|
واشنطن
/ حاوره د. فارس بريزات
يعتبر أرنود دي بورشجريف من أكثر المحللين
السياسيين ذوي الخلفية الإعلامية إلماماً بشؤون
الشرق الأوسط.وبصفته مديراً لمشروع التهديد العابر
للقوميات Transnational Threats Project في مركز
الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن لديه
كثير من المعلومات والحقائق عن خفايا صناعة
السياسة في واشنطن خصوصاً وأنه دخل السنة الحادية
والثمانين من عمره ولا يزال يتمتع بحيوية ونشاط،
ويكتب بشكل يومي، وينشر دون انقطاع.ونظراً
لمعاصرته للسياسة منذ الخمسينات من القرن الماضي
ومتابعته لتفاصيل صناعة القرارات المهمة - التي
حددت معالم السياسة الخارجية للولايات المتحدة -
تمكن من كتابة العديد من الكتب والمقالات التي
تتناول التهديد العابر للقوميات.وكان من أوائل
الذين كتبوا في الإرهاب الإلكتروني Cyber
Terrorism في عام 1998.أثناء عمله في مركز
الدراسات الاستراتيجية والدولية كتب عشرات الكتب
والتقارير كان آخرها عن الذكرى الخامسة لأحداث
أيلول 2001.ويعمل الآن في العديد من المشاريع
البحثية ذات العلاقة بالأمن والسياسة الخارجية.
ومن خلال عمله مع مجلة نيوزويك لمدة تزيد عن 30
عاماً غطى أرنود دي بورشجريف أغلب مناطق العالم
وأحداثها المهمة.عندما كان في الحادية والعشرين من
عمره عينته نيوزويك مديراً لمكتبها في بروكسل،
وبعد ثلاث سنوات أصبح مديراً لمكتب نيوزويك في
باريس.وعندما كان في السابعة والعشرين من عمره
أصبح محرراً رئيسياً في المجلة لمدة 25 عاماً.وفي
عام 1985 عين رئيساً لتحرير صحيفة واشنطن تايمز
اليمينية، واستمر في هذا الموقع حتى عام 1991
ويعمل الآن محرراً عاماً وغير متفرغEditor at
Large للصحيفة.وبين عامي 1991 و2001 عمل السيد
أرنود دي بورشجريف رئيساً لمجلس إدارة United
Press International (UPI) ورئيساً لها، ويعمل
الآن كذلك محرراً غير متفرغ لها.ونظراً لعمله
الصحفي المتميز نال السيد أرنود جائزة أفضل تغطية
لمجلة من الخارج، وأفضل تحليل للشؤون الخارجية
لمجلة.وفي عام 1981 قُلد السيد أرنود دي بورشجريف
ميدالية الشرف من مجلس الأعمال العالمي، وفي عام
1985 قُلد ميدالية جورج واشنطن للتميز عن أفضل
الأعمال المنشورة.لا شك أن رجلاً بهذه الخلفية
لديه الكثير الذي لا بد من سماعه، ونشره للقاريء
العربي.لذلك إرتأى مكتب المجلة في واشنطن التحدث
إلى السيد أرنود دي بورشجريف لطرح الأسئلة الملحة
التي تشغل المنطقة العربية بشكل عام، ومنطقة
الخليج بشكل خاص، ولا شك أنها تشغل الرأي العام
العالمي كذلك.التقته المجلة في مكتبه في مركز
الدراسات الاستراتيجية والدولية محاطاً بصور عديدة
مع الزعماء العرب وكان هذا الحوار:
*تحدثت عن احتمال شن الولايات المتحدة حرباً على
إيران وقلت إن ذلك أمر وارد، هل لا زلت تعتقد أن
الحرب على إيران قادمة؟
ـ اليوم يبدو أن فرص اندلاع حرب بين الولايات
المتحدة وإيران أكثر من 50 في المائة.
*لماذا؟
ـ الرئيس بوش يريد أن يترك إرثاً وإنجازاً يتجاوز
ما قام به حتى الآن وهو تدمير الشرق الأوسط. هكذا
سيتذكره التاريخ أنه الرئيس الأمريكي الذي دمر
الشرق الأوسط، وهو بلا شك لا يرغب أن يذكره
التاريخ بهذه الصورة. العراق هو أكبر كارثة في
تاريخ الولايات المتحدة. عندما يتحدث الناس عن
العراق يقولون إننا خسرنا الحرب في فيتنام، وأنها
كانت أكثر فظاعة من حرب العراق ولكن ما أود قوله
هنا هو إننا خسرنا معركة فيتنام في الحرب الباردة،
وهي حرب ربحناها في النهاية، فهي معركة في حرب،
ولكن العراق شيء مختلف. العراق كارثة كبيرة. ولا
شك أن الرئيس بوش متورط جداً. ويمكنني القول أنه
يشبه رجلاً في منتصف الطريق ولايعرف أن يذهب. في
هذه الحالة قد يكون الحل أمامه أن يتحرك بسرعة
كبيرة جداً باتجاه آخر ليس مهماً أين، ولكن المهم
هو تغيير المسار، والانطلاق بسرعة. والاتجاه
الوحيد الممكن للرئيس أن يأخذه، من وجهة نظري، هو
إيران. ولعلك لاحظت ما يقوله الإسرائيليون إنه من
غير المعقول أن يسمح الغرب لإيران بامتلاك السلاح
النووي، وهي من واجبات الغرب أن يقوم بشيء ما لوقف
هذا البرنامج. وإذا لم يقم الغرب بوقف هذا
البرنامج ستقوم إسرائيل بذلك. وهذا ما يقوله
الإسرائيليون. وهذا سيناريو مغر للرئيس بوش، أي أن
تقوم إسرائيل بضرب إيران وتجر الولايات المتحدة
معها.
*هل تعتقد أن الإسرائيليين سيقومون بضرب إيران؟
ـ لا يستطيع الإسرائيليون أن يقوموا بذلك بشكل
فعال لوحدهم. لديهم حولي 11 طائرة قادرة على تزويد
الطائرات بالوقود في الجو. وحتى يتمكنوا من ضرب
العمق الإيراني يجب أن يقوموا بإعادة التزويد
بالوقود في الجو مرة أو مرتين، ويجب أن يجتازوا
المجال الجوي الإيراني فوق العراق ومنطقة الخليج.
أي شيء يقوم به الإسرائيليون سنلام نحن عليه سواء
عملوها عن طريق المفاجأة كما عملوا في حرب الأيام
الستة عام 1976، أو حتى في حال إخبارنا بها بشكل
خاص. في النهاية سنتحمل نحن المسؤولية. وسيعزز هذا
العمل الصورة الموجودة في العالم الإسلامي حول
المؤامرة الصهيونية الأمريكية على العالم
الإسلامي. وحتماً ستكون هذه هي الصورة حتى بين
أكثر الناس اعتدالاً في الأردن ومصر.
*يبدو أن هناك عاملين سيحكمان التحرك الأمريكي
تجاه إيران. الأول عامل شخصي للرئيس الأمريكي،
والثاني، إسرائيل. وعلى أي حال إذا قام الرئيس
بعمل عسكري ضد إيران فإن هذا لا يساعده على أن
يدخل التاريخ كصانع سلام في العالم، وإنما سيدخل
التاريخ كصانع أزمات في الشرق الأوسط، وسيخلق نقطة
ساخنة جديدة في المنطقة؟
ـ النتيجة ستكون أكثر من نقطة ساخنة. عمل كهذا
سيفجر المنطقة. الرئيس بوش لا يراها كذلك. فهو كان
يعتقد أن العراق سيكون قصة نجاح كبيرة تخلده في
التاريخ. صدق الرئيس بوش أن التاريخ سيذكره بتلك
الصورة على حاملات الطائرات التي أعلن منها انتهاء
المهمة في العراق. وهو يرى إيران بنفس الطريقة.
البعض يقول له أنه يمكن أن نقوم بالعملية. مثلا،
الإسرائيليون يقولون: إن العملية تتطلب ضرب سبع
عشرة نقطة مختلفة. بعض قادة القوات الجوية في
البنتاغون يقولون إنه يمكن إنجاز العملية في ثلاث
ليال من القصف المتتالي على نحو سبعمائة نقطة ومن
بين هذه النقاط توجد ثمان وخمسون يجب استهدافها عن
طريق قنابل اختراق لتتمكن من اجتياز جدران الحماية
المعززة حولها. هذه حملة كبيرة.
