القائمة الرئيسية

الاولــــــــى

الافتتـاحيـة

الثــــــانيـــة
السياسيـة
محليـــــات
تحقيقـــات
الثقـافيـــة
حـــــــوارات
طب و علوم
مــقـــالات
الـــريـــاضــية
الاخــيـــرة

القائمة الثانوية
الاتصال بنا
الارشـــيف
كاريكــاتيــر

 

    
البينة الجديدة جريدة يومية سياسية عامة                                                                                                                                               رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين العراقيين (134)                                                                                                                      رقم الايداع في دار الكتب والوثائق (970) لسنة 2007

السنة الثانية العدد (503) الاحد 2008/1/13م ـ 4/محرم/ 1428 هـ

الدملوجي تنتصر للسياسيين!
ابـــــو الغـــــــــوث

 طالبت السيدة ميسون الدملوجي عضوة مجلس النواب عن القائمة العراقية المثقفين العراقيين بعدم التعالي والترفع على السياسيين لما يمثلونه من ثروة وطنية تقود سفينة العراق الى بر الامان. واكدت النائبة الدملوجي في معرض حديثها الذي ادلت به الى قناة الحرة-عراق: ان على المثقف العراقي ان يحذو حذو سياسييه الذين يمثلون اطيافا متعددة من الثقافات وباختصاصات متنوعة.
ونحن في هذا الصدد لا نختلف مع السيدة النائبة فيما ما ذهبت اليه من تقييم وفق تصنيفاتها وبحدود امكاناتها الذهنية التي نعرفها جيداً، الا اننا نقول للسيدة الفاضلة:- ماذا قدم هؤلاء الساسة المثقفون من منجزات للثقافة والمجتمع .. وفيم انحصرت اهتماماتهم؟
ونكتفي بطرح السؤال ولا نجيب عنه ولا ننتظر منها الاجابة ايضاً ؛ لاننا ندرك تماماً دوائر الاشتغالات وبمفهومية عالية.. اما التعالي والترفع الذي تقصده النائبة .. فإني اعلم تماماً انما جاءت على خلفية الامتلاء الشديد لوعي المثقف العراقي الذي ظل دائماً وطيلة عدة عقود يعمل بذاكرته وانفعالاته وابداعه ورصده لكل النتاج الانساني.
على الدملوجي ان تتريث قبل إطلاق احكامها البعيدة عن الموضوعية والعلمية في تقييم الامور.
كما آمل أنا شخصياً منها ان ترعوي او تقترح رعاية المثقف العراقي التي ظلمته كل الحكومات، فأما ان يعمل عبداً مطيعاً مستحمراً لها وإلا يسدل الستار عليه وعلى ابداعه ..علينا ان نتحلى بالانصاف الانساني بكل ما يحمله هذا المصطلح من معنى للنقد الاخلاقي الذي يهدف بديهياً الى التقييم والتقويم.

