القائمة الرئيسية

الاولــــــــى

الافتتـاحيـة

الثــــــانيـــة
السياسيـة
محليـــــات
تحقيقـــات
الثقـافيـــة
حـــــــوارات
طب و علوم
مــقـــالات
الـــريـــاضــية
الاخــيـــرة

القائمة الثانوية
الاتصال بنا
الارشـــيف
كاريكــاتيــر

 

    
البينة الجديدة جريدة يومية سياسية عامة                                                                                                                                               رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين العراقيين (134)                                                                                                                      رقم الايداع في دار الكتب والوثائق (970) لسنة 2007

السنة الثالثة العدد (501) الثلاثاء 8 / 1 / 2008 م ـ 29/ذو الحجة/ 1428 هـ

المراجعات الفكرية للجماعات الأصولية .. ما حقيقتها ؟

  عبد الحميد الأنصاري
تشهد الساحة المصرية على امتداد السنوات العشر الأخيرة، سلسلة من عمليات المراجعات الفكرية والفقهية تقوم بها الجماعات الأصولية المتشددة، والتي كانت وراء أحداث العنف على امتداد العقود الأخيرة من القرن الماضي في مصر. هذه المراجعات تعد بمثابة اعترافات علنية صريحة من قبل هذه الجماعات بأنها ضلت الطريق، ولذلك فهي تريد تصحيح أخطائها الفكرية وتعلن توبتها على الملأ عبر عمليات المراجعة النقدية لطروحاتها الفقهية وسلوكياتها السياسية الخاطئة، حول شرعية العنف والقتل والتكفير والحكم بجاهلية المجتمعات الإسلامية، ولعل أولى تلك المراجعات الأصولية ما بدأته "الجماعة الإسلامية" التي كانت وراء سلسلة من عمليات العنف، أبرزها مقتل الرئيس السادات ـ رحمه الله ـ في 1981/10/6 فقد قام القادة التاريخيون للجماعة بإعلان مبادرتهم حول وقف العنف في 1997/6/5 ومن طرف واحد، وهم في أعماق السجون والمعتقلات، إلا أن هذه المبادرة الايجابية لم تحمل على محمل الجد ولم تحظ باهتمام واسع، لا من قبل الإعلام المصري ولا السلطات، بل كانت هناك شكوك واسعة حولها، ومع ذلك حظيت الجماعة ببعض التسهيلات داخل السجون وخارجها، وأفرجت السلطات عن آلاف المعتقلين من الجماعة والمتعاطفين معهم الذين كانوا معتقلين بقانون الطوارئ دون صدور أحكام قضائية ضدهم. وكان لابد من مرور عدة سنوات حتى تتأكد جدّية التوبة وصدور قرار جماعي باعتماد المبادرة من قبل "مجلس شورى الجماعة" في 1999/3/24، وقيام الجماعة بإصدار "7" كتب منها "4" باسم "تصحيح المفاهيم والمراجعات" عام 2002، و"3" كتب بعد خروج أمير الجماعة "زهدي" وإطلاق سراحه في 2003/9/29، وتبع ذلك إطلاق سراح ألف من أعضاء الجماعة المقدر عددها بـ "50" ألفاً، منهم "14" ألفاً في السجون. ثم كرّت السبحة الأمنية لتخرج حباتها المعتقلة تباعاً حتى تم الإفراج عن آخر الأسماء المهمة عام 2007 مع حلول الذكرى العاشرة لمبادرة وقف العنف التي أطلقتها الجماعة قبل عشر سنوات، وبذلك أقفل الملف الأمني للجماعة لتتحول إلى جماعة سياسية ـ اجتماعية ودينية سلمية، تنبذ العنف وتقبل بالتعددية والحوار أسلوباً للمعارضة، وتمارس العمل الدعوي والاجتماعي في إطار القانون والنظام العام. وقد تكون هذه