*ما هي توقعاتك عن رد الفعل الإيراني؟
ـ أول ما سيقوم به الإيرانيون، وأنا أعرف إيران
جيداً وأعرف البحرية الإيرانية جيداً، لأنني أمضيت
وقتاً طويلاً فيها أثناء عملي خاصة أيام الشاه،
سيقومون بنشر ألغام بحرية في الخليج وبمجرد رؤية
أول لغم بحري سيرتفع سعر برميل النفط إلى 200
دولار، وبشكل فوري. وسيبدأ التفكك في المنطقة. *هل
تعتقد أن الرئيس فكر ملياً في الهجوم العسكري على
إيران؟ وهل لديه الجاهزية للتعامل مع النتائج؟
ـ لا أعتقد أنه يؤمن أنه ستكون هناك نتائج كارثية
لمثل هذا العمل تشمل كل المنطقة. لأنه يعرف أن
السعوديين وهم حلفاء في المنطقة وبناء على ما
نعرفه مما حدث بين الملك عبدالله وديك تشيني كانت
هناك رسالة سعودية واضحة، وهي أننا لن نقف مكتوفي
الأيدي امام ما يجري في العراق، وما يحدث للسنة
هناك من تصفيات. وإذا كنت ستضع نفسك مكان بوش
وتفكر في السيناريوهات التي ستتبع ضرب إيران فإنك
لن ترى النتائج بالصورة الكارثية التي أراها أنا.
فهو يراها من زاوية مختلفة.
*يبدو أن العرب سيكونون هم الخاسرين، هل تتفق مع
هذا التقييم؟
- طبعاً. البيت الأبيض والبنتاغون يرون أن دول
الخليج هي معنا وسيشكروننا على ما سنقوم به. هذه
الحسابات موجودة وقد تكون حسابات خاطئة جداً.
وبرغم ذلك يمكن القول أن هذا السيناريو محتمل.
ونعرف ما هو موقف دول الخليج فهم بالطبع منزعجون
من البرنامج النووي الإيراني.
*في الوقت الذي ترى فيه الأنظمة السياسية في
المنطقة إيران كخطر استراتيجي، يأخذ الرأي العام
في العالم الإسلامي موقفاً لا يرى أن إيران تشكل
تهديداً استراتيجياً. هل تعتقد أن هذه المواقف
المتناقضة ستساهم في خلق عدم استقرار لبعض الأنظمة
في المنطقة؟
ـ طبعاً. ودعني أقول التالي. إيران لديها مخاوف
أمنية جدية سواء كانت تحت حكم الشاه أو رجال الدين
أو العسكر. فعلى يمينها في أفغانستان يوجد نحو 20
ألف جندي أمريكي و20 ألف جندي من الناتو. وعلى
يسارها في العراق يوجد نحو 150 ألف جندي أمريكي.
وخلفهم يوجد الأسطول الأمريكي السادس. أربع من أصل
ثمان قوى نووية عالمية توجد بجانب إيران وهي
باكستان والهند وروسيا وإسرائيل. بالطبع هذه تشكل
مخاوف أمنية جدية لإيران. وإيران قوة رئيسية في
المنطقة ففيها سبعون مليون إنسان، وحضارة عريقة
ويساءلون إذا كانت باكستان تمتلك القنبلة النووية
لم لا نمتلكها نحن كذلك؟ ولكن ما يجعل الموضوع
إشكالياً هو وجود شخص غير سوي مثل أحمدي نجاد على
رأس السلطة في إيران.
*انت عاصرت الكثير من الحروب والحكام وكانت لك
صداقات مع العديد من حكام المنطقة، هل ترى أن طموح
إيران النووي الآن جديد؟ أم أنه استكمال لمرحلة
تاريخية سابقة؟
ـ الشاه قال لي عام 1972 أن إيران ستصبح قوة نووية
يوما ما. وعندما سألته لماذا، قال الموضوع بسيط،
لقد تم تعييني كشرطي للمنطقة حسب نظرية نيكسون
الأمنية للمنطقة. ونظرية نيكسون الأمنية اتبعت
نظرية ملء الفراغ الذي تركه الإنجليز بعد أن تخلوا
عن مسؤولياتهم شرق قناة السويس. وهذا جعل الولايات
المتحدة الوارث لهذه المسؤوليات. ولذلك قام الشاه
بشراء الكثير من المعدات العسكرية بما في ذلك تسع
طائرات نقل عسكري من طراز 747 وعندما سألته عن
السبب؟ قال لي لأتمكن من إنزال قوات في أي منطقة
من الخليج تتعرض لاضطراب مثل انقلاب أو ماشابه ذلك
خلال نصف يوم. وعندما تمت الإطاحة بالشاه كانت
هناك عشر مفاعلات نووية في طريقها إلى إيران خمس
من الولايات المتحدة وخمس من أوروبا. الحلم
الإيراني بالقوة النووية قديم. ولو كان نظام الشاه
هو القائم الآن ويطور برنامجاً نووياً لا أعتقد أن
الغرب كان سيعيق تقدمه.