القاص باسم القطراني في لقاء خاص للبينة الجديدة: البصريون مبدعون بالفطرة

 حاوره: كاظم الزهيري
في البصرة وفي المدينة التي تغفو على ضفاف شط العرب ولد القاص باسم القطراني عام 1962 وتخرج من جامعة البصرة بعد أن درس الأدب الانكليزي وأنفلونزا الصمت مجموعته البكر التي صدرت مؤخرا في البصرة ..نشر العديد من قصصه في الصحف والمجلات المحلية وقد استأثرت كتاباته القصصية باهتمام عدد من النقاد العراقيين . يعمل حاليا مدير الإعلام التربوي في المديرية العامة لتربية البصرة.
*متى بدات الكتابة وكيف تنظر إلى التجارب التي سبقت تجربتك القصصية ؟
_بدأت الكتابة في سن مبكرة ولكني لم انشر شيئا إلا بعد سقوط النظام أما بالنسبة للتجارب التي سبقت تجربتي فإنها تجارب رائعة سواء على صعيد البصرة أو العراق فانا من مدينة محمود عبد الوهاب ومحمد خضير ومحمد سهيل احمد وقصي الخفاجي وغيرهم من قامات القصة البصرية والعراقية لذالك فانا شديد الفخر باني أعيش واكتب في ظل هذه النخبة المتميزة وهذا أيضا يحملني عبئا إضافيا في الكتابة.
كيف تنظر إلى واقع القصة العراقية الآن؟
_ القصة العراقية في الوقت الحاضر تأخذ مسارها ومداها الأرحب خصوصا بعد الانفتاح النوعي الذي حصل . هناك محاولات جريئة وجادة تجعل من القصة العراقية تتبوأ مكان الصدارة في الإبداع والتألق على صعيد الوطن العربي وما حصد الجوائز للمبدعين العراقيين في المسابقات المختلفة وهذه الانجازات الا نتيجة توفر نخبة رائعة من القصاصين العراقيين يحاولون تلمس طريق التميز بجدية فاعلة . هناك جرأة في الطرح وفي اختيار الثيمات الفريدة وأيضا هناك رغبة في مواكبة أنماط التجريب العالمية مما يشكل تواصلا مع مسار السرد العالمي..
" هل تعتقد إن فارق العمر بين كتاب القصة له الأثر الكبير في كتابة القصة بشكل متقن؟ _ في بعض الأحيان نعم . هناك فارق ملموس بين كتاب القصة بأجيالها المتعددة وكما يقول الإمام علي (ع)( الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم) ومن وجهة نظري فان عدم مواكبة بعض كتاب الجيل الستيني والسبعيني لأنماط الكتابة الحديثة عمق الهوة والمسافة بينهم وبين الكتاب الحاليين . إن فن القصة شانه شان أي نوع أدبي آخر قابل للتطور بشكل سريع تبعا لمتطلبات عصر السرعة لذا فأنت ترى كثيرا من المدارس الأدبية الحديثة تزاحمت في الانثيال نحو القارئ او المتلقي بأنواع جديدة وللأسف فان الكثير من الكتاب يجهلون او يتجاهلون هذه الحقيقة فتبدو أعمالهم أشبه ماتكون بزاد خال من الملح . أنا أرى بان هناك مجموعة من القصاصين الشباب تأخذ مكانها في مسار السرد العراقي الحديث ولها ثقة واعتداد بالنفس من شانهما أن يضيفا الشيء الكثير.
" كيف تنظر إلى دخول الأدباء عالم الصحافة وهل هذا يضيف للأديب إبداعا آخر؟
_ دخول الأديب إلى عالم الصحافة سلاح ذو حدين وهناك من خسروا الكثير جراء دخولهم معترك الصحافة وعدم التخصص في عالم الصحافة يغرق الأديب في متاهات غير محسوبة . اعتقد بان الصحافة تساهم في إضعاف دور الكاتب وتجره إلى عدم التواصل مع إبداعه وتألقه وهناك أمثلة كثيرة لااود ذكرها ابتعدت عن نجاحاتها في فن الكتابة لانزلاقها غير المحسوب في فخ الكتابة الصحفية ربما طلبا للمال او غير ذلك وفي النهاية فقدوا بريقهم وتواصلهم . وهناك من نجحوا ولكنهم قليلون جدا.
- - * تتميز البصرة دون غيرها بأنها منجم للمبدعين .... لماذا ذلك برأيك؟
- - كنت أقول دائما بان القرب من الماء يجعل الإنسان حميميا في تعامله مع الحياة و البصرة مدينة حالمة تغفو على ضفاف الخليج بوداعة والق الإبداع فيها سمة قديمة فكما إن البرازيليين هم لاعبون لكرة القدم بالفطرة فان البصريين مبدعون بالفطرة هناك أعداد هائلة من الشعراء والقصاصين والكتاب غير المعروفين ولا يحبون ان يعرفوا انها منجم كبير وحاضنة للتأليف والابداع ولمبدعيها كتابات مفعمة بنكهة خاصة لا يعرف سرها .
- * كيف تنظر الى النقد الأدبي وهل تعتقد ان هناك نقادا بالمستوى المطلوب ؟
- اعتقد ان تلك هي المحنة الحقيقية التي واجهت وتواجه الكتاب العراقيين فليس هناك وفرة في النقاد المتخصصين والقادرين على الأخذ بيد الشرائح الأدبية المتنوعة معظم الكتاب يعملون بجهود ذاتية وغالبا ما يغرد النقاد خارج سرب إبداعاتهم لافتقار معظم النقاد الى المنهجية في النقد او الاعتماد على مناهج عفى عليها الزمن مما يعطي إشارات خاطئة دائما ناهيك عن الاخوانيات فهذا يجب ان يكون بعيدا عن كل ذالك نعم هناك عدد من النقاد العراقيين أسسوا لأنفسهم مسارات نقدية واضحة وجادة أسهمت في تقييم الواقع الأدبي والثقافي العراقي بشكل ثاقب ولكن يبقى الأمر دون مستوى الطموح.
- * كيف تنظر الى تجربتك القصصية الأولى( أنفلونزا الصمت ) وهل حققت طموحك فيها ؟
- أنفلونزا الصمت خطوة أولى على الطريق الطويل وهي تمثل مرحلة من مراحل الكتابة بالنسبة لي وعلى الرغم من كلمات المديح والإطراء على التجربة إلا إنني اشعر ان لطموحي نهاية والقصة بالنسبة لي اللعبة الأكثر إغراءا ..سيكون هناك جديد ما دامت الحياة متجددة دائما.
*كلمة أخيرة:
_ شكرا للرائعة البينة الجديدة وأبارك لها التألق في عالم الإبداع وأتمنى لها التقدم والتطورلتبقى منبرا عراقيا أصيلا كما عهدناها.

