|
الحلقة الخامسة
المهندس باسم الدوس
في سلسلة حلقات العدالة عن الاميرعلي بن ابي
طالب(ع) ابتدأنا من دروس العدالة التي اخذها من
مربيه واستاذه النبي الاكرم(ص) راعي العدالة
الالهية الاول وكيف اصبحت ملكة عند امير المؤمنين
فتكلم عنها نظرياً وطبقها عملياً على ارض الواقع
ابان خلافته السياسية وحينها ابتدأها على نفسه ومن
ثم على ولده واخيه وهو القائل قولته المشهورة:
((من نصب نفسه للناس اماماً فعليه ان يبدأ بتعليم
نفسه قبل تعليم غيره وليكن تأديبه بسيرته قبل
تأديبه بلسانه)).
فالرجل العظيم(عليّ) يقول ويفعل ويدخل في ادق
التفاصيل ويغور في النفس البشرية وهو القائل في
كتابه لابن حنيف:
(( وأيم الله-يميناً استثني فيه مشيئة الله-لاروضن
نفسي رياضة تهش معها الى القرص اذا قدرت عليه
مطعوماً وتقنع بالملح مأدوماً ولادعن مقلتي كعين
ماء نضب معينها مستفرغة دموعها)).
مر امير المؤمنين (ع) امام دكان قصاب فقال القصاب:
عندي لحم جيد.
قال(ع):ليس معي الان نقود لاشتري.
قال القصاب:لا بأس امهلك.
قال(ع):وانا اقول لبطني ان تصبر.
والان اذا عدنا الى عدالته مع خاصته وبعد ان قرأنا
عدالته مع ابنه الحسين(ع) واخيه عقيل نقرأ اليوم
عدالته مع ابن عمه عبد الله بن العباس حينما كان
واليا له على البصرة.
لقد كان ابن عباس من اقرب الناس اليه ولقد كانت
هذه الحادثة شديدة التأثير على الامير(ع) ونرى ذلك
من خلال كلماته التي ارسلها الى ابن عباس وهو
يتهدده فلا مهاونة مع احد وان كان ابن عباس
فالمنهاج العلوي في العدالة صارم وشديد مع النفس
والاقارب ويكاد لا يتحمله احد مهما كانت صلته مع
الامام.
فقد وصل من ابي الاسود الدؤلي بلاغ الى الامام(ع)
يخبره عن تجاوزات مالية لابن عباس في بيت
المال(وهي اليوم من الحوادث اليومية التي لا ينتبه
اليها احد) وحينما يطلب الامام(ع) من ابن عباس كشف
الحساب حينها يهرب ابن عباس لانه يعرف جيداً مدى
صرامة الامام(ع) في تطبيق العدالة وانه (اي ابن
عباس) ليس فوق القانون الالهي وعندما يهرب ابن
عباس فلا طاقة له في تحمل عدالة الامام وفيها يقول
الامام:
(أما بعد فأني كنت اشركتك في امانتي وجعلتك شعاري
وبطانتي ولم يكن رجل من اهلي اوثق منك في نفسي
لمواساتي ومؤازرتي واداء الامانة لي.. فلما امكنتك
الشدة في خيانة الامة اسرعت الكرة وعاجلت الوثبة
واختطفت ما قدرت عليه من اموالهم المصونة لاراملهم
وايتامهم اختطاف الذئب سائبة المعزى الكسيرة فحمله
الى الحجاز رحيب الصدر بحمله غير مأثوم..
فأتق الله واردد الى هؤلاء اموالهم فانك ان لم
تفعل ثم امكنني الله منك لاعذرن الى الله فيك
ولاضربنك بسيفي الذي ما ضربت به احداً الا دخل
النار.ووالله لو ان الحسن والحسين فعلا مثل الذي
فعلت ماكانت لهما عندي هوادة ولا ظفرا مني بعطف
حتى اخذ الحق منهما).
اما قصته مع عبد الله بن جعفر فهذا الرجل معروف
بالسخاء والكرم الى درجة عجيبة فيأتي الى عمه امير
المؤمنين(ع) في محنة المت به ويقول( يا امير
المؤمنين لو امرت لي بمعونة او نفقة.. فو الله
مالي نفقة الا ان ابيع دابتي). اما جواب امام
العدالة والحق الالهي فهو:
(لا والله، لا اجد لك شيئاًَ،الا ان تأمر عمك ان
يسرق فيعطيك).
بعد هذه القراءة السريعة والبسيطة نرى من الطبيعي
ان يكون جواب الامام (ع) لابن اخيه جعفر بهذا
الشكل ولا نعجب من ذلك وخاصة ان الامام حينما تربى
باحضان النبوة المحمدية قد تلقى دروسا في غاية
الدقة بهذا الخصوص فينقل لنا الامام الصادق(ع) ان
عليا(ع) قد اصابه وجع في عينه فجاء رسول الله(ص)
لعيادته حيث كان صوت علي يرتفع من الالم فقال(ص):
هذا الصياح من الجزع والفزع ام من شدة الالم؟
فقال امير المؤمين(ع) يا رسول الله لم اتألم الى
الان اصعب من هذا الالم؟
فذكره رسول الله(ص) في هذه المناسبة باللحظات
الصعبة والمخيفة عند قبض روح الكافر فعندما سمع
علي(ع) ذلك نهض وجلس ثم قال: يا رسول الله!اعد هذا
الحديث الذي انساني نفسي.
ثم قال(ع) يا رسول الله هل تقبض روح شخص من امتك
بهذا الشكل؟
قال(ص):الحاكم الجائر والشخص الذي يأكل مال اليتيم
وشاهد الزور).
وما اكثر الايتام وما اكثر السراق الذين يسرقون
اموال اليتامى والارامل بأسم الامتيازات والمناصب
والرواتب الجبارة التي لا نعرف تبريراً لها وما
اكثر العقود الوهمية والمشاريع الورقية التي لا
وجود لها بأرض الواقع وان وجدت فالمعروف عنها
اضعاف الحقيقة والفارق في الاموال يذهب للحسابات
المصرفية بأسماء اصدقاء واقارب المسؤول وقسم اخر
لبناء القصور التي تضاهي قصور معاوية وهارون..
والفارق عن زمن الامير(ع) انه ثمة حاكم عادل شاهر
سيفه بوجه القريب قبل البعيد والصديق قبل العدو في
تنفيذ العدالة الاجتماعية ويبقى صوت الامام (ع)
ينادي الاجيال من الحكام على مر السنين:
(الا وانكم لا تقدرون على ذلك ولكن اعينوني بورع
واجتهاد وعفة وسداد)). |