|
جاسم فيصل الزبيدي
للمهن الشعبية تاريخ طويل وقديم قدم
الانسان..وربما كان تاريخاً لمدينة كالسماوة
الغافية على ضفاف نهر الفرات العذب.. التي اشتهرت
بعدد من الصناعات الشعبية كصناعة القوارب وخياطة
العباءة الرجالية والسجاد، وغيرها من المهن
التراثية
وللتعرف على صناعة السجاد في السماوة دونكم
التقرير التالي: تحد محافظة المثنى من الشمال
محافظة القادسية وجزء من محافظة النجف ومن الجنوب
والشرق محافظة ذي قار وجزء من البصرة، ومن الغرب
حدود المملكة العربية السعودية، وتقع مدينة
السماوة مركز محافظة المثنى في منتصف الطريق بين
بغداد والبصرة، ومن هنا اختارها الإنكليز محطة
التقاء القطارين القادم احدهما من بغداد والآخر من
البصرة حيث يلتقيان في المحطة المركزية في
السماوة، ومن ثم يفترقان باتجاهين متضادين .
تتشكل هيكلية محافظة المثنى من عدد من الاقضية
والنواحي والأرياف.وإلى ما قبل العام 1969 لم يكن
لمحافظة المثنى وجود بل كانت عبارة عن قضاء
السماوة التابع للواء الديوانية. وكانت جميع
الاجراءات المتعلقة بالقضاء يتم الحصول على
موافقات إنجازها ومراجعاتها مع مركز محافظة
الديوانية الذي يبعد عن السماوة 90 كم، وهو طريق
ترابي عانى منه سكان القضاء والنواحي التابعة له
أيما معاناة.
وفي العام 1969 وعلى اثر قرار صادر من مجلس قيادة
الثورة آنذاك، استحدثت محافظة المثنى بموجب تطبيق
قانون المحافظات في 1/10/ 1969.
يقول الكاتب والقاص زيد الشهيد”عُرف عن السماوة
أنها مدينة نساؤها تصنع “ الأزر” حياكةً. والإزار
السماوي احد الأصناف المهمة التي يسأل عنها التجار
في تعاملهم مع البائعين أو المروجين لهذه الصناعة.
ويوم اشتهرت تجارة الأزر خارج العراق في سبعينات
القرن الماضي وشرع التجار اللبنانيون في شراء
الأزر العراقية، لتصديرها إلى دول أوربا والدول
الاخرى، أيقنوا واستنتجوا أن الإزار السماوي هو
أفضل أنواع الأزر العراقية فكان طلبهم ينصب على
هذا النوع من الأزر. وما زلنا نتذكر سبعينات القرن
الماضي نحن أبناء المدينة كيف ازدهرت تجارة
الإقبال على شراء الأزر السماوية وشهدنا افتتاح
محلات عديدة داخل سوق المدينة الكبير هدفه شراء
الأزر بالمواصفات السماوية فقط .”
وعن كيفية صناعة “الإزار”يقول: “يصنع الإزار وهو
لحاف يتغطى به النائم من خيوط الصوف التي يكثر
وجوده في المدينة حيث الأرياف المحيطة تعتمد تربية
وتكثير الأغنام نظراً لوفرة الماء والعلف. واليد
التي تصنعه يد المرأة السماوية. يغزل الصوف أولاً
ليكون خيوطاً تعمل بشكل لفافات؛ ما تلبث أن تحال
إلى لفافات عديدة ثم تصبغ بالصبغات المتعددة.
وعادة ما يكون اللون الأحمر هو الطاغي. ثم يكون
هنا اللون الأزرق والأصفر . وتبدأ العاملة
باستخدام قطعة قماش محاكة بالصوف تشتريها من
الحائك الذي يصنعها بالآلة اليدوية وتشرع هي
باستخدام الإبرة الطويلة المخصصة لهدا الغرض في
إدخال الخيوط واستخراجها عبر هذه القطعة الصوفية.
ويدخل ذوقها الفني ومهارتها في إنتاج الإزار
اللائق المتميز الذي يبهر الآخرين في فنه وحسن
إتقانه.
واضاف “وتصنع المرأة في الريف السماوي احد أنواع
البسط وتسمى (الغليجة). وهو بساط ارضي للجلوس عليه
ويشكل احد الافرشة الوثيرة التي يشعر الجالس
بالارتياح عند الجلوس أو حتى النوم عليها لما
يحتويه سطحها من خيوط صوفية وفيرة تشكل طبقة مريحة
بمثابة الاسفنج في صناعة الافرشة الحديثة. وتصنع
(الغلايج) من خيوط الصوف الملونة ايضاَ كما يطغي
عليها اللون الأحمر والأزرق والأصفر والبني.
كما ان هناك نوعا آخر من البسط وتسمى الواحدة منها
(المَدّة) ويبلغ طولها مترين وعرضها مترا واحدا
وتصنع من خيوط الصوف. وعادة ما يأتي التشكيل فيها
على شكل مستطيلات متوازية على عرض (المَدة). كما
ان هناك صناعة (الكيش) أو (العصابة) التي تلفها
المرأة على رأسها لإكمال زينتها النسائية التي
تظهرها أكثر مهابةً . وهذا الملبس لا تلبسه
الفتيات اليافعات أو الشابات المتزوجات حديثاً
إنما النساء اللاتي تجاوزن الأربعين واللاتي غدين
في عرف المجتمع أمهات كبيرات اقرب إلى الجدات حيث
يلبسن العصائب ويذهبن إلى مجالس العزاء بهذا
الملبس الذي يعرض مهابتهن .