شـعـر
يَومٌ عَصيبٌ
جرجيس كوليزادة

 مهداة إلى:
الكاتب الصحفي العراقي الكردي عبدالرحمن الباشا
يَومٌ
عَصيبٌ في العِراقِ طَويلُ
حورٌ
ومَعْبودُ الفسادِ يَجولُ
**
تُغلى نُفوسُ الشَّعْبِ،
لا في صَهيلٍ
تُطْفى
ولا حُكَّامُنا لَخَجولُ
**
نَزَلنا
بِقَومٍ لَمْ يَمَسُّوا بأرضٍ
وشرعٌ عَلينا
للقِلوبِ قَتيلُ
**
رَجَعْنا
فأسْقَوا فِرْقَةً وخَرابَا
حَربٌ ضَروسٌ
للسِّيوفِ سَبيلُ
**
فدنا
سِقامُ الأرضِ
دَهراً يُقيمُ
ولَيلٌ تُلاقينا
ببؤسٍ يَطولُ
**
منْ
يَشْهدُ الأحوالَ فوقَ دَمارٍ
بَحرٌ
على هَدْرِ الِّدماءِ يَسيلُ
**
شَعْبٌ جَريحٌ
في الحَياةِ أسيرٌ
عِراقً
على فَقْرِ النِّفوسِ يَصولُ
**
دَهرٌ حَزينٌ
في الزَّمانِ عَليلٌ
بِلادٌ
على بَحرِ النفوطِ يَجولُ
**