النتيجة الايجابية هي التي أغرت الجماعة الأصولية الأخرى "جماعة الجهاد" لإعلان مبادرتها التي سميت "ترشيد الجهاد" على يد فقيه الجماعة "سيد إمام عبدالعزيز الشريف" المعروف بالدكتور "فضل" صاحب الكتابين المرجعيين للجماعة، وهما "العُمدة في إعداد والعدّة للجهاد" و"الجامع في طلب العلم الصحيح"، والغريب أنه طبيب جراح، لكنه حفظ القرآن في الصغر واهتم بدراسة الفقه والتفسير، وأصبح المنظر الشرعي لجماعة الجهاد وأميرها. لكن مراجعات د. فضل والتي جاءت في "111" صفحة وتعتبر أهم مراجعات الجهاد على الإطلاق بعد "10" سنوات على مراجعات الجماعة الإسلامية وجاء الإعلان عنها في ذكرى "مذبحة الأقصر عام 1997" بعنوان "ترشيد العمل الجهادي في مصر والعالم وفق الضوابط الشرعية"، أثارت موجة واسعة من الانتقادات والتلاسن الحاد بين قيادات الجماعة في الداخل والخارج. وبخاصة من قبل د. هاني السباعي المقيم في بريطانيا الذي شكك وهاجم المبادرة، ومن قبل "مجلس شورى جماعة الجهاد في الخارج" الذي حذر من سماهم شباب الأمة من الإصغاء لمراجعات خريجي السجن. واتهم د. فضل بأنه "معول هدم وتثبيط للمجاهدين" وأوضح بيانهم المنشور في موقعهم الأصولي وقد كتبته مجموعة الجهاد القديمة الموجودة مع الظواهري ـ الرجل الثاني في تنظيم القاعدة: "نريد أن نبين للجميع أن ما ذكره الشيخ فضل من اتهامات لقيادات المجاهدين وتشكيك في نياتهم، فإن الحقيقة تقتضي مسؤوليته الأولى عن كل ما حدث من أخطاء، كيف لا وقد كان الأمير الأول في الجماعة؟". وعلى العموم وبغض النظر عن هذا الخلاف بين الداخل والخارج، فإن الذين في الداخل وعددهم ألفان وقعوا على المبادرة ليتم الإفراج عن غالبيتهم وليغلق الملف الأمني للجهاد تبعاً للجماعة الإسلامية. الآن دعونا نتعرف على أبرز الملامح الفكرية والسياسية للمراجعات لكل من الجماعة الإسلامية والجهاد.. كما أسلفنا فقد أصدرت الجماعة الإسلامية "7" كتب لتشرح موقفها الجديد، بعد تحولها الفكري من جماعة تعتنق العنف والتطرف إلى جماعة دعوية تؤثر السلام والنصح والدعوة بالتي هي أحسن. وقد ترجمت الجماعة بعض تحولاتها إلى الانجليزية ونشروا كتبهم على نطاق واسع وبدأوا بتدريس أبحاثهم الشرعية في سجون المحافظات المختلفة محددين الأسس الشرعية لتحولهم للعمل السلمي. ومن أهم هذه التحولات أو التراجعات أنهم رأوا أن السادات قتل شهيداً كما قال زعيمهم "كرم ذهدي" ويرى الشيخ "ناجح إبراهيم" ـ مفكر الجماعة ـ في كتابه "الإسلام وتحديات القرن 21" أن الصلح جائز مع إسرائيل، مستشهداً بهدنة الرسول صلى الله عليه وسلم مع اليهود، وأن الجهاد وسيلة وليس غاية.
ولذلك ينتقد العرب لرفضهم قبول تقسيم 1948 ويقول "لو قبل عرفات مقعد التفاوض الذي عرضه عليه السادات مع إسرائيل لكانت له دولة منذ عام 1977. وأن سوريا فوتت على نفسها الفرصة برفضها التفاوض في السبعينات مع إسرائيل وتتمنى اليوم ما رفضته بالأمس"، وتنتقد الجماعة "طالبان" لأنها فرضت العزلة على نفسها وحين تربعت على الحكم لم تحمل مصالحة وطنية، وكذلك الحركات الإسلامية لإغفالها خيار الصلح كخيار إستراتيجي. وبالنسبة لطروحات سيد قطب يرى القادة التاريخيون للجماعة أن "قطب" أديب وليس بفقيه، وأنه من الخطأ التعامل مع مصطلحات الحاكمية والجاهلية باعتبارها من أصول الفقه، ولذلك يرفضون الحكم على المجتمعات الإسلامية بأنها ديار كفر لمجرد عدم تطبيق الشريعة، ويعذرون الحاكم في عدم تطبيق الشريعة بسبب التحديات العالمية، ولا يرون بأساً في الاحتكام للقوانين المدنية فيما يتعلق بالربويات والجنايات للضرورة. وأما الديمقراطية الغربية فإن فيها ما هو صالح ومتفق مع مبادئ الإسلام بما فيها فكرة الأحزاب. وفيما يتعلق بأعمال القاعدة في العراق، هم يرفضون ممارسات القاعدة وتوجهاتها ويرون أن هدف القاعدة إبادة الشيعة والأكراد وليس تحرير العراق، وان جماعة الزرقاوي لا تعرف معنى الجهاد، كما أدانوا تفجيرات الجزائر وقالوا: متى يتعلمون حرمتها شرعاً؟ كما أدانوا تفجيرات الرياض وردوا على الظواهري وفندوا مستنداته الفقهية. كما انتقدوا أنفسهم وقالوا ان العمليات التي حدثت في الماضي أضرت بالإسلام والمسلمين ولم تحقق الجماعة من ورائها أية مكاسب. وأن التفجيرات الحاصلة في المجتمعات الإسلامية تستهدف ضحايا مسلمين ولا تصيب عدواً، وفي تعليقهم على تفجيرات "شرم الشيخ" قالت الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد: القتل والتفجير ليسا جهاداً، وما يحدث في العراق وفلسطين ليس مبرراً وهي أمور لا تخدم إلا الأعداء، وبالنسبة للسياح قالت الجماعة الإسلامية: السياح ليسوا محاربين وتأشيرة الدخول تقوم مقام الأمان. كما حرّموا الخروج المسلّح على الحكام لأنه أضعف الدين وهو من أعظم الأسباب لتدخل الدول الكبرى في شؤون المسلمين. وهاجموا "بن لادن" لأن فتواه تسببت في قتل الأبرياء، وقالوا: المناداة بفتح باب الجهاد ضد إسرائيل مستحيلة وغير واقعية، ولا يطلق لقب شهداء على المفجرين غير الملتزمين بشروط الشهادة، والدعوة للجهاد مقصورة على الأمة لا الأفراد ولا لأية جماعة مهما كبرت، مع التحقق أن الدماء لا تراق هدراً وأن العمل الجهادي لا يمس حاجات الناس وأرزاقهم ومرافق البلاد الحيوية. وبالنسبة لـ "11 - 9" انتقدوا نظرية المؤامرة المسيطرة على أذهان كثير من المسلمين بأن هجمات "11" سبتمبر لم تقم بها القاعدة وإنما الموساد الإسرائيلي. وبالنسبة للمقاطعة قالوا: الدول العربية ستكون هي الخاسر الأكبر إذا قطعت علاقاتها مع أميركا أو مع الدول التي تنتهك حقوق المسلمين، واستنكروا استخدام المساجد كمخازن للسلاح أو المنشورات وطالبوا بتنزيه المساجد عن مثل هذه الأعمال حتى يحفظوا لها قدسيتها. وقالوا عن عمليات خطف الرهائن وتهديدهم بالذبح أمام القنوات الفضائية بأنه يعطي أسوأ صورة عن الإسلام، وقالوا إن الحكم على الناس ليس من شأن الجماعات الإسلامية بل من شأن القضاة. كما انتقدوا الجماعات الجهادية في السعودية، وقالوا عن صدام إن إستراتيجيته تمثل قمة الغباء السياسي، وبالنسبة لدارفور قالوا: على الدول العربية أن تعتبر بما حدث في دارفور حتى لا تقع تحت أقدام المحتل الأجنبي. وانتقدوا جماعة الإخوان المسلمين وقالوا إنها هي التي وضعت فكر التكفير في الستينات، ونطالبها الآن بالسير على نهجنا السلمي، كما دافعت الجماعة الإسلامية عن مبادرة جماعة الجهاد، وطالبت أصوليي الخارج بوقف التشكيل فيها واعتبرتها إحدى ثمار مبادرتها لوقف العنف.