تقول أم فاضل امرأة قادمة من عمق بادية السماوة
“السجادة (الغليجة) مازالت جزءا مهما من جهاز
العروس عندنا بالإضافة إلى البساط، وهي تضاهي
الذهب في أهميته للعروس، حيث نادرا ما تفرشها
المرأة و تدخرها لبيعها عند الحاجة.”
اما المواطن مرزوق مطر فيقول: “أعمل في هذا المجال
منذ سنوات، ولدي خبرة طويلة في هذا المجال
اكتسبتها من خلال عائلتي واسلافي، فأنا نشأت في
بيت في ريف السماوة حيث تصنع هذه السلع وتستعمل
على نطاق واسع وأنا أبيع الايزارات والرقم
والغلائج.”
وحول اسباب هذه التسميات قال “مطر”: “الإيزار هو
كالبطانية، وكان يستعمل في السابق كغطاء، ولكن مع
تطور الوقت أصبح يستخدم كجزء من الأثاث، ويصنع من
الصوف الخالص وتنسج بعض مكوناته محليا، بينما
تستورد الأخرى للتطريز اليدوي على بعض أجزائها.”
واضاف “الايزار يتم تطريز بعض مكوناته يدويا،
وبعضها مازال يحتفظ ببريقه وألوانه على الرغم من
صنعه قبل عشرات السنين.أما الغليجة فهي سجادة
مصنوعة يدويا من الصوف الملون والمصبوغ يدويا،
وتكون سميكة وتسمى غليجة في بعض مناطق العراق،
وخاصة في الجنوب وتعتز بها المرأة كثيرا و تفخر
باقتنائها.”
أما البساط فيقول عنه مرزوق”يسمى عندنا (الرقم)
وهو يشبه السجادة إلى حد ما، ولكنه أقل سمكا و
أكثر استخداما في البيت بسبب خفته ورخص ثمنه
بالمقارنة بالغليجة.”
وعن مميزات السجاد السماوي ، يقول مرزوق “السجاد
السماوي عبارة عن صوف خالص يتم نسجه يدويا ويتميز
عن الصناعي، بعد شرائه اذ لا يمكن استرداد قيمته
الأصلية بعد بيعه، ولكن اليدوي الصنع يزداد سعره
كلما مر عليه الزمن، بل أن منه ما يعد تراثيا،
وبالتالي تتضاعف قيمته مع الوقت.”
وحول توفر هذه الأنواع في السوق، يقول مرزوق
“السجادة أو الغليجة، وكذلك الرقم ما زالا متوفرين
لحد الآن، إلا أن الايزار بدأ ينقرض، لان الذين
كانوا يصنعونه، غالبيتهم من نساء الأرياف، ولم تعد
هؤلاء النسوة موجودات خصوصا أن غالبيتهن، توفين
ومنهن من تركن هذه الحرفة وابتعدن عنها بسبب ظروف
الحياة الصعبة خلال الفترة الماضية.”
ويتحدث مرزوق عن الايزار وشحته في السوق المحلية
في الوقت الراهن فيقول “الايزار أصبح نادرا وقليلا
في السوق، فحاليا لا يأتي إلى السوق أكثر من ايزار
واحد أو اثنين خلال شهرين ولربما ثلاثة أشهر.”
واضاف “اننا نذهب أحيانا إلى القرى الريفية للبحث
عن الايزارات فنمر على قرية واثنتين وثلاث ولا نجد
قطعة واحدة وان وجدنا فقد لا نجد أكثر من ايزار
واحد.”
ويكمل مرزوق”قد تأتي امرأة بايزار حاكته بنفسها أو
تحتفظ به منذ زمن لبيعه، وهي تحمله على رأسها وعند
وصولها السوق يتلقفها بعض الذين يعملون في هذا
المجال ويتسابقون لشراء ما عندها وبعدها يقومون
بجلبه إلينا لنشتريه نحن منهم.”
ويعزو مرزوق هذه الشحة في الايزارات أن “أصحاب
الخبرة والقادرين على عمل الايزار قد انقرضوا
تقريبا، وما كان موجودا من الايزارات أصبح له قيمة
تراثية”.
ويضيف “حاليا قليلا ما يجلب إلينا ايزار لكن
السجاد اليدوي يأتي باستمرار.”
وعن أسعار الايزارات في السوق العراقية يقول
“الأسعار تتأثر بارتفاع كلفة اليد العاملة وتكاليف
الصوف والألوان، فالايزار زاد سعره كثيرا في
الآونة الأخيرة وفي أواخر التسعينات (من القرن
الماضي) كنا نبيعه بحدود 40 ألف دينار، أما الآن
فقد تجاوزت أسعاره مائة ألف.”
أما عن السجاد وأسعاره فيقول “السجاد في جنوب
العراق على نوعين سجاد السماوة وسجاد المشخاب،
والثاني أفضل من الأول وأدق صنعا وأغلى ثمنا،
فسجاد السماوة لا يتجاوز سعره الآن 125 ألفا
للواحدة بينما يتجاوز سجاد المشخاب
المسمى”الغزالي” 150 ألف دينار أما البساط (الرقم)
فيباع بأربعين ألف.” |