قصة قصيرة

اوراق
مريم الريس

  اوراق متراكمة على سطح مكتب يحوي احداث الصحف اليومية مرورا بالشكاوى التي يرسلها الناس وانتهاًء بالانذارات التي يتم توجيهها الى بعض المنتسبين لخرقهم سلوك العمل وهذا ليس بالشىء الغريب .. الغريب في الامر ان تلك الاوراق كانت تحدث نفسها يوميا متسائلة ! ماالفائدة من كل تلك الاوراق المتراكمة والمتلاصقة بعضها مع البعض الاخر ؟ ولمَ لايترك لنا متسع من الفراغ كي يتسنى لنا التنفس بكل حرية ؟
ولم هذا الكم الهائل منها يوميا ؟
الا توجد الرحمة لذلك المتصفح لها ؟ ام ان القسوة اصبحت هي الصفة الغالبة لكل المتواجدين في تلك الغرفة .. وما ان اكمل الجميع الحديث حتى انتفضت بينهم ورقة مطوية كانت تئن من التعب والالم من كثر ماتراكمت عليها اوراق واوراق من دون ان يكلف أي شخص نفسه بالنظر ولو مجرد النظر اليها كي تستطيع ان تتبحر في عيون البقية بكل فخر وتتحدث معهم مثلما يتحدثون وهنا اخذت تطيل النظر متفرسة في عيون الجميع وهي تقول انكم محظوظون
وماذا اقول انا ؟
واستمرت في حديثها
حقيقة لقد تعبت من الصمت
كنت اظن ان في ذلك حكمة وترويا وتبصرا.
اصبح كل ذلك بمرور الزمن وتوالي الايام لايعدو الا ان يكون نقمة مابعدها نقمة كم كنت اجد في طيات اسطري فرحة حينما تنظر لي الاعين وتتحدث الالسن على الرغم من يقيني بأن طريقي الطبيعي هو سلة المهملات كزميلاتي .
بل اصبح الوضع بالنسبة لي اكثر سوءا اذ اصبحت لااعدو ان اكون الوريقة التي يستند عليها الجميع كي لايصيبهم غبار المنضدة الذي يتراكم يوما بعد اخر وكي تصبح جميع سجلاتكم واوراقكم وصفحات كلماتكم المتقاطعة في منأى عن هذه الاتربة اذ كنت انتظر طريقي الا انني بت اخشى اليوم ان لايكتفوا برميي في هذه السلة بل قد تسول لهم انفسهم حرقي كي لايكون لي وجود بعد الان فلا اكون الا ترابا اسود كثير الشبه بالاتربه التي تتناثر الان من على جنبي وهذا مالاطاقة لي على تحمله.
ان كانت لدي اصلا الطاقة الكافيه!
جميل حديث الاوراق هذا والاجمل من ذلك ضرورة ان نعي ان حياتنا باتت شبيهة الى حد ما بهذه الوريقات.. اكداس منها مكدسه واهمال ما بعده اهمال وتأجيل في المعالجة من شأنه ان يكون قادرا على قتل النفس وهي في ريعان شبابها وتألقها.
اذن ماالحل ؟
الحل يكمن في اعادة النظر مرة اخرى بكل الذي فات وكنا نعتقد ونقر بموته مستفيدين من كل اخطائنا السابقة غير ابهين لما قد يحصل من تراكمات اذا ماكانت هنالك معالجات حقيقية معالجات شافية ووافية لكل المستجدات لا ان تكون مجرد محاولة .
كي لا يقال ان هنالك روتينا قاتلا واوراقا مقتولة في سلة المهملات !!!

شـعـر
لا تقلق... أنها أضغاث أحلام
عبد الرحيم حمدان الشويلي

 (1)
من نومي أنهض
مذعوراً
وأفقد قافلتي
وصناديق العود
والصندل
وصبايا
وهدايا
من تفليس
من اقصى الصين
من تبريز
من اصفهان
من تخوم الجزر
من طاشقند
من كل
مدن الحرير
أنهض
وحيداً
أضغاث حلم
لذيذ
ووسادة
ولحاف
وسرير!!!!.
(2)
حملت سيفاً من
حديد
لكنه
يا للأسى
أنكسر
حملت سيفاً
من زجاج
لكنه
تشظى
وأنتثر
حملت
سيفاً من
خشب
تيبست
عروقه
وما انكسر
ما زلت
احمله
كعصا
ولأقتفاء
الأثر!!!.
(3)
في الليل
عارياً
يركض
نحو
المجهول
يلهث
يتلفت
كالمجنون
يبحث
عن ملجأ
يحميه
عن ثوب
يستر عورته
عن بيت
يأويه
عند
الفجر
يتقدم
لكن صوب
الباب
مجروحاً
في الرأس
يبحث عمن
يشفيه!!!!.