 العولمة والغزو الثقافي

 أماني محمد
صدقْ أو لا تُصدقْ: الأميركيون خائفون من الغزو الثقافي! كان هذا الخوف من ضمن نتائج استفتاء قامت به مؤسسة "بيو" الأميركية لاستطلاعات الرأي، وكان هدف الاستفتاء محاولة لفهم العلاقات بين العولمة والثقافات المحلية في أكثر من 46 دولة حول العالم.
ولكن كانت النتيجة الأهم والأغرب، هي أن الأميركيين يعتقدون أنهم بدؤوا يشعرون بالخوف، تحديداً منذ خمس سنوات وزيادة، لتواجد الأجانب بينهم. وأنه على الرغم من ترحيبهم بالعولمة، لكنهم رفضوها عندما وجدوا أنها قد تتسبب في التأثير على هويتهم وحريتهم المكتسبة طوال عقود من الزمن. وقد أوضح الاستفتاء أن هناك اتفاقاً بين الشعوب، على أن العولمة والانفتاح التجاري وانتشار الرأسمالية، تفقدها ثقافاتها، وطالبت هذه الشعوب بضرورة حماية الثقافة الشعبية وخصوصيات كل مجتمع، واعتبار أن الثقافة الغربية وما تحتويه من مضامين إعلامية وأفلام سينمائية، ومسلسلات تعد اختراقاً لثقافة وقيم مجتمعات العالم الثالث التي رفضت بالإجماع، من خلال هذا الاستفتاء، الغزو الفكري والثقافي بأي شكل كان.
وحتى الأميركي يخاف على قيمه ويخشى أن يفقد مجتمعه التدين المشهور به، ويخشى أن يفقد الدين قيمته لدى الأجيال الجديدة! بل يذهبون إلى أبعد من هذا، ويطالبون بتقنين التجنيس، وتحديد أعداد الأجانب المتوافدين على بلدهم.
وضمن هذا الإطار، ركز مواطنو أغلب الدول التي أجري بها الاستفتاء- بما فيها دولة "البيرو" التي تعد من أفقر دول أميركا الجنوبية- على أهمية التشديد على التعامل مع المهاجرين.
إذاً، هناك مخاوف تنتشر عبر القارات من غزو فكري أو هجرات بشرية، قد تؤثر سلباً على ثقافات المجتمع وقيمه، وعندما نطالب نحن بتقنين استقدام العمالة، وتقويم مضمون القنوات الفضائية، وتحديد الفئات المستحِقة للتجنيس، نُتهم بأننا مجتمع متعسف ورجعي وضد حقوق الإنسان! هل لأن علينا أن نكون الدولة "المشاع"، التي لا بد وأن تتصف بالعولمة حتى أخمص قناعاتها، ونفتح أبواب كل شيء على مصراعيه، وننكفئ على ذواتنا، ونفرح بهذا السيل العرم من الجرائم وضياع الحقوق، وانتهاء فرص العمل للمواطن، والاستغناء عن ثرواتنا البشرية في مقابل استيراد من لا يحمل الكفاءة المطلوبة، وأن نسبغ عليهم النعم والعطايا؟!
كيف نُتهم بالعنصرية لأننا نطالب بحماية لغتنا وأصولنا الاجتماعية وقيمنا الدينية، في الوقت الذي يعلو فيه صوت الولايات المتحدة في تمسكها بالتدين والمناداة بالعودة إلى أخلاق الكنيسة ورفض تواجد الأجنبي حتى لا تفقد الدولة هويتها؟!
الأمر يصب في خانة قناعات وإيمان مطلق بهذا المكان، وأننا لسنا وحدنا من أغلقنا أبواب الروح خشية أن تضيع هي الأخرى في مهب عاصف لا يُبقي ولا يذر.
من أبسط حقوق الفرنسي أن يخاف على لغته، ومن أبسط حقوق البريطاني أن يخشى فقدان أسلوب حياته، ومن حق الإماراتي والخليجي أن يحمي أسواره بقلق الضياع لحظة نسيان قد تجر معها ويلات لا تحصى.