*تتحدث بعض الدول العربية الآن عن تطوير برامج
نووية خاصة بها وبرامج نووية سلمية مشتركة. ما
تعليقك؟
ـ أعتقد أن هذه هي الخطوة الأولي وهي تغطية للدخول
في المجال النووي لأن الدول العربية لا تستطيع أن
تقف مكتوفة الأيدي في حين أن إيران تطور تكنولوجيا
نووية. ففي الوقت الذي لاتوجد فيه دولة عربية
واحدة لديها قدرات نووية هناك إسرائيل وإيران
بقدراتهما النووية، فهي استجابة طبيعية من قبل
الدول العربية.
*هل تعتقد أن الولايات المتحدة ستغض الطرف عن
النشاطات النووية للدول العربية؟
ـ من الصعب التنبؤ بذلك. . وأشك أنه سيعير هذه
البرامج اهتماماً.
*في حال أن إيران ضربت كيف ترى العلاقات السعودية
الأمريكية ما بعد ضرب إيران؟
ـ من الصعب التنبؤ بدقة ولكن هذا يعتمد إلى حد
كبير على ما إذا كانت السعودية طرفاً أم لا بشكل
غير مباشر مثل أن يتم ضرب أبقيق أو رأس تنورة وهذا
ربما يدفع السعودية إلى الصف الأمريكي. على الرغم
من صعوبة التنبؤ إلا أنني أستطيع أن أخمن أن بعض
أفراد العائلة المالكة وصناع القرار، ولا أعرف عن
بقية المجتمع، سيأملون أن تكون العملية سريعة
وفعالة.
*ماذا عن الحل الدبلوماسي؟ المنطقة تفضل الحل
الدبلوماسي لتجنب النتائج الكارثية لعملية عسكرية؟
ـ أنا كتبت مؤيدا الوصول إلى صفقة جيوسياسية مع
إيران. ولا يوجد لدينا أي شخص يمكن أن يفاوض في
مثل هذه الصفقة سوى جيمس بيكر. رأيت كيف تعرض جيمس
بيكر ولي هاملتون لانتقادات كثيرة جداً من قبل
المحافظين القريبين من الرئيس بوش. وأنا طالبت قبل
سنتين على الأقل أن نرسل جيمس بيكر إلى مدينة قم
كما بعثنا هنري كسينجر إلى الصين في مهمة سرية
وليس لدينا أي شخص يستطيع القيام بذلك. كونديليزا
رايس لا تستطيع أن تذهب إلى مدينة قم، وتجلس مع
المرجعية الدينية هناك. لأن عقلها لا يعمل بهذه
الطريقة. جيمس بيكر مؤهل وقادر للقيام بهذه المهمة
لأنه يفهم حدود التعامل وما يمكن إعطاؤه
للإيرانيين. ولكن هذا يعني قبولنا أنهم سيحصلون
على سلاح نووي في قادم الأيام. وعلى الرغم من وجود
عدة طرق لصياغة حل دبلوماسي، إلا أن الوقت بات
متأخرا جداً الآن.
*في حال ضرب إيران، فإن برنامجها النووي لن يتوقف
ربما يتأخر لكنه لن يتوقف. وربما يعزز الهجوم على
إيران الموقف الإيراني، ويبرر موقف إيران بالحصول
على السلاح النووي؟
ـ سألت هذا السؤال لأشخاص مهمين جداً في عالم
المخابرات وأخبروني أنه إذا ضربنا إيران فإن أفضل
ما يمكنك أن تأمل به هو تأخير برنامجها النووي من
5 إلى 10 سنوات. وقال أحد الأشخاص المهمين
الموجودين، إذا كانت الضربة العسكرية ستؤخر
البرنامج النووي الإيراني 5 إلى 10 سنوات فيجب
علينا أخذ ذلك بعين الاعتبار. لأنه خلال هذ الفترة
ربما يتمكن الإصلاحيون من السيطرة على النظام
السياسي في إيران وربما سيتخلصون من الأشخاص
المعنيين بخلق هذه المشكلة هذه هي طريقة تفكير بعض
قيادات الأجهزة الاستخبارية الأمريكية.
*وماذا عن قولك أن إيران ستحصل على القنبلة سواء
تحت حكم الإصلاحيين، أو المتطرفين أو الشاه،
الحصول على القنبلة هو طموح إيراني وسيضطر العرب
أيضاً لتطوير سلاحهم النووي؟
ـ أتوقع ذلك. وأتوقع أيضاّ أن يشهد جيلك تبادل
هجمات نووية في منطقة الشرق الأوسط . |