|
فارس
خليل ابراهيم
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب
الباردة بين الكتلة الشرقية بقيادة الاتحاد
السوفياتي والغرب بقيادة الولايات المتحدة
الامريكية ظهر مصطلح جديد اخذ ينمو وبصورة طردية
مع نمو وسائل الاعلام, واعتماد الاخير كأداة من
ادوات الحرب الباردة في تلك الحقبة وعلى امتداد
تلك الفترة الساخنة من حياة البشرية وعلى الرغم من
الاستخدام المفرط لورقة حرية الاعلام او الاعلام
الحر في النزاعات الاقليمية والدولية الا انه لم
يتم تحديد مفهوم واضح لمبدأ حرية الاعلام وما
يترتب عليه من افرازات مهمة والتي كانت اهمها
مصطلح الاعلام الحر الا اللهم بعض تلك العبارات
العامة والتي لاتخرج عن (حق التعبير ، رفع الرقابة
الحكومية ، حق امتلاك وسائل الاعلام ...الخ) وفي
تلك الفترة كان حق التعبير كفيلا بترسيخ مبدأ
الحرية في العمل الاعلامي وكان يمكن بدوره ان يلغي
مبدأ الرقابة وبصورة جزئية وبعبارات فضفاضة, كانت
هي الاخرى خاضعة للمناخ السياسي .
وهنا لايمكن الحديث عن حرية الاعلام دون الاخذ
بنظر الاعتبار مبدأ الحرية الكاملة لأصدار وامتلاك
وسائل الاعلام ونشر ما يرغب به (الرأي العام) دون
قيد او شرط! والغاء كافة المؤسسات الرقابية
الحكومية وغير الحكومية الغاء كاملا وتخليص
الكوادر الادارية والتي تشرف على وسائل الاعلام من
القيود الايدولوجية والتبعية الفكرية للأنظمة
السياسية ، وهذا بأختصار مالم يحدث او سيحدث في أي
نظام سوآء كان في البلدان ذات الانظمة الليبرالية
الديمقراطية او الانظمة الشمولية الاستبدادية .
فعلى سبيل المثال تناط مهمة اصدار تصاريح ترخيص
العمل الصحفي المقروء منها او المسموع في الانظمة
الرأسمالية, بالاقسام المتخصصة في المحاكم
الاقتصادية بأعتبار امتلاك احدى وسائل الاعلام يقع
ضمن حقل الانشطة الاقتصادية لأحتوائه على عناصر
النشاط الاقتصادي (رأس المال الثابت ، والمتغير
،واسهم وارباح ... الخ) وتفرض عليه قوانين
المنافسة الاقتصادية مع بقية المؤسسات ويفرض عليه
ايضا في ظل هذه المنافسة مبدأ الربح والخسارة
واشهار الافلاس (ولانزاهة في الاسواق)وهنا اود ان
اذكر حادثة قريبة عندما اشترت احدى الشركات
التجارية والتي تكبدت خسائر كبيرة بسبب التوجهات
السياسة للادارة الامريكية في العراق " صفحة كاملة
من صحيفة نيويورك تايمز الامريكية ونشرت فيها صورة
لقائد العمليات العسكرية في العراق ديفيد بتريوس
تعلوها كلمة خائن لاغراض التشهير قبيل نشر تقريره
على الكونكرس الامريكي و الخاص بمجمل التطورات
السياسية و العسكرية في العراق" فالكلمة الاعلامية
في ظل المنافسة الرأسمالية الشرسة لها سعرها اي
وتخضع لمبدأ قانون العرض والطلب جاعلةً من مفهوم
حرية الاعلام نعلا تقطع به الطرقات الوعرة
والمسافات الطويلة خلال مسيرة تأثيرها على الرأي
العام .
لقد اصبح الاعلام في الانظمة الليبرالية
الرأسمالية وسيلة ترفيهية لتخفيف حدة الازمات التي
تواجه الانظمة الرأسمالية وبصورة دورية ناهيك عن
المضامين الخبرية (الموجهة) والتي تداف وسط هذا
الكم الهائل من المواد الترفيهية وبصورة منهجية
لتوجيه وخلق الاتجاهات السلوكية المطلوبة في
المجتمع للحفاظ على عنصر الموازنة والمرهون
بالعجلة الاقتصادية الرأسمالية هذا في البلدان
الليبرالية ، اما في البلدان النامية ذات الانظمة
الشمولية فأن اصدار مثل هذه التصاريح يكون حصرا
برئيس الجمهورية او رئيس الوزراء او وزير الداخلية
وليس لوزارة الثقافة او الاعلام دور يذكر في هذا
الامر سوى حفظ وارشفة تأريخ صدور وحجب تلك
التراخيص وهذا امر لا يحتاج الى تعليق .