الصين... أول هموم الرئيس الأميركي الجديد

 بول كروجمان
وصل سعر البترول لفترة قصيرة إلى 100 دولار للبرميل. وكان من الطبيعي أن يحتل هذا الارتفاع الجديد والقياسي في الأسعار العناوين الرئيسة. ولكن السؤال هنا هو: ما الذي يعنيه هذا الارتفاع بخلاف تلك النقطة الواضحة المتمثلة في أن الاقتصاد العالمي قد أصبح واقعاً تحت ضغط زائد؟ حسنا في جوانب من جوانبه، يعني هذا الارتفاع في السعر أننا منخرطون في مناقشة خاطئة حول السياسية الخارجية.
ويمكن القول إن جميع الأحاديث المتعلقة بالسياسة الخارجية التي نسمعها في سياق الحملة الانتخابية، كانت مدفوعة بشكل أو بآخر بالحادي عشر من سبتمبر أو بالحرب على العراق، في حين أن التحدي الحقيقي الذي سيواجه الرئيس القادم في الولايات المتحدة سيكون في الشرق الأقصى وليس في الشرق الأوسط كما يعتقد. وبشكل خاص، يتوقع أن تتعلق الأسئلة الحيوية التي سيواجهها الرئيس القادم بتداعيات النمو الاقتصادي الصيني. فإذا ما تناولنا كل هم من الهموم التي تشغل بال أميركا في الوقت الراهن على حدة، فسيتبين لنا مدى خطورة الدور الذي تلعبه الصين في خلق هذه الهموم. فإذا ما بدأنا بالارتفاع الكبير في أسعار البترول، سنجد أن هذا الارتفاع، وبخلاف ذلك الذي كان قد حدث في أعقاب حرب أكتوبر 1973، وفي أعقاب الإطاحة بشاه إيران، لم يكن ناتجاً عن أحداث وقعت في الشرق الأوسط، وأدت إلى التأثير بالسلب على تدفق النفط إلى الأسواق العالمية، وإنما كان راجعاً إلى تطورات تمتد جذورها في قارة آسيا. صحيح أن العرض العالمي من النفط كان يتزايد بشكل بطيء، وهو ما يرجع لحقيقة أن هذه السلع الحيوية قد أصبحت تنفد من العالم شيئاً فشيئاً وخصوصاً بعد أن أصبحت الاكتشافات البترولية الجديدة نادرة وغدت عملية استخراج البترول حتى إذا ما عثر عليه صعبة لأسباب مختلفة. فالسبب الرئيسي في أن العرض من البترول لم يكن قادراً على مجاراة الزيادة في الطلب، وهو ما يتمثل في زيادة استهلاك هذه المادة في الاقتصادات الصناعية الحديثة وخصوصا في الصين. فالطلب الصيني الآن يعادل 9 في المئة من إجمالي الطلب العالمي على هذه المادة. ونتيجة لحقيقة أن الطلب الصيني من المادة كان يتزايد طردياً من نمو اقتصادها فإن الصين في السنوات الأخيرة كانت هي المسؤولة عن ثلث كميات الزيادة في الاستهلاك العالمي للنفط. بناء على ذلك يمكننا القول إنه يمكن العثور على السبب الذي أدى الى وصول سعر البترول 100 دولار للبرميل فيما يعرف الآن بالظاهرة الصينية.
على الرغم من أن الصينيين ينافسوننا في العديد من المجالات المهمة، فإنهم ليسوا أعداء لنا ويمكننا بالتالي التعامل معهم. وإذا ما تحدثنا عن السلع المصنعة في الصين، فإن ذلك سينقلنا إلى نقطة أخرى في موضوعنا هذا. ففي الولايات المتحدة هناك قلق في الوقت الراهن بشأن تأثيرات العولمة على الأسعار، خصوصاً بعد تزايد الواردات من الدول ذات العمالة المنخفضة الأجور بمقدار الضعف منذ عام 1993.
