، ولا ايجابية له في أي شيء يفعله .لغياب البطل الحقيقي امتداد منطقي لغيابه داخل القصة. لان فترة الستينيات كانت تتعكز على جراحاتها . والمجتمع يبدو أمام الكاتب سطحاً ساكناً لا إلتماعاً عليه. حيث يخلق واقعاً آخراً يحمل ميزة الإبداع. إن حكمنا على ظهور الغموض في القصة . جاء نتيجة لعمق الوعي الذي تملكه ويقظة المكبوت في لا وعيها . فالغموض فيها ليس مضببا بل عتمة نفذ منها بياض ما بقي من وميض في الذهن . لان القاص استخدم الأسلوب الذي تكتب به المشا عر المباشرة وردة أفعال المنسيات في الذاكرة. بعض النقاد يرى أن حضور المؤلف في النص هو هروب نحو مثل لا تتحقق وهروب يتجاوز به واقعه . ولكي يتخلص من أزماته فانه يميل الى السرد الغنائي تعبيراً عن فورة انفعالاته . في الوقت الذي يبحث فيه عن أوسع مجال لحريته ورؤاه. وبقدر ماكان يتحاشى حصر تلك الرؤى في فرديته . فانه رأى في التاريخ عنصراً يغني القصة ويستحضره فيها . فهي تستقي من الخيال طاقتها من دون إفراط عند استخدامها المنولوج الداخلي . حيث يصبح الإحساس كلاماً غير مسموع يتحول الى صور مرئية صامتة تحاور بعضها وتثيرها باستمرار. إن القصة محكومة دائماً بترتيب الواقع ، ومسؤوليتها تجاه النتاج الأدبي. فأثناء الكتابة يتجسد هذان الشرطان في العمل المبدع ، لكونه يحمل خصوصية الخالق وموضوعية الواقع ، ومدلولات كل منهما ، ومن ثم انتقالهما الى المتلقي. قد يبدو ضعف القصة ظاهراً في الشخوص المصورة فيها ، ومحبطة في أقصى حالاتها ، فهي تسعى لتوحيد علاقاتها مع الخارج أو تظهر نفسها متفردة في أفكارها. لكنها بفعلها هذا تظهر النتائج قبل الفعل .هي غائرة في همومها ، وصاخبة في تصرفاتها ، وسلوكها . فالإبهام والغموض يضعانها في غربة وتيه أمام الواقع . وهي لا تكشف قدراتها الكامنة فيها ، وان فعلها اقل تأثيراً في القارئ الذي لا يحمل رؤية صحيحة عنها . فهو يراها منغمسة في الذات دون إدراكه أنها كانت تعبيراً عن الوعي المتسارع فيها . وان مرتكزها الرئيسي هي عمليات الذهن ، وليست تشابكات الحياة . فالبطل في معظم النصوص موزعاً في ذوات كثيرة ، عازلاً نفسه عنها كي يؤكد حقائقه الخاصة به . إننا نطلب من القصة بساطتها وعمقها. فهي ليست مجبرة على التلاؤم مع أفكارنا . فهي تطرح الأسئلة الكثيرة علينا ولا نملك الا القليل من الأجوبة لها . لان هناك ا لا ختلافات في الرؤية وفي قيمة الافكارالتي نحملها و في طريقة تعبيرنا عن أنفسنا . وكذلك الطبيعة الخاصة لكل منا حينما يتم تقييم ما تحتويه وجوهر انطباعاتنا عنها. إننا نختلف معها حتى في الزمن الذي تخلقه أفعالها . إن القاص يلجا دائماً الى الاختفاء في الكلمة أو يتوارى خلف ما يشاكلها وبما تشير إليه أو تعنيه. والمبدعون جميعا يدركون أن ثمة أشياء كثيرة ترافقهم . وان أخرى تتهدم في أعماقهم .