المكان ذائقة.. كربلاء لقالق على البرج وشعر غير مكتوب

 علاوي كاظم كشيش
ان يتحول المكان الى خطوط ومساحات فهذا ما نعرفه ولكن ان يتحول الى روائح ومواقف ومشاعر وافكار فهذا ما حدث في باب قبلة الحسين حيث بدأت خطاي الاولى الى ساحة الامام علي المشهورة بساحة البلوش كانت الاشياء والافكار والشخصيات تتحد وتتجسم امام عينين لا تشبعان من النظر الى هذه التغيرات.التاريخ يدفق من صوت الشيخ عبد الزهره الكعبي وهو يقرأ مقتل الحسين في رأس سوق العرب في اول عزف للغة الفصحى على اذنين لم تسمعا مثل هذا الكلام الذي جعل الخيول والابطال والمواقف الانسانية تخلب لب طفل..هناك كانت البطولة ومن هنا انفتحت الرؤى كل من يبرز الى مصرعه يرتجز...في ذات الشارع تمر ايام واذا نحن نلعب كرة القدم او يطارد بعضنا بعضا في الزقاق ونعود من المدرسة نتسابق لرؤية اللقالق على برج الحسينية الطهرانية وقد سمعت شخصا يشرح لوالدي عنها وقال له انها تهاجر في الصيف الى كربلاء وتعود شتاءا الى افريقيا واتسع المكان وانفتح منذ ذلك الحين.. على سطح البيت كنت في الليل اظل ساهرا مستمتعا بانتشار الضوء النابع من المنائر الحسينية الى كبد السماء وحفيف اجنحة اللقالق على برج الحسينية الطهرانية التي كانت اعلى من بيتنا.. كان اول حلم بالطيران وكنت اطير في خيالي مع طقطقة مناقير اللقالق في الليل الذي يشبه طرقا على الخشب جافا وخاويا ولكنه في ليل المدينة دعوة لي بالطيران على جميع من وقفوا ظالمين ضد الحق..على بعد مائتي متر كان المخيم الحسيني يلوح مكتوبا على بابه السلام على الخيام الخالية وكان علي دائما ان ادخل المخيم لأبحث عن الابرياء الذي قتلوا وسبوا وكان ابي يلمحني وهو جالس في مقهى حسين كلك ويعرف وجهتي دون ان يسألني ثم اذهب الى مغتسل المخيم حيث ارى الجنائز هناك تغسل وتكفن ثم تشيع وسط بكاء وعويل المشيعين في مشهد يومي لا يتوقف عن التكرار حتى اصبح اللعب مع الاصدقاء والجنائز طقسا يوميا وكان حسين دوينه اشهر دفان في كربلاء ذا نظرات ثاقبة ومليئة بالغموض تجعل اوصالنا ترتجف وهو يصيح يا الله على بابك وهنا كان للموت طعم ورائحة تفوح من دشداشة حسين دوينه وهو يعود بالتابوت فارغا من مقبرة المدينة وينظر لنا بسخرية وحقد .والى جهة ساحة الامام علي تتقابل مكتبتان مغريتان بما تعرضان من مجلات منوعة وصحف هما مكتبة الفرات لمجيد الفراتي ومكتبة عوينات وقد كان مجيد الفراتي يؤجر لنا المجلات بعشرة فلوس وكنا نندهش عندما نعرف ان الشبكة تصدر في لبنان وان روز اليوسف في مصر وان الوطن العربي في فرنسا وان العربي في الكويت ومع هذه المجلات بدأ التحليق مع اللقالق على اشده وصارت المجلات والكتب في القابل من الايام هي اللقالق الوافدة وكان مجيد الفراتي طيبا جدا لانه يأخذ الفلوس العشرة ايجار مني على قراءة اية مجلة امام مكتبته ولكني اكتشفت بعد الابتدائية انه كان يعيدها الى ابي عندما يمر عليه خصوصا ان مكتبته كانت ملاصقة للزقاق من جهة ساحة البلوش...