فأذا كان هذا كله يشير الى انعدام مبدأ حرية
الاعلام في الانظمة الديمقراطية والشمولية على حدا
سواء فأنه يشير ايضا الى الدور الكبير لوسائل
الاعلام في التأثير على الرأي العام ومقدرته
الكبيرة على تشكيل توجهات واتجاهات المجتمع
وتعبئته نحو هدف محدد .. وعلى ضوء ما تقدم يمكن ان
نعتبر وسائل الاعلام احدى اهم واخطر ادوات التغيير
الاجتماعي والتي لا يمكن ان تكون محايدة بالمرة
،وكون المجتمعات البشرية تتأثر وتسلك سلوكا يتناسب
مع المؤثرات المحيطة لذا تستخدم وسائل الاعلام
كوسيلة للتأثير والتغيير في الاتجاهات لدى الفئات
المستهدفة في الرأي العام وخلق توجهات توافق الهدف
المطلوب من الحملة الاعلامية من جهة ومن جهة اخرى
يمكن اعتبار وسائل الاعلام احدى ادوات الضبط
الاجتماعي الفاعلة في أي مجتمع كان, حيث تعمل على
توجيه وغرس قيم وممارسات اجتماعية حديثة يسعى من
خلالها الى احداث تغييرات جذرية في المفاهيم
والسلوك الفردي والجماعي في المجتمع وإعادة ترتيب
سلم القيم والمعايير في المجتمع المستهدف من اجل
فرض الأوضاع الاجتماعية المرغوبة بالإضافة إلى
تعديل المواقف والاتجاهات الضعيفة والمراد تعزيزها
وتدعيم الأفكار والاتجاهات المرغوبة والتي تتلاءم
مع توجهات النظام السياسي السائد وايدولوجيته
والعمل على إيجاد ثغرات في بنية القيم المرفوضة
سواء كانت الاجتماعية او السياسية وزعزعة القناعات
الراسخة بها وخلق نوع من البلبلة حول تلك القيم
وإضفاء جو من الكراهية عند الرأي العام حول تلك
القيم .وبعد كل ما تم ذكره هل يمكن ان تكون هذه
الوسيلة الخطرة (حيادية) ؟ او متروكة لأن يستحوذ
عليها الآخر وبدون عناء لتحقيق أغراضه ؟ بالتأكيد
لا.وعلى الرغم من ولوجنا عصر العولمة واندثار
الكثير من المّسلمات السياسية وايدولوجية والتي
كانت سائدة في القرن الماضي فأن الكثير من الناس
مازال متشبثا بتلك المّسلمات والمقولات السياسية
والاجتماعية تماما كأسلافنا في العصور الغابرة حيث
كان يرفضون وبشكل قاطع التشكيك في بعض المّسلمات
العرفية التي ما انزل الله بها من سلطان .
ولعل اكثر تلك الاكاذيب التي مازال الكثير يؤمن
ويروج لها وبهمة عالية اكذوبة (الاعلام الحر) تلك
الكذبة الكبيرة التي روجت لها الصحافة الليبرالية
في بدايات الحرب الباردة حتى اصبحت من مّسلمات
وغايات أي عمل صحفي او اعلامي يدعي الرصانة
والموضوعية !!.ولا مبالغة بالقول ان معظم وسائل
الاعلام في الشرق او الغرب هي وسائل اعلام منحازة
بالضرورة لأرآء اصحابها ومعبرةً عن مصالحهم بغض
النظر عن توجهات المصلحة العامة او ما يمليه
مبدأ(حرية الاعلام) اذ ان تلك الوسائل تسير حسب
عقائد واصول وخطط صارمة لاتحتمل اللبس او العمومية
في التوجهات .. فوسائل الاعلام اياً كانت وان بدأت
ظاهراً بأنها منفتحة وللوهلة الاولى غير انها اولا
واخيرا اداة تحكم وتوجيه وتعبئة سياسية في أي زمان
ومكان في العالم وهي جزء مهم من النشاط السياسي
للأنظمة والحركات السياسية للفئات الفاعلة في
المجتمع ، وبعبارة اخرى ان وسائل الاعلام عبد مطيع
لسيده ، فهل شاهدتم يوما عبدا حرا ؟ ومتى كان
العبيد احرارا ! .فلو تناولنا وسائل الاعلام
الامريكية لوجدنا ان بضع عائلات فقط تسيطر على
معظمها وان تلك العائلات لها مصالحها ومخططاتها
وتوجهاتها قائمة على مبدأ تحقيق الربح الأقصى
وإزاحة الآخر من المنافسة وان وسائل الإعلام التي
يمتلكونها لابد وبالضرورة ان تعبر وتساير تلك
التوجهات والمصالح ، والأمر ذاته ينطبق تماما على
وسائل إعلام تملكها الشركات العالمية الكبرى ،
فكما هو معلوم ان العديد من الصحف والمجلات
والمحطات التلفازية مملوكةً من شركات عملاقة عابرة
للقارات وهنا أورد لكم أهم واكبر الاحتكارات
الإعلامية لتوضيح حجم ونفوذ تلك الاحتكارات في
مجال الإعلام. |