|
تحقيق:
كاظم الزهيري
تصوير: محمد كطامي
في زمن تطورت فيه الصناعات واصبح كل شيء ممكنا
بفضل ماتوصل اليه العلم في شتى بقاع العالم بقيت
بقعة واحدة تحيي تراث الاجداد وترفض ان تلحق بركب
الشعوب وهذا الرفض جاء نتيجة ماتصرفت به الحكومات
السابقة التي حكمت العراق وارادت ان يكون الشعب
العراقي دوما في حاجة الى كل شيء قديم. ولو ننظر
الى مقتنيات العائلة العراقية
لوجدنا انها لحد الان تستخدم (تنور الطين) ودعونا
نتخيل تنانير الطين وهي تشتعل عند الغروب بنيران
متفرّقة يوحّدها عبق الرغيف الساخن بينما ينضج خبز
العالم في الأفران الكهربائية الحديثة..
نعتقد إنها عودة صعبة في زمن أصبح فيه العالم قرية
صغيرة بفضل التطورالتكنلوجي الكبير الذي تمتعت فيه
شعوب العالم وهذا لايعني إننا ننكر فضل تنور الطين
على أمهاتنا ، لأنه وضعها في امتحان صعب عندما
ألزمتها الظروف لعب دور لم تتوقع أن تلعبه أيديها
التي لا تشبه أيدي جداتنا في العجن والخبز، غير
أنها اقتنعت على ما يبدو: بأن تلك العودة ستتكرر
دائما فعليها إذا أن تحتال على ظرفها وقناعاتها
وكسلها الحضاري وأن تعدّ نفسها لتكون امرأة تجيد
استخدام تنور الطين.
ويعتقد المختصون أن للمرأة العراقية القدرة
العجيبة على التأقلم السريع والابتكار، فهي قادرة
على أن تبدع في مجال عملها وسيدة بيت من الطراز
الأول.. ورب سائل يسال من يصنع الخبز المرأة أم
التنور؟وهذا السؤال يقودنا إلى إن المرأة والتنور
صنعا من طين ..لكن الفرق هنا إن المرأة العراقية
بالإضافة إلى إنها خلقت من طين مفخور لكنها ولدت
من الظروف العصيبة التي أحاطت بها سنين طويلة
تباينت بين الحب والحرب، وعلى الرغم من الاختلاف
الحاصل بين تنور الطين والمرأة العراقية لكنهما
اتفقا على البقاء في مواعيد الحروب ليصنعا النار
والخبز في سنين العوز والفاقه... في جولتي هذه
دنوت من إحدى النساء اللواتي يصنعن تنانير الطين و
تخيلتها واحدة من آلهة الحب والحرب عند أجدادنا
العظام وان يديها الملطختين بالطين كانتا تصنعان
تمثالا سومريا لكني وجدتها امرأة عراقية من الجنوب
ألبستها الحروب ثياب العمل وضاعفت من تجاعيدها
الهموم وأحرقت وجهها الشمس وهي تعجن الطين لتبني
تنانير للعائلة العراقية. (سلامة) امرأة جنوبية
ترعرع عود شبابها في الحرب مع إيران، تزوجت من ابن
عمها (صبيح) وأثمر زواجهما ولدا سمته (ناصر) تقول
سلامة بعد وقوع زوجي في الأسر خلال الحرب وجدت
نفسي في ظرف صعب، واكتشفت انه لايوجد من يتحمل
نفقات معيشتي أنا وولدي، وكانت فكرة البحث عن عمل
عسيرة عليّ تماماً حتى جاءت الصدفة و حاولت أن
اصنع لبيتي تنورا من الطين مستعينة بخبرة جدتي . و
بعد فترة ليس بالطويلة خصوصاً عندما شح الغاز بسبب
القصف على الأحياء السكنية جاءت من تطرق بابي
طالبة مني أن اصنع لها تنوراً من الطين لقاء مبلغ
من المال: وكانت هي تجربتي الثانية التي تلتها
تجارب عدة في صناعة التنانير حسب الطلب. بعد سنين
متتالية من الأزمات العراقية الزاخرة بالنقص
والتخلف عن ركب التطور، أصبح لتنور سلامة خصوصية
معروفة بين الناس حيث لم تعتمد مهنتها على طلبات
الناس المتفاوتة بل هناك من يأتي من قلب المدينة
أو أطرافها ليعقد معها صفقة بالجملة.. يساعدها في
هذا الطلب أو ذاك زوجها(صبيح) الذي عاد من الأسر
ليجد زوجته المدللة قد صارعت الحياة بالطين لتسد
بها غيابه في الحرب وبعدها.
يقول صبيح وهو يحرك قدميه في غمرة الطين الغرينية
والتبن كنا نجلب الطين من الشواطئ كون طينها من
النوع الأحمر الذي يطلق علية تسمية (الطين الحّر)
ثم عدلنا عن ذلك بشراء تراب ناعم نقوم بتحويضه
ووضع الماء فيه عدة أيام حتى يذوب التراب بالماء
بعدها نقوم بتقليبه بالمجارف ثم هرسه بأقدامنا مع
إضافة كمية مناسبة من التبن تساعد في صلابة الطين
وتمنع تفطره في حالة إشعال الحطب فيه، وفي المرحلة
الأخيرة نقوم بتقطيع الطين وعجنه بأيدينا عدة مرات
كي نطرد فقاعات الهواء المتخللة في الطين, وعندما
يصبح جاهزاً تباشر سلامة بصناعة التنانير.
إنها حقاً مهنة متعبة لاسيما وأن امرأة مثل سلامة
هي واحدة من ملايين النساء العراقيات اللواتي وجدن
أنفسهن وحيدات في زمن الحروب التي فرضها النظام
السابق على العراقيين.. |