فجأة يتحول هذا الشارع الى نهر من الرجال والرايات ويكتسي بالسواد ويبدأ الشجن يغزو ارواحنا ونلبس دشاديشنا السوداء ويمتلئ هذا الشارع وزقاقنا بالوافدين من جميع الاشكال خيول وخيام تحرق ومواكب للهنود والايرانيين والبحارنة كنت احب طبيخهم كثيرا لانه يسيطر علينا برائحة توابله النفاذة الطيبة..وكان للجنوبيين حصة اكبر في الحضور وكنا نحفظ القصائد التي تكتب على قطع الكارتون وهي تتجول مع مجموعات العزاء في كل موكب وكنا نحفظها سريعا ..وكان هناك لاول مرة شعر ونظم للكلام عاميا وفصيحا ولكنه منح الخيال قدرة على التحليق بأجنحة اللغة .اذن فليكن الشعر رائدا للحاق باللقالق...اشتريت ديوان الجواهري الجزء الرابع من مكتبة نينوى وقد ادمنت قراء قصيدة يا ام عوف وما زلت احبها وأحب ام عوف لحد الآن وقد مر الشاعر بها وهو منفي في قضاء علي الغربي وما زالت لحد الآن تتحدث عن ليالينا العجيبات وهن ينزلن ناسا على حكم ويعلينا ونحن نطير رهوا بما اسطاعت خوافينا...قادني هذا الشاعر الى ديوان منزل الاقنان للسياب وعندما قرأت قصيدة رحل النهار كدت امرض لتعاطفي مع الشاعر وكنت قد احسست ان معمار هذه القصيدة يختلف تمام الاختلاف عن قصائد الجواهري وفي الاول متوسط عجز مدرس اللغة العربية عن توضيح الاسباب على الرغم من ان الرجل اسهب كثيرا ولكني كنت اتبع ما في ذهني وذائقتي فقط...مقهى الصراف المقابلة لزقاقنا كانت تحتشد منذ الظهيرة حتى المساء بالانيقين والمعلمين الذين يتصفح كل منهم جريدة وكانت الجرائد المتروكة على القنفات طعاما لا يكلفني ثمنا للقراءة وكنت اقرأ طريق الشعب والثورة والجمهورية والراصد وحتى الاهرام احيانا وكان الكاريكاتير يسحرني كثيرا واجمل تحفة قطفتها في هذا المقهى ان صاحب المقهى كان يترك صوت فيروز يغسل الشارع بنداوته وفرادته ومنه بدأت اسمع فيروز وكان التحليق وراء اللقالق قد زاد وصار كلاما ونغما وحضر شادي الذي يلعب على الثلج ومن نفس المقهى علمت ان فيروز ستزور كربلاء بعد احياء حفلتها في بغداد التي غنت فيها قصيدة بغداد تلك القصيدة التي اطاحت بجميع القصائد التي قرأتها وجعلتني اندم على قراءة ديوان اوس بن حجر في المكتبة العامة كنت اتصور ان فيروز لا تختلف عن الحمام الذي يتطاير هنا وهناك حول مرقد الحسين وفيه وخطر ببالي ان أسالها اذا صادفتها من اين تعلمت التحليق ولماذا تطير وتحط في المدن والذاكرة وتطفر دون ان ندري على السنتنا..وفي اليوم المرتقب وقفت خمس سيارات امام مرقد الحسين ونزلت فيروز ترتدي فوطة بيضاء ووجهها هو نفسه الذي رأيته في التلفزيون ولكنها كانت امامي حمامة وقد طاردتها بعدما خرجت وذهبت الى مقام العقيلة زينب وصعدت درجات سوق الترب والاسفاط واشترت سفطا ملونا مصنوعا من الحلفاء والخوص الملون وحيتنا نحن الفتيان بابتسامة وطارت مع الحمام بسفطها الملون...