وان ما يشعرون به يمثل هروباً ليس مكانياً بل هروباً من زمن واقع ضاغط . ولكي يفلت القاص من أسره . فبمقدرته تحويل ذلك الأسر الى صور قصصية قد تقنع القارئ أو توقعه في الوهم . لذا فان هروبه من عالمه هو أمل يتوالد على الدوام من زمنه . ويتغير ذاتيا في كل لحظة يحياها في كونه الكبير. ظلت القصة ترافق الحياة لأنهما تجهدان معاً لبلوغ الذروة التي يتطلبها الإبداع. إن القاص كان يفكر بالنموذج المثقف . لا بالنموذج الفاعل ، فالأول يتصف بحدة انفعالاته ، وإحساسه المستمر بالغربة ، وإفراطه في متعة التجريب الذي ملأته الاستعارات والصور الشعرية والمجازات بإشكالها المتنوعة السائبة . ولذلك اعتبر التجديد امتداداً مطلقاً للتغريب . شاعراً بثبات الموقف العام تجاهه وتجاه ما يفكربه . وشـكّــل ذالك جحوداً مستمراً لنتاجه ، لكنه وجد في التجريب الأعمق والمدرك له. لان الإثارة النفسية تمنحه المتعة والفضاء المفتوح للاكتشاف. وحافزاً للاستمرار في الكتابة. كان هناك اثر لغياب النقد الأدبي ساعد في ظهور الكتابات الغير ناضجة . وعلى أساس هذا، فان تلك المرحلة الأدبية تميزت بمبدع نتاجها . ولو توفر النقد الموضوعي لها، لتم اعتبارها تجربة ثرية تحمل من سمات الحداثة الكثير، وعلامة مضيئة في تاريخ القصة العراقية ، بالجهود الفردية التي امتلكت وبجرأة مشروعية المساهمة الفاعلة في التأثير على الحياة. ظل النقد غائباً ومتمسكاً بنظرته الخاصة ، وممارسته الأبوية المعتادة على النصوص . مما اضعف دوره في رصد ودراسة تلك الظاهرة القصصية الفريدة. لقد كانت تلك الفترة مشحونة بأوجاعها ، ومنها كانت تسعى للوصول الى أحلامها ، وإحداث رجة في واقعها ، هدفها كان فتح الجروح المغطاة بالحجر ، وتنقية الداخل والخارج كي يضيئا معاً ، ويزيلا تركات الخيبات السياسية ، وإرث الأوضاع النائمة في الكهوف ، والخفايا التي ظلت تمزق الجسد والضمير. كان القاص يفكر. والناقد بقي حذراً من التجربة الجديدة ، واستمر هذا الانقطاع بينهما، حيث ظلت تلك التجربة تحمل حنيناً لتلك السنين التي رافقتها. حنيناً مختلطاً بالألم والعتاب. وبقدر ماكانت أحلام المبدعين صغيرة ، كانت همومهم تكبر ، واستمرت اللغة التي يكتبون بها مشحونة دائماً بتلك الإشارات التي يستقبلونها بأفكارهم و التي تنطلق من دواخلهم، كي يفهموا العالم الذي يحيط بهم ، منصتين للتناغم الجميل بين لغة المكبوت فيهم ولغة الوعي بالأشياء. إنهم يكتبون لكي يظلوا أحياء، لا تثقل ضمائرهم الخطايا . فهم يبحثون دوماً عن قيمة الزمن، وصدق الكلمة، حذرون من الفخاخ التي تصطادهم من الوراء. أحلامهم هي حقائقهم، هاجس واحد يقلقهم : الموت الذي قد يأتي مبكراً، ولم يكملوا بعد ما بداوه. الآن هل يمكن دراسة تلك التجربة، ومدلولات ظهورها من قبل النقد، ام تبقى حنيناً في داخل كل من ساهم في خلق تجربة ماضية يستذكرها الحاضر دائماً؟. آمل أن ذلك ليس بعيداً. لكن السؤال الكبير هو: هـل أن جــيلاً جديداً سيظهــر شــبيهاً بالذي قـد ظهر؟!.

 

 

 

القرأن الكريم


الوقت والتأريخ


القـامــوس

 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة البينة الجديدة© 2007          تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com