النقطة الأخيرة والأكثر أهمية في الوقت ذاته هي تلك المتعلقة بالتغير المناخي الذي يعتبر من أخطر المشكلات التي تواجه الولايات المتحدة بل والعالم بأسره. ولكن ما علاقة الصين بالتغير المناخي في الأساس؟ هناك علاقة أكيدة حيث تشير بعض التقديرات إلى أن الصين هي أكبر الدول الملوثة التي تصدر عنها انبعاثات غازية في العالم. ومثلما هو الحال مع الطلب العالمي على النفط، فإن الصين تلعب دوراً كبيراً في ارتفاع نسبة هذه الانبعاثات. فخلال الفترة من عام 2000 إلى 2005 كانت الصين كما تشير التقديرات هي المسؤولة عن نصف الزيادة في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. ما يعنيه ذلك هو أن أي محاولة لتخفيف الاحتباس الحراري ستكون غير كافية إلى حد مؤسف ما لم تشمل الصين. فإذا ما عدنا إلى الوراء، وتحديداً إلى عام 2001، فإننا سنجد أن الرئيس بوش عندما تراجع عن الوعد الذي كان قد قطعه على نفسه أثناء حملته الانتخابية بالعمل من أجل الحد من الانبعاثات الغازية المسببة للاحتباس الحراري، كان عذره في ذلك أن اتفاقية "كيوتو" لا تتضمن الصين والهند. وعلى الرغم من أن الرئيس بوش قد قال ذلك كي يبرر عدم انضمامه لتلك الاتفاقية، وكي يبرر عدم إقدامه على اتخاذ إي أجراء من أجل تخفيف نسبة الانبعاثات الغازية في الولايات المتحدة، فإن ذلك لا ينفي أن المشكلة الحقيقية التي تواجه العالم في الوقت الراهن، هي كيفية جعل الصين جزءاً من الحل أيضاً، وليس فقط جزءا من المشكلة.
ما الذي يقوله لنا كل ذلك فيما يتعلق بالسباق الرئاسي؟ على الجانب "الجمهوري"، نجد أن النقاش عن السياسة الخارجية يتسم بالتهديد والوعيد والتفاخر الزائف. فإذا ما قدر لنا أن نستمع إلى خطب وكلمات المرشحين "الجمهوريين" لخوض السباق الانتخابي الرئاسي، فسيبدو لنا وكأننا لا نزال في شهر فبراير من عام 2003، عندما كان النقاش الوطني يهيمن عليه أشخاص يعتقدون أن القوات المسلحة الأميركية قادرة بمفردها على بث الشعور بالصدمة والرعب في قلوب بقية دول العالم ودفعها للعمل من أجل تحقيق مصالحنا. نقطة يجب التذكير بها هنا، وهي أن تعداد الصين يعادل تعداد العراق خمسين مرة.
أما "الديمقراطيون" فإن خطابهم يبدو أكثر معقولية بكثير من الخطاب "الجمهوري"، وإن كان يجب الإشارة أيضاً إلى أنه وسط قطاع من أنصار أوباما، هناك اقتناع بأنه عند انتخاب مرشحهم كرئيس فإن مشكلات العالم ستذوب وتختفي أمام شخصيته الكاريزمية متعددة الثقافات.
نقطة يجب التذكير بها هنا: هذه الكاريزما لن تنجح مع الصينيين.
لماذا؟ لأن الصين ضخمة بدرجة لا تسمح لأحد بممارسة البلطجة عليها، كما أن الصينيين يتصفون بالهدوء وبرود الطبع بدرجة لا تسمح لأحد أن يسحرهم بكاريزميته.
ولكن هناك نقطة مهمة، وهي أنه على الرغم من أن الصينيين ينافسوننا في العديد من المجالات المهمة، فإنهم ليسوا أعداء لنا ويمكننا بالتالي التعامل معهم, إن الكثيرين من الأميركيين عندما يفكرون في مواصفات الرئيس المقبل في مجالات السياسة الخارجية، فإنهم يبدون أنهم يبحثون عن بطل يتفوق بقامته على الإرهابيين، ويكون قادراً على تحويل وجه العالم بتفاؤله. ولكن الرئيس الذي يجب أن يتطلعوا إليه يجب أن يكون رئيساً أكثر "عادية" إذ يكفي أن يكون مفاوضاً جيداً قادراً على المساومة بفعالية مع مستهلكين صعبي المراس، وقادراً أيضاً على إبرام الصفقات التي نحتاج إليها في مجال الطاقة وسياسة العملة، والحد من الانبعاثات الغازية.