ثم هكذا فجأة اختفى الحمام من مرقد الحسين ولم تعد اللقالق واغلقت الحسينية الطهرانية وطرد وسفّر اصدقائي في المدرسة خارج البلد هم وعوائلهم..(ثم طردنا بعدهم خارج المدينة بعد اشتراكنا في قتال غير متكافئ في انتفاضة آذار) ومنذ ذلك اليوم بدأت تضيق الشوارع ولكن نداء الحسين واصحابه يجعلها قابلة لأن تنبض بالحياة وصوت فيروز يجعلنا نقبض على الشجن ونذهب الى صفائنا واحلامنا وصارت اللقالق البيضاء تأتي مع كل كتاب وجريدة وصديق وصارت لدينا القدرة على استيعاب غياب احبائنا وصارت المدينة متحفا لاحلام وآلام الناس وظل هذا الشارع والمخيم الحسيني وتل الزينبية طيلة فترة الحروب اماكن تضئ في الذاكرة وتشير الى الكلمات والروائح والمواقف في طزاجتها الاولى ثم اتسعت مساحة الشارع لتصبح وطنا قد اسود من خضرته وعطش كثيرا بفراتيه ولكن هذه المدينة جعلتنا ندرك ان جميس جويس اطلق يوليسيس في شوراعها لان دبلن ضاقت به ولهذا تجد كل كربلائي فيه شئ من ستيفن ديدالوس وليبولد بلوم حيث يحتشد الوعي بالتاريخ بالصبر بالذائقة وبحب الانفتاح والتطور واكتشاف الذات، ويذكرني هذا باني قرأت كفاحي لهتلر في مكتبة الخوئي المقامة في مرقد الامام الحسين من جهة باب الشهداء وكذلك كتاب انجلز اصل العائلة ونهج البلاغة والجريمة والعقاب...المدينة العظيمة كربلاء تجدها تماما في موسيقى بتهوفن حيث التقاطعات التي تنشأ اتساقا فاعلا..وجدتها مدينة متنوعة متعددة كل حجر فيها وزقاق له انزياح ودلالة باهران وربما كانت الابنية قبل الحروب اكثر ايحاءا وتأثيرا من البنايات العلب التي شاعت مع التخطيط الثمانيني كما قال لي صديق مهندس لقد كانت شوارع كربلاء وازقتها واسواقها وانهارها قادرة على ان تضخ ذاكرتك بشعر غير مكتوب..وكانت قادرة على جذب اللقالق والحمام الذي قل واختفى منذ مطلع الثمانينات والحروب وقد كان لكثرته في السابق ان رجلا ضريرا يجلس في مرقد الحسين يبيع الشعير فيشتريه الزائرون ويطشونه للحمام ونحن نتراكض اطفالا وسط غيمة من هذا الحمام...فمن يعلم الآن بأن البنايات تطرد اللقالق والحمام وكربلاء تحولت من هندسة الخيال الى هندسة العلب..واللقالق لم تعد تبني عشها على برج الحسينية الطهرانية لان البرج انهار وهدمت الحسينية ذات الطراز المعماري الراقي.ولكنها مع لقالقها ما زالت تطل في الذاكرة على سطح البيت. هذا كله جعل كتاباتنا ونصوصنا وامزجتنا وقراءاتنا متعددة ورحنا نناور في الاشكال والاصوات لان المدينة تقدم لك في الصباح مزاجا طريا وآخر واضحا وحادا في الظهيرة وفي المساء يعمها السكون وتغشاها الصلاة وتنام اللقالق والحمام ويتجول في ليلها الشهداء.

 

 

القرأن الكريم


الوقت والتأريخ


القـامــوس

 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة البينة الجديدة© 2007          تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com