|
لا
يوجد أي مجتمع على مر التأريخ بغض النظر عن ثقافته
وحضارته خال من داء الفساد، فليست المشكلة في وجود
المرض بل العبرة في التفكير بكيفية الحد من
انتشاره من اجل ان لا يصبح وباءً على المجتمع
مهددا بذلك مسيرته ومستقبله. فتلك النزعة الشريرة
في الانسان لايكفي لتحجيمها الا بتفعيل الاطر
القانونية المتضمنة إجراءات رقابية ومحاسبية و
ضرورة تفعيل المنظومة الاخلاقية عبر نظام محاسبة
الضمير، ومن هنا يتوجب ان يشترك جميع الخيرين من
ابناء هذا الشعب من مؤسسات سياسية ودينية
واجتماعية في حملة وطنية باعتبارها مسؤولية
تضامنية لمواجهة هذا الوباء المعدي انطلاقا من
نداء الرسول الاكرم (ص) " كلكم راع وكلكم مسؤول عن
رعيته".وفي عراقنا الجديد، وقد ورثنا ركام عقود من
الديكتاتورية والاستبداد كان الفساد بكل اصنافه
مستشريا وبشكل مقنّع تارة وفاضح تارة اخرى ومقنن
في فترات من قبل ازلام النظام ولا ادل على ذلك ما
رافق برنامج "النفط مقابل الغذاء" وما افرزته
الحروب والحظر الاقتصادي من كوراث كانت السبب في
استشراء الفساد، وما بعد التغيير وفي غياب القانون
واستغلال ضعف الدولة، لايزال المنتفعون يمارسون
ادوراهم ليزيدوا من حجم المأساة ليضع الجميع اليوم
امام مسؤولية وطنية لمجابهته. وتجارب الامم اثبتت
ان تعميق روح المشاركة السياسية والممارسات
الديمقراطية وتعزيز حكم القانون كفيلة بتحجيم
الظاهرة. لذلك فان الدفع باستكمال العملية
السياسية والعمل على بناء المؤسسات الدستورية
واستكمال مناقشة التشريعات سيلقي بظلاله على تحجيم
عمليات الفساد وبخلافه ستتسع دائرة الفساد وتتشابك
حلقاته. ان تحسن الظروف الامنية تضع كافة الكتل
السياسية امام مسؤولياتها لاستكمال المشوار
السياسي والبدء بعملية التنمية الاقتصادية. وخلافه
سنكون مساهمين في تعطيل بناء الدولة وذلك هو
الفساد الاكبر. نعم دعونا نفكر بالاليات المطلوبة
لحماية المال العام.. والملتقى الاول لمكافحة
الفساد يمثل لبنة تضاف الى كافة الجهود التي تبذل
من اجل تفعيل هذه الحماية وترشيد اجراءاتها
وانظمتها الرقابية. السؤال المركزي كيف نريد لهذه
الحماية ان تعمل؟ نريدها ان تعمل بالخط الطولي مع
سياسة العمران لا ان تنطلق الحماية بخطوطها
العرضية بالشكل الذي تتقاطع لتعويق عمليات
الاعمار. لانريد ان نعرض البلاد لمزيد من التآكل،
فهذه الاجراءات الرقابية تنطلق لحماية مسيرة
الاعمار لا ان تصبح معوقا للاعمار. فمن غير
المعقول -والعراق يمتلك اليوم رصيدا ماليا ضخما
يمكنه من الانطلاق في حملته الاعمارية- ان يتريث
حتى استتباب الامن كليا ونقضي على الفساد، فذلك
يعتبر اجراما بحق العراقيين واجحافا بحقوقهم
وتعطيلا للدولة ، نعم علينا ان نبدأ مسيرة الاعمار
وفي الوقت ذاته نفعّل كافة الاجراءات والانظمة
المطلوبة لحماية المال العام. ومن هنا يمكننا
ممارسة عملية البناء بشكلها السليم. ان استثمار
الظروف الامنية الحالية هو المفتاح الاساسي للنهوض
بالتنمية السياسية والاقتصادية. وعلينا ونحن نركز
على اليات مواجهة الفساد، ينبغي التأكيد على:
ان تكون اليات الرقابة بنحو تتولى للحيلولة دون
حصول مخالفات قانونية في ادارة الدولة من جهة
وتضمن من جهة اخرى رفع مستوى الاداء الاداري، هذا
النوع من الرقابة سيقدم التطمينات الى الشعب
والمسؤولين. وعلينا كذلك ان نعيش هاجس صيانة سمعة
العاملين وان نؤكد على احترام كرامة الناس والا
فان المسؤول سوف لن يكون في وسعه اداء مسؤولياته
بشكل صحيح ولاشك ان المرء يقع في الخطأ اثناء عمله
ولانقاش في ضرورة الوقوف امام المخالفات لكن
السبيل لمعالجتها هو تحديد الثغرات والعيوب،
واتصور ان جزءا من تدني الصرف في الميزانيات
الاستثمارية في السنتين الاخيرتين قد يكون مردها
الى تردد بعض المسؤولين في ممارسة صلاحياتهم. نحن
لانريد لدوائر النزاهة ومكاتب المفتش العام ان
تكون سيفا مسلطا على رقبة العاملين المخلصين بل
نريدها اداة نافعة لحماية الخيرين وحماية المال
العام.وعلينا ونحن نفكر بوسائل قانونية واجرائية
لتحجيم ظاهرة الفساد ومعاقبة المسيئين، علينا
التفكير باليات الثواب لمجازاة الجيدين. يجب ان
نمتلك نماذج من المحفزات الى جانب العقوبات، فكم
يا ترى قدمت دوائر الدولة محفزات للمسؤولين في
العامين الماضيين؟! علينا اختيار العاملين
النموذجيين والمدراء الاكفاء لتكريمهم وترقيتهم
وزيادة صلاحياتهم. كل ما نسمعه هو بالسلب وكأن
كافة المسؤولين يمارسون الرشوة والسرقة ونهب المال
العام.
نمتلك الفرصة اليوم لنشعر الشعب ان هناك نماذج
جيدة من العاملين وما اكثرهم. لا يؤخذ الكفوء
بجريرة المسيء. لا يختلف احد على وجود فساد في
دوائر الدولة، غير انه من الخطأ الفادح ان يتناول
الاعلام المسألة وكأن الفساد اصبحت صفة ملازمة
لابناء الشعب، انها ظاهرة عابرة ولابد من العمل
على ازالة اثارها السيئة. وعلى الكتل السياسية ان
لا تستخدم الفساد كوسيلة للتشهير وتكيل التهم
جزافا بل يجب التثبت و كذلك وسائل الاعلام عليها
ان لاتعتمد على اخبار الاحاد لتملأ صفحاتها والا
ستفقد مصداقيتها بعد حين.
بكل تأكيد يمكننا ان ننطلق في اتجاهين متوازيين في
هذا العام ونتحدى المتربصين بالعراق وننطلق
بالاعمار في خط طولي مع خطط مكافحة الفساد
ومعتمدين على الكوادر الخيرة والمخلصة من ابناء
هذا الشعب.
د. ابراهيم محمد بحر العلوم |