يحدث في العراق

 معن البياري
خبر شديد الإيجاز، لكنه مفخخ بتضليل كبير: قضت المحكمة الجنائية المركزيّة في العراق بسجن مدير عام دائرة الوقاية والشفافية السابق في هيئة النزاهة 15 عاماً لتزويره شهادة جامعية له، وكانت الهيئة أحالته إلى المحكمة "ضمن استراتيجيتها المعلنة في كشف المفسدين والمزوّرين في مؤسسات الدولة العراقية". أول القول إن الحكم باهظ، وثانيه أن من الطريف أن يكون موظف رفيع في هيئة معنيّة بالنزاهة مزوّرا، وإن ليس منسيّاً أن الرئيس السابق للهيئة العراقية المذكورة اتهم بالفساد ويقيم في واشنطن حالياً. ويكاد المرء يتعاطف مع ذلك الموظف الذي عوقب بسنوات سجن كثيرة على مجرد تزوير شهادة جامعية، ذلك أن أرطال الفساد والارتشاء والاختلاس في العراق تستعصي على الحصر، ومن يقترفونها يعصون على العدّ، وبينهم وزراء ومسؤولون ينعمون بالحماية ووسائل الخروج من العراق، ووقائع وفيرة تجعل نكتة "الاستراتيجية المعلنة" لهيئة النزاهة صعبة البلع.
لم يخترع برهم صالح البارود الخميس الماضي، وهو يقول في مؤتمر في بغداد إن الفساد الإداري الذي تواجهه الحكومة العراقية التي هو نائب رئيسها هو التحدّي الأكبر والخطير الذي يهدد الجميع. وكانت سمجة إشارتُه إلى أن هذا الفساد يُنذر بضياع ما تحقق في بلاده منذ ،2003 فالعراق الذي استجدّ بعد العام المذكور يحظى بالمرتبة الثانية بين الدول الأكثر فسادا في العالم (بعد هاييتي)، بحسب أحدث تقارير "منظمة الشفافية والنزاهة العالمية". أما التقارير الأمريكية فوصف أحدُها مشكلة الفساد بأنها "متوطّنة ومنهجية" في العراق، وذكر أحدثها في يوليو/ تموز الماضي أن سوء الإدارة والفساد مستشر بشكل وبائي، ويمثل "خطراً لا يقلّ عن التمرد المسلّح"، وأعلمنا آخر أن وزارة النفط أكثر الوزارات فساداً. والعجيب في أمر برهم أنه يحمّل "المجتمع الدولي" مسؤولية استشراء الفساد المالي في بلاده، والأعجب أنه راح يصوّب على الأمم المتحدة بسبب "فضائح النفط مقابل الغذاء" في زمن النظام السابق، ويُطالب بكشف واضح لكيفية إدارة أموال العراق في الفترة الماضية.
يحتاج أي قارئ عجول لمواجيز تقارير أمريكية وعراقية ودولية عن الذي يجري في العراق بهمّة ونشاط من فساد أسود، ونهب مريع، وتفشٍّ مهول للرشاوى وتوغل للاختلاس وشيوع للارتزاق والسرقات المنظمة وبؤس في المراقبة، يحتاج إلى أعصاب خاصّة حين يستمع إلى برهم وهو يمارس الحول المفضوح. بإيجاز: ضاعت 18 مليار دولار من المال العام في أربع سنوات، تم ضبط 3 آلاف حالة فساد تورّط فيها وزراء ومسؤولون كبار، فُقدت 8،6 مليون دولار في عمليات مقاولات. تبخرت 8 مليارات دولار في أثناء إدارة بول بريمر، 8،8 مليار دولار لم يُعرف مصيرها بعد تسليمها للوزارات العراقية، 169 شكوى في قضايا فساد في وزارة الدفاع العراقية أحيلت 8 منها للقضاء وادين اثنان فقط. قد تكفي هذه الوقائع بين أخرى عديدة للتعاطف مع مزوّر شهادة جامعية ليشتغل مديراً عاماً ل"دائرة الوقاية والشفافية في هيئة النزاهة في العراق".

 

 

القرأن الكريم


الوقت والتأريخ


القـامــوس

 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة البينة الجديدة